انضم إلينا
اغلاق
"المخترعون الجدد".. هل ابتكر الذكاء الاصطناعي أقوى المضادات الحيوية؟

"المخترعون الجدد".. هل ابتكر الذكاء الاصطناعي أقوى المضادات الحيوية؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

من حين لآخر، يمكن أن تسمع عن إنجاز جديد مذهل ومخيف في آنٍ واحد يتعلّق بالذكاء الاصطناعي. إنه يتعرّف على الوجوه، يتعرّف على كلماتنا التي نكتبها بشكل يدوي، يُغيِّر ملامح الممثلين في المشاهد الشهيرة من الأفلام ويضع مكانها ملامح ممثلين آخرين، يُقلِّد موسيقى شوبان وبيتهوفن، ويُحلِّل بيانات العملاء في إحدى شركات الاتصالات ويتوقّع شخصياتهم بدقة شديدة، لكنك ربما لم تسمع كثيرا عن الذكاء الاصطناعي ككيميائي قادر على اكتشاف الأدوية!

  

تقول ريجينا بارزيلاي، أستاذة الهندسة الكهربية وعلوم الحاسب من معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، في تصريح لـ "ميدان": "يمكن أن يتدرّب الذكاء الاصطناعي على فحص الخصائص العلاجية المتوقعة لعدد هائل من المركبات الكيميائية من أجل استخراج أفضل الاحتمالات الممكنة، دون الحاجة إلى تصنيع تلك المركبات"، لفهم تلك الفكرة دعنا نبدأ من الكيفية التي يُكتشف بها دواء جديد في العموم.

    

الآلة التي تخترع

  

يبدأ الأمر بمدة ثلاث إلى ست سنوات من البحث العلمي حول اختيار المادة الفعالة، هناك دائما آلاف إلى عشرات أو مئات الآلاف من المركبات الكيميائية الموضوعة كاحتمالات، تُختَار مجموعة أولية منها ثم من تلك المجموعة يقوم الباحثون باختيار مركب يمكن أن نبدأ باستخدامه في التجارب الأولية، بعد ذلك تبدأ الاختبارات الكيميائية الأولية، ثم التجريب على الحيوانات، ثم في النهاية التجريب على البشر.

  

يقول جوناثان ستوكس، أستاذ الهندسة الحيوية من معهد ماساتشوستس للتقنية، في حديثه مع "ميدان": "في المقابل من ذلك، تمكّن نموذج الذكاء الاصطناعي الذي قمنا بتطويره من فحص آلاف المركبات الكيميائية فقط في عدة أيام"، مضيفا أن ذلك يفتح بابا لتطوير عدد كبير من المضادات الحيوية الجديدة في وقت قصير.

  

ستوكس هو الباحث الرئيس في دراسة صدرت مؤخرا في دورية "سيل"، لفريق عمل مشترك، ضمّ بارزيلاي كذلك، يتكوّن من متخصصي حوسبة وبيولوجيا. هدفت الدراسة إلى عرض كشف جديد، وهو "الهاليسين"، إنه أول مضاد حيوي يتم اكتشافه على يد نموذج ذكاء اصطناعي، في حديثه مع "ميدان" يقول ستوكس: "ليس ذلك فقط، بل يمكن لهذا النموذج أن يُقدِّم تنبؤات عن خصائص مضادة للبكتيريا جديدة تماما عما نعرفه".

       

ريجينا بارزيلاي، أستاذة الهندسة الكهربية وعلوم الحاسب من معهد ماساتشوستس للتقنية (mit) (مواقع التواصل الاجتماعي)

   

في الواقع، إن إحدى المشكلات الرئيسية التي يواجهها الباحثون في نطاق البحث عن مضادات حيوية جديدة هو أنها لا تكون جديدة كليا، بمعنى أنه يمكن اكتشاف مركبات جديدة فعالة لكنها لا تختلف كثيرا في آلية عملها عن الموجودة حاليا، ما يجعلها تقع تحت طائلة المقاومة البكتيرية منذ البداية، أو تأخذ وقتا قصيرا قبل حدوث ذلك. المقاومة هي قدرة الخلايا البكتيرية لبعض الأمراض مثل المُتفطِّرة السلِّيّة التي تُسبِّب الدرن، أو الكلوستريدم، على تطوير تركيبها البيولوجي بحيث لا يتأثر بوجود المضاد الحيوي.

   

أما بالنسبة للهاليسين، بحد تعبير ستوكس في حديثه مع "ميدان"، فإن آلية عمله مختلفة عن المعهود، فهو يقتل البكتيريا عن طريق تعطيل قدرتها على الحفاظ على التدرج الكهروكيميائي عبر جدارها الخلوي، هذا التدرج ببساطة هو الفارق في التركيز والشحنة بين ما هو داخل وخارج الخلية، يُعَدُّ هذا التدرج ضروريا لعمليات كثيرة منها -على سبيل المثال- إنتاج الطاقة في الخلية، لهذا السبب كان الهالسين، في التجارب الأولى، فعالا ضد نطاق واسع من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، ومن ضمنها المُتفطِّرة السلِّيّة والكلوستريدم.

  

مساق قصير للحواسيب

في تلك النقطة، لا بد أنك تسأل عن الكيفية التي تمكّن بها الذكاء الاصطناعي من إيجاد الدواء الجديد، فخوارزميات الذكاء الاصطناعي ليست عامة بحيث يمكن استخدامها في كل شيء، لذلك يجب تطوير كل واحدة منها منذ البداية بدقة وحرفية شديدتين بحيث نحصل على أفضل دقة ممكنة. في الواقع، إنها ليست المرة الأولى التي يحاول فيها العلماء استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف مضادات حيوية جديدة، لكن المحاولات السابقة كانت غير فعالة.

    

يرتدي الأسود، جوناثان ستوكس، أستاذ الهندسة الحيوية من معهد ماساتشوستس للتقنية (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

في حديثها مع "ميدان" تقول بارزيلاي: "يتعلم الذكاء الاصطناعي من خلال التدرب على مجموعة من المركبات التي نعرف أن لها فعالية حيوية بالفعل"، مضيفة بعد قليل: "ومن هذه البيانات فإنه يستنتج العلاقة بين التركيب الكيميائي للمركب والخصائص المضادة للبكتيريا، وبمجرد انتهاء تدريبه يمكننا تطبيق الأمر للعثور على الترشيحات الجديدة".

     

لفهم الفكرة دعنا نبدأ من تقنية التعرف على الأرقام، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي الخاص بشركة غوغل مثلا أن يتعرف على أي رقم 9 تكتبه بيديك على ورقة بيضاء، سواء كان مائلا أو طويلا بعض الشيء أو قصيرا أو يتخذ شكلا بلا ملامح واضحة، يقوم الذكاء الاصطناعي بتلك المهمة عبر الآلية نفسها التي يستخدمها دماغك، لذلك تُسمى تلك الآلية بـ "الشبكة العصبونية الاصطناعية".

    

حيث يُقسَّم هذا الرقم إلى أجزاء صغيرة جدا لكل منها احتمال، فرقم 9 يتكوّن من دائرة تعلو خطا مائلا، ليس ذلك فقط، بل ويمكن تقسيم تلك الفكرة إلى أرقام أصغر، لأن أجزاء الدائرة تميل بزوايا تختلف عن أجزاء الخط المائل، وبحساب احتمالات أجزاء صغيرة جدا، على عدة مستويات متتالية من الحسابات، تميل الشبكة العصبية الاصطناعية إلى الاحتمال الأكبر، هذه هي الطريقة التي تتعلّم بها الآلة، هنا يمكن لها أن تقرأ أي 9 تُعرَض عليها.

  

تقول أستاذة علوم الحاسب في حديثها مع "ميدان": "في تجاربنا، قمنا بتصميم نموذج من الذكاء الاصطناعي يهدف للبحث عن الخصائص التي تجعل المركبات الكيميائية فعالة في قتل البكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli)"، مضيفة أن هذا النموذج قد تدرّب على نحو 2500 مركب كيميائي، نحو 1700 منها هو دواء معتمد من إدارة الأغذية والعقاقير الأميركية، بالإضافة إلى 800 منتج طبيعي لها هياكل كيميائية متنوعة إلى جانب نطاق واسع من الفاعلية الحيوية.

    

  

يتعلّم الذكاء الاصطناعي استخراج أنماط محددة لاحظ وجودها في المركبات التي تدرب عليها، إنه بالضبط ما تفعله عيناك حينما ترى الرقم 9 مكتوبا بأي طريقة، لكن ميزة الذكاء الاصطناعي هي أن له قدرة أسرع وأعمق على استدعاء الأنماط. بمجرد انتهاء تدريب النموذج، اختبر الباحثون الخوارزمية الخاصة بهم على مكتبة تضم نحو 6000 مركب كيميائي، اختار الذكاء الاصطناعي واحدا منها من المتوقع أن يكون له تأثير مضاد للبكتيريا، وفي الوقت نفسه له هيكل كيميائي مختلف عن أي مضادات حيوية قائمة، إنه "الهاليسين".

    

الذكاء الاصطناعي تحت المجهر

بعد ذلك يجيء دور الفحص التجريبي، أُخضعت للتجارب فئران تحتوي على نوع من البكتيريا يُسمى "الراكدة البومانية"، تتخذ تلك البكتيريا تحت الميكروسكوب شكل قضيب مستدير بعض الشيء، التقطها الجنود الأميركان في حرب العراق وأفغانستان وأحضروها معهم كمرض قاسٍ، وهي مقاومة للمضادات الحيوية، لكن الهاليسين كان قادرا على إنهاء الإصابة فقط في 24 ساعة. في حديثه مع "ميدان" يقول ستوكس: "تُشير تجاربنا الإكلينيكية كذلك إلى أن الهاليسين من القوة بحيث ستحتاج البكتيريا إلى الكثير من الوقت قبل أن تطوّر مقاومة خاصة به".

  

توصّل ستوكس ورفاقه إلى تلك النتائج عن فاعلية الهاليسين ضد المقاومة البكتيرية، لأنهم حينما قاموا بتجربته على البكتيريا الإشريكية القولونية خلال 30 يوما متتالية تمكّنت البكتيريا من تطوير مقاومة لمضاد حيوي آخر، وهو السبروفلوكساسين، خلال يومين إلى ثلاثة فقط، بينما صمد الهاليسين المدة كاملة دون إظهار أية مقاومة تُذكر من البكتيريا.

   

  

كان نجاح تلك التجربة الواعدة فرصة لتجربة أخرى إضافية اختبر فيها الباحثون آلية الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم على 100 مليون مركب كيميائي من قاعدة بيانات كيميائية شهيرة تُدعى "زينك 15"، في ثلاثة أيام فقط كان الذكاء الاصطناعي قد توصل إلى 23 مرشحا محتملا لكلٍّ منهم صفتان أساسيتان، الأولى أنه فعّال، والثانية أنه مختلف عن المضادات الحيوية المعروفة، في حديثه مع "ميدان" يقول ستوركس: "نخطط الآن لفهم عمل بعض تلك المركبات الكيميائية وتأثيرها على الفئران".

  

تقول بارزيلاي في حديثها مع "ميدان": "يمكن لآليات استكشاف المضادات الحيوية المعاصرة تحليل مئات الآلاف إلى ملايين المركبات الكيميائية لتحديد أيها يحتوي على الصفات المطلوبة لمضاد حيوي قوي"، مضيفة بعد قليل: "لكن تلك الآليات تستغرق شهورا إلى سنوات طويلة، وغالبا ما تكون باهظة التكلفة ومرهقة بالنسبة للمراكز البحثية، الذكاء الاصطناعي يُنهي تلك العملية في أيام وبتكلفة منخفضة جدا".

   

حينما نسأل عن المشكلة الحالية التي نواجهها مع البكتيريا فإن الإجابة غالبا ما تتعلّق بالأخبار التي تتكرّر كثيرا حول ظهور المقاومة المتعددة للمضادات الحيوية التي طوّرتها مؤخرا بعض أنواع البكتيريا، لكنّ أحدا لا يتعرّض كثيرا للمشكلة الأكبر التي نواجهها، وهي أننا خلال ما يقرب من ثلاثين عاما لم نستطع صدَّ هذا الهجوم.

    
ضرورة معاصرة

  

بمعنى أنه لو كانت هناك مقاومة بكتيرية واسعة لكننا رغم ذلك استطعنا تطوير مضادات حيوية جديدة تتجهّز لصدِّها لكانت الخطورة محدودة النطاق، لكننا لم نفعل، العلماء لا يكتشفون مضادات حيوية جديدة بسرعة. حاليا، هناك 700 ألف شخص يموتون سنويا بسبب تلك البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، مع توقعات أن يصل العدد إلى 10 ملايين شخص سنويا في سنة 2050 إذا استمر الوضع كما هو عليه.

  

مع الذكاء الاصطناعي يمكن أن نرفع من تسليحنا في هذه المعركة حامية الوطيس، فإحدى المشكلات هي أن البكتيريا تُطوِّر المقاومة أسرع من تطويرنا للمضادات الحيوية. مع قدرات تلك النماذج التي تتعلّم سريعا ويمكن لها اختيار مركبات كيميائية ذات خصائص جديدة تماما، فإن الذكاء الاصطناعي كذلك -بحد تعبير ستوركس في نهاية حديثه مع "ميدان"- "يتيح لنا الوصول إلى مساحات كيميائية جديدة في نطاق البحث عن المضادات الحيوية، يعطينا ذلك أفضلية على البكتيريا".

   

نحن كائنات غاية في الضعف، تخيل ألّا تتمكن من الخضوع لعملية استئصال زائدة دودية لأنه لا يوجد مضاد حيوي يقيك من الإصابة ببكتيريا قاتلة بغرفة العمليات

 الألمانية
   

بالتالي، فإن دخول الذكاء الاصطناعي الخاص بتطوير مضادات حيوية جديدة إلى نطاق البحث العلمي الحالي هو ضرورة معاصرة كما يبدو. بدون المضادات الحيوية نحن كائنات غاية في الضعف، تخيّل أن يصبح الالتهاب الرئوي مرضا قاتلا بنسبة 100%، أن يصبح التهاب اللوزتين، الإسهال، النزلات المعوية، الإصابات البكتيرية المصاحبة لنزلات البرد، أمراضا قاتلة إذا أصابت أحدهم فسوف يموت حتما، ألّا تتمكن من الخضوع لعملية استئصال زائدة دودية لأنه لا يوجد مضاد حيوي واحد يقيك من الإصابة ببكتيريا قاتلة في غرفة العمليات.

  

لكن ما يلفت الانتباه، في أثناء ذلك الصراع بيننا وبين أصغر وأقدم الكائنات على سطح الأرض، هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الذكاء الاصطناعي في مستقبلنا، ها هو يبتكر أدوية جديدة، ويجد حلولا غاية في البراعة لمشكلات الفيزياء لم يكن ليتخيّلها أحد، ومع اقترابنا من عصر الحواسيب الكمية فإن الاحتمالات كثيرة وكلها واعدة، يُثير ذلك الكثير من الأسئلة حول طبيعتنا، وما يعنيه الأمر أن تكون إنسانا، أو آلة، وما الفارق بينهما؟!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار