انضم إلينا
اغلاق
"800 وفاة بـ "كوفيد-19" في ليلة واحدة".. ما الذي يحدث في إيطاليا؟

"800 وفاة بـ "كوفيد-19" في ليلة واحدة".. ما الذي يحدث في إيطاليا؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

في الحادي عشر من (مارس/آذار) نشرت(1) الكلية الإيطالية للتخدير والتسكين والإنعاش والعناية المركزة إرشادات جديدة للأطباء في مستشفيات الطوارئ، تتضمن المعايير الجديدة أنه في حالة "طب الكوارث" قد يكون على الطبيب أن يقوم باختيار صعب بترك بعض المرضى للموت وعلاج مَن يمتلكون فرصة أفضل للحياة، المتبع في ظروف كتلك هو أن مَن يدخل المستشفى أولا يُعالج أولا، لكن التقرير الأخير يرى أن ذلك غير فعّال، ويجب على الأطباء وضع العمر في اعتبارهم، الفئات العمرية الكبيرة قد لا تتحمل المرض مثل صغار السن، لذلك وجب على الطبيب تعديل معياره والبدء بصغار السن كأولوية، ثم كبار السن لو مكّنته الموارد من ذلك.

  

كل العالم هذه الأيام ينظر إلى إيطاليا كمحاولة للاتعاظ، بحلول يوم 23 (مارس/آذار) بلغ عدد الإصابات ما يقارب 60 ألف حالة إصابة(2)، مع 651 حالة وفاة خلال 24 ساعة الماضية، وفقا لوكالة الحماية المدنية الإيطالية، ما جعل مجمل أعداد الوفيات في إيطاليا هو الأعلى في العالم، أعلى من الصين نفسها، يدفع ذلك بنا لتساؤل مهم عن الكيفية التي يمكن من خلالها أن يحدث ذلك، ما الذي وصل بإيطاليا إلى هذا الحد، وهل هناك دول أخرى مرشحة للوصول إلى هذا المستوى؟

  

صعود غير متوقع

   

حسنا، للإجابة عن السؤال الأخير دعنا نبدأ بالقول إن هناك دائما احتمالا أن تصل أية دولة في العالم، بما في ذلك دولنا العربية، إلى مستوى إيطاليا أو ربما ما هو أسوأ، لكن أيضا هناك فرصة أن نصل إلى مستوى دول ناجحة أخرى مثل كوريا الجنوبية، لكن لفهم تلك النقطة يمكن أن نترك إيطاليا جانبا الآن ونتأمل ما تعنيه فكرة(3) "النمو الأُسّي" (exponential growth).

    

نحن معتادون على نمط محدد لزيادة الأشياء في حياتنا، الماء يملأ الكوب بانتظام، ندخل المصلحة الحكومية بانتظام، رواتبنا تزداد بنسبة محددة سنويا تكون عادة من المرتب الأصلي الذي بدأت به عملك، هناك دائما تطور يمكن أن نطلق عليه لقب "خطّي" (Linear)، في حياتنا، ويعني ذلك أن 2 تصبح 4 ثم 6 ثم 8 ثم 10 فـ 12 ونصل في النهاية إلى رقم 20، يمكن تمثيل هذه الزيادة على منحنى بياني بسهولة مع الزمن في صورة شعاع منطلق للأعلى.

       

    

الآن دعنا نتأمل تصاعد أعداد الحالات في إيطاليا، الشكل الذي -بطريقة أو بأخرى- لا يختلف كثيرا عن منحنى العالم كاملا إذا قررنا أن نضيف دول أوروبا تحديدا والتي تتصاعد بها أعداد الحالات بصورة مطّردة، ليس هذا الشكل البياني -كما تلاحظ- شبيها بذلك الذي نرسمه في حالة النمو الخطي، حيث يبدأ هادئا مستقرا لفترة زمنية تطول أو تقصر ثم يبدو الأمر وكأنه يتصاعد فجأة بشكل غير مسبوق، هنا -إذا كنت مواطنا في تلك الدولة- لا بد أنك ستسأل: ما الذي يحدث؟ هل هناك مؤامرة ما؟!

      

    

في الواقع، لا. كل الفكرة هي أن كورونا المستجد لا ينتشر بالطريقة التي تتصورها، لفهم الأمر دعنا نبدأ من اصطلاح مهم في علم الأوبئة يُدعى(4) "عدد التكاثر الأساسي" (Basic Reproduction Number)، أو "الدالة R0"، ويعني عدد الأشخاص الذي يمكن لشخص مصاب أن ينقل العدوى لهم، هذا الاصطلاح يُعبِّر عن متوسطات رياضية ولا يعني شخصا بعينه. على سبيل المثال، نعرف الآن أن الحالة 31 في كوريا الجنوبية كانت السبب في إصابة مئات الحالات بسبب وجودها في كنيسة مزدحمة ومستشفى وفندق مزدحم خلال أسبوعين فقط قبل أن تتبيّن نتائجها الإيجابية لفيروس كورونا الجديد، في المقابل من ذلك قد يتسبّب أحدهم في "صفر" حالات عدوى، وهكذا.

  

نظريا، نعرف أن قيمة هذه الدالة "R0" تساوي الآن رقما ما بين 2-3، يعني ذلك أن كل شخص قادر على إصابة شخصين إلى ثلاثة أشخاص، لو قلنا -نظريا- إن هناك شخصا ما مريض بالكوفيد-19، الآن أصاب شخصين، لكنّ كلًّا منهما أصاب اثنين آخرين في الأسبوع التالي فأصبح العدد 4، في الأسبوع التالي أصاب كلٌّ منهم شخصان فأصبح العدد 8، ثم 16، ثم 32، وهكذا. هل تلاحظ ذلك؟ في عشر خطوات فقط -في النمو الخطّي- وصل رقم 2 إلى 20، لكن في هذا النوع من النمو غير الخطي يصل الرقم إلى 1024 في عشر خطوات!

  

من واحد إلى ألف

هذا هو ما نسميه بالنمو الأُسّي، إنه نمو غير خطّي، يعني -بدرجة من التبسيط- أن نقوم بضرب عدد الأمس من الحالات في قيمة ما ثم نضع الناتج في عدد اليوم، على مستوى العالم هذه القيمة تساوي رقما ما تحت 1.5، بمعنى أنه لو كان عدد الحالات بالأمس هو 80 لكان عدد الحالات اليوم -بالضرب في 1.5 على سبيل المثال فقط- هو 120، ثم 180، ثم 270، ثم 405، وهكذا تتصاعد الأرقام بصورة متسارعة، ومرعبة بالطبع. هذا ليس شيئا جديدا يُضاف إلى المشكلة الموجودة في بلدك، لكنه فقط النمو الطبيعي للدالة الأُسية.

    

    

على مستوى العالم، يمكن تأمل تلك الفكرة في تضاعف الأعداد، حتّى أول مارس/آذار(5) كان عدد المصابين في العالم كله يتضاعف مرة كل نحو 27 يوما، الآن نعرف أنه يتضاعف مرة كل 7-8 أيام، لأن النمو الأُسي يتسارع، قبل نحو ثلاثة أيام فقط أًعلن أن عدد الحالات عالميا كان 200 ألف، اليوم هو 275 ألف مصاب. نظريا، يستمر هذا الشكل في النمو للأبد، لكن في الحياة الواقعية فإنه لا يفعل ذلك بالطبع، في مرحلة ما نصل إلى ما نسميه "قمة المنحنى" (Peak).

      

    

قمة المنحنى هي النقطة التي تُسجِّل فيها دولة ما أعلى عدد حالات يومي، بعدها تبدأ الأعداد في الانخفاض تدريجيا. في الصين، يمكن أن نلاحظ أن عدد الحالات الجديدة يوميا قد انخفض جذريا ما أثّر على تطور المنحنى بوضوح فأصبح ثابتا يتجهز للانخفاض مع شفاء الحالات الجديدة من "كوفيد-19" والتي تكون أكبر من عدد الحالات الجديدة، لكن في أوروبا وأميركا -لو قررنا المقارنة- فإن الأمر ما زال في طور التصاعد المتسارع، ولا نعرف متى سيقف.

 

أضف إلى ذلك نقطة أخرى مهمة لا يدركها الكثيرون، لفهم الفكرة دعنا نفترض أن إحدى السيدات في قرية مصرية ما قد التقطت العدوى عبر أحدهم كان قادما من دولة إيطاليا في يوم 1 مارس/آذار، نعرف الآن أن أعراض المرض تأخذ 2-10 أيام حتى تظهر على المرضى، لنقل إنها طوّرت الأعراض الأولى يوم 7 مارس/آذار، لكنها -كأي شخص عادي- لم تهتم ببعض الحمّى والسعال، لكن حدث يوم 15 مارس/آذار أن تفاقمت الأعراض ودخلت الحالة في التهاب رئوي حاد فذهبت إلى المستشفى واشتبه الأطباء في الأعراض فقاموا بعمل تحليل كورونا الجديد وظهر أنها إيجابية.

  

في تلك النقطة تقوم الدولة بإعلان هذه السيدة كحالة إيجابية ليوم 15 مارس/آذار، لكن هل كانت هذه هي حالة 15 مارس/آذار؟ في الحقيقة، لا، هذه حالة كان من المفترض6 أن يُعلن عنها -نظريا- يوم 1 مارس/آذار، لكنها لم تُكتشف إلا الآن فقامت الدولة بإعلانها وقت اكتشافها، خلال أسبوع أو أسبوعين ماضيين (لا نعرف بالضبط متى يبدأ الشخص في نقل العدوى لكنه في المتوسط من 5-7 أيام من الإصابة) فإن كل حالة مكتشفة اليوم كانت تنشر المرض بطريقة أو بأخرى ما يعني أن ما يُعلن اليوم في دولتك، ونقصد هنا أية دولة في العالم، هو بالفعل رقم قديم قد تسبّب في تحديد الوضع المستقبلي لأسبوعين قادمين، هل تعرف عدد الحالات في دولتك الآن إذن؟

    

   

إنه دائما أكبر من المعلن عنه، ليس لأن السلطات تكذب عليك (ربما تفعل)، لكن لأن تلك هي الطبيعة الإحصائية للأمر، الرقم دائما أكبر من المعلن عنه، لا يمكن أن نتحدث هنا بفارق عددي، ولكن بفارق زمني، بمعنى أوضح: إنه أكبر من الرقم المعلن عنه بأسبوع إلى أسبوعين من الزمن من التطور المتسارع أُسيّ الطابع.

  

لفهم أفضل لتلك الفكرة دعنا نتأمل الوضع في ماليزيا، كانت الأعداد تتصاعد في البداية طبيعيا حتى شهدت البلاد تجمعا دينيا كبيرا، حضره الآلاف، لعدة أيام في أحد مساجد كوالالمبور، كان ذلك في نهاية فبراير/شباط الماضي وكانت الأعداد وقتها نحو مئتين، لكن بحلول منتصف مارس/آذار سجّلت ماليزيا أكثر من 700 حالة جديدة دفعة واحدة، أرجعت ثلثي تلك الحالات إلى هذا التجمع قبل نحو أسبوعين.

          

          

مأساة إيطاليا

تحاول دول العالم كله أن تواجه التطور المتسارع في عدد الحالات عبر إجراءات العزل الاجتماعي(7) (Social Distancing)، وتعني خفض التواصل بين الناس قدر الإمكان من أجل قطع سلسلة انتشار الفيروس، يحدث ذلك عبر إغلاق المدارس والجامعات ومطالبة المواطنين بالبقاء في المنازل أو إجبارهم على ذلك، إيطاليا أيضا تفعل الشيء نفسه، لكن هناك عدة أسباب يعتقد الباحثون أنها كانت ذات دور في ارتفاع عدد الحالات الجديدة والوفيات بها.

    

إيطاليا بلد سياحي، يدخلها 20 مليون شخص سنويا من جنسيات مختلفة، كذلك فإن معدلات الأعمار فوق 60 سنة بها هي تقريبا الأعلى في أوروبا، نحو 22.5% من سكانها، يُفسِّر ذلك النسب المرتفعة للوفيات هناك، فنحن نعرف أن معايير الخطورة الرئيسية بالنسبة لـ "كوفيد-19" هي السن والأمراض المزمنة، لكن على الرغم من ذلك فإن هذين المعيارين لا يُفسِّران ما يحدث كاملا، يرى البعض أن هناك عاملا ثالثا مهما، عاملا يجب أن نعرفه قبل أن تتكرر التجربة نفسها عندنا.

  

في الخامس والعشرين(8) من فبراير/شباط الماضي خرج أتيليو فوناتا، حاكم منطقة لومباردي الأكثر تضررا في إيطاليا، ليقول للبرلمان المحلي في تصريح شهير إن "كوفيد-19" يشبه الإنفلونزا العادية لكنه أعلى قليلا، تصريحات شبيهة خرجت في الكثير من المدن الإيطالية ولاقت قبولا لدى الناس، ورغم أن إيطاليا منعت السفر إليها بعد أول حالات مؤكدة، فإنه يبدو أن السلطات الإيطالية في المدن، ونقصد هنا جاهزية المنظومة الصحية والشرطية والاجتماعية كذلك، كانت في وضع سيئ بسبب تلك التصريحات، لقد تعامل الجميع بدرجة من التسيب على أساس أن الوضع ليس خطيرا.

    

   

لكن المشكلة -كما تعلّمنا معا قبل قليل- لا تظهر الآن، قد تستمر لمدة أسبوعين في حالة من التراخي تجاه الأمر، لكن ما تفعله الآن لا يؤثر الآن، بل بعد أسبوعين قادمين ثم يكون ذلك هو البداية الحقيقية للتصاعد الكارثي، إيطاليا الآن تلتزم معايير العزل الاجتماعي وتحاول أن ترفع من عدد الاختبارات اليومي لحصر المواطنين المصابين بها، لكن ذلك لم يمنع المنحنى من التصاعد لأرقام يومية قياسية، فقط لأن القرارات الجيدة جاءت متأخرة، وما يفعله الإيطاليون الآن هو تحمل نتائج هذا التأخر.

  

في تلك النقطة دعنا نتأمل دراسة صدرت في السادس عشر من مارس/آذار بدورية(9) "ساينس" الشهيرة تحاول، عبر معايير نظرية الاحتمالات، أن تُحدِّد السبب في تفشّي الوباء في الصين، تهتم الدراسة بفحص نسبة المصابين الذين لم يخضعوا للاختبارات قبل لحظة غلق مدينة ووهان الصينية، كانت النسبة نحو 80%، وترى الدراسة أن سبب ذلك هو أن الصين، كأية دولة في العالم، تبدأ بالفحص على أساس معيارين، الأول هو مخالطة القادمين من الخارج -وإن كانت الصين هي الخارج في تلك الحالة-، والثاني هو الأعراض، والتي تبدأ من الحمّى ثم السعال إلى الالتهاب الرئوي بعد نحو أسبوع من الأعراض الأولى.

  

كوريا الجنوبية: الحل؟!

لكن المشكلة الأكبر تظهر حينما نعرف أن المرض ينتقل قبل ظهور الأعراض، وأن الكثير من الحالات تطوِّر أعراضا خفيفة، هذه الحالات لا تذهب إلى المستشفيات وبالتالي لن تعرف السلطات أنها مصابة بالمرض، لذلك فسوف تستمر في نشر العدوى بين الآخرين، وهو ما تسبّب في تفشي المرض في الموجة الصينية الأولى، ويرى الباحثون من كلية لندن الملكية -بناء على تلك المعلومات- أن الاحتواء يعتمد على عاملين، الأول هو العزل الاجتماعي الكامل للجميع وليس للمصابين فقط، والثاني هو رفع عدد الفحوص اليومي.

           

        

كوريا الجنوبية هي أحد النماذج المهمة والناجحة(10) في تطبيق تلك الفكرة، فبينما كانت الولايات المتحدة، في أول مارس/آذار، تُقدِّم 5 فحوصات فقط لكل مليون شخص كانت كوريا الجنوبية تُنفِّذ 3700 فحص لكل مليون شخص، سواء كانت الأعراض ظاهرة أم لا. ومع قدرات عالية في تتبع الحالات، تستخدم الذكاء الاصطناعي في بعض الأحيان، فإن سرعة السلطات الكورية الجنوبية كانت مساوية لسرعة تفرع شجرة المرض بين الناس، ما مكّنهم من احتواء المرض سريعا.

     

أضف إلى ذلك أن كوريا الجنوبية، الدولة التي تعلّمت الدرس من "ميرس" (MERS) و"سارس" (SARS)، طبّقت سياسات العزل بصرامة وجهّزت المستشفيات سريعا عبر حجم إنفاق هائل، من جهة أخرى عملت الدولة على تتبع مستجدات البروتوكولات العلاجية لحظة بلحظة ثم تطبيقها مباشرة في صورة خطط علاجية، نعرف الآن أن أولى المحاولات العلاجية في العالم كله كانت صينية أو كورية جنوبية، تبعتها دول العالم الأخرى في التطبيق.

     

    

حسنا، أحد الأسباب الرئيسية في تفشي إنفلونزا الخنازير في العام 2009 كان أن نسبة من المرضى طوّروا أعراضا طفيفة ما سمح لهم بالتنقل ونشر المرض بصورة أكبر دون اختبارات أوّلية، تسبّبت هذه الجائحة في قتل 150-500 ألف شخص حول العالم بحسب المركز الأميركي لمكافحة الأمراض واتقائها(11)، نقف الآن أمام جائحة شبيهة يرى البعض أنها أكبر في القدرة على التفشّي وأكثر عنفا، لذلك يجب على الجميع توقّع الأسوأ للأسف.

        

ملاحظات

* قارئنا العزيز، أثر الالتزام بإجراءات العزل الاجتماعي لا يظهر أثره الآن، بل بعد 7-14 يوما، وكذلك أثر التسيّب الآن يظهر بعد المدة نفسها، لا تنخدع بالأعداد القليلة في دولتك الآن حينما تقارنها بالدول الأخرى، لأن التصاعد الأُسي للأرقام يرفع النسب بسرعة لا تتصورها. كل فرصة إضافية واحدة لإنقاذ شخص آخر من الوباء هي فرصة إضافية لإنقاذك ومَن تحب، التزم بالإجراء قدر إمكانك وانقل تلك الفكرة لآخرين.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار