انضم إلينا
اغلاق
خطة الفيفا الذكية لتدمير كأس العالم

خطة الفيفا الذكية لتدمير كأس العالم

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض
فضيحة كبرى عصفت بالكيان الحاكم لكرة القدم، تهم متتالية بالفساد والرشوة والكسب غير المشروع وإساءة استغلال السلطة، وإيقاف المثلث الأقوى في عالم كرة القدم جوزيف سيب بلاتر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" السابق وجيروم فالكه سكرتير عام فيفا السابق وميشيل بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا" السابق.

 

مؤتمر استثنائي لفيفا في السادس والعشرين من فبراير/شباط الماضي يسفر عن انتخاب سكرتير عام يويفا السابق جياني إنفانتينو رئيسًا تاسعًا للمؤسسة الكروية الأهم وحتى 2019، وجه نظيف اليد لم تطله سوى اتهامات بعيدة المدى عن اتفاقات لليويفا ظهرت وسط "تسريبات أوراق بنما" بعد إنكارها في السابق من جانبهم، ولكن نفي الرجل الإيطالي لتعامله الشخصي مع أي من الأطراف في تلك المسألة كان كافيًا لتبرئة ساحته.
 

بالنسبة للزيادة المنتظرة في عدد المنتخبات المشاركة، تضمنت التصورات المبدئية وصول 16 فريقاً بشكل مباشر بينما يتقاتل 32 آخرين على المقاعد الباقية بدور المجموعات

الآن تخلع كرة القدم عباءة العصر الفاسد، وتكتسب رداء النزاهة، وتبدأ الإصلاحات الجذرية بتغيير الهيكل الإداري لفيفا، ثم بعض التعديلات على القواعد، مثل تغيير شكل ضربة البداية والسماح للاعب واحد بلعبها لأي اتجاه يريده وعدم إشهار البطاقة الحمراء المباشرة في حالات العرقلة من الخلف إلا إذا كان الأذى متعمداً، كنقاط أساسية من أجل كرة قدم أفضل.
 

لا يزال إنفانتينو يتوسع بالمقترحات التي منها إضافة تبديل رابع في الأشواط الإضافية، ولكن أكثرها إثارة للجدل مقترح زيادة عدد فرق كأس العالم من 32 إلى 48 وزيادة العدد في كأس العالم للأندية من سبع فرق إلى 32 فريقاً، خاصةً وبعد أن أصبحت زيادة فرق كأس العالم أمرا واقعا يوم الاثنين العاشر من يناير الجاري بقرار يبدأ العمل به اعتبارًا من نسخة 2026.
 

نظرة على تاريخ إنفانتينو في اليويفا تمنحنا فكرة جيدة عن خلفية هذا الرجل ومدى جديته في تلك المقترحات الأخيرة، حيث شهدت ولايته تقديم قوانين اليويفا للعب المالي النظيف، تلك القوانين التي وضعت حداً لعصر كان يشهد تسليم مقاليد حكم الكرة بالكامل (أو ما تبقى منها) لرؤوس الأموال فقط، كما تم توسيع رقعة بطولة الأمم الأوروبية "يورو 2016" من 16 إلى 24 فريقًا إضافةً إلى تنظيم يورو 2020 في 13 دولة أوروبية مختلفة.
 

مسيرة تكشف الكثير عن رئيس فيفا الحالي، فهو أبعد ما يكون عن رجل عابث أو مصدر إلهام يأتي بالأفكار مجردة ويترك للبقية تدبر التفاصيل، ليس رجلاً بذلك التاريخ على الأقل، فقد درس جيداً آليات التطبيق والمكاسب العائدة، لكنه فيما يبدو قد تجاهل الخسائر بشكل كامل..
 

نحو مونديال أفضل؟

 جياني إنفانتينو الرئيس التاسع للمؤسسة الكروية الأهم حتى 2019

وكالة الأنباء الأوروبية
 

في البداية تضمن مقترح إنفانتينو زيادة عدد البلدان المشاركة في المونديال إلى أربعين أو ثمان وأربعين فريقاً اعتباراً من نسخة 2026، تلك النسخة التي يقترح أيضاً أن يتم توزيع ضيافتها على عدد من البلدان، وهي فكرة أشاد بها لأنها ستخفض تكاليف التنظيم بتوزيعها على أكثر من بلد، ومن ثم ستنخفض المتاعب الأمنية الناجمة عنها أيضاً؛ ولذلك دليل مستمد من أرض الواقع جسدته البطولة السابقة "2014 في البرازيل"، تلك البطولة التي صاحبتها موجة احتجاجات ضخمة إزاء تنظيم بلاد السامبا للبطولة في ظل ترد لأوضاع مواطنيها الاقتصادية إلى جانب بضعة أزمات في الإنشاءات.

 

شيء آخر لم يشر إليه رئيس جمهورية كرة القدم في مقترح توزيع التنظيم -وربما لا يمكنه الإشارة إليه بحكم منصبه- وهو أنه يغلق باب الشبهات أمام محاباة البلد المضيف للحدث العالمي، حيث يبقى تأهل كوريا الجنوبية لنصف نهائي مونديال 2002 نموذجًا صارخًا للمجاملة على سبيل المثال، ولا داعي للتفتيش في دفاتر إنجلترا 1966 فقد تتطلب موضوعاً مستقلاً لتناولها.
 

أما بالنسبة للزيادة المنتظرة في عدد المنتخبات المشاركة، فتضمنت التصورات المبدئية وصول 16 فريقاً بشكل مباشر بينما يتقاتل 32 آخرون على المقاعد الباقية بدور المجموعات، وهو ما انتقده البعض بجعل فرق تسافر لتلعب مباراة واحدة ثم تعود إلى ديارها، ولكن إنفانتينو يرى أن المشاركة في الحدث الكبير تكفي تلك المنتخبات، وأنهم لن يسافروا لأجل مباراة ودية هامشية، بل لأجل فرصة المضي قدمًا في كأس العالم.

 

لحسن الحظ سقط ذلك المقترح الذي كان سيحول الدور الأول من البطولة إلى ملحق تصفيات مجمع، وتم الاستقرار على تقسيم الفرق إلى 16 مجموعة، بحيث تتكون كل مجموعة من ثلاث فرق ويتأهل الأول والثاني إلى دور الثاني والثلاثين.
 

ولكن هنا تأتي المعضلة الكبرى التي تتمثل في "الجودة" والتي تعد المتضرر الأكبر من ذلك المقترح، فمن يريد المزيد من المباريات لينام أمامها؟ لنرى أولاً كيف يمكن تقسيم المقاعد على ثمان وأربعين فريقًا بشكل عادل.
 

القوام الحالي للمونديال هو: بلد مضيف + ثلاثة عشر منتخبًا أوروبيًا+ خمس منتخبات إفريقية + أربع منتخبات آسيوية + أربع منتخبات من أمريكا الجنوبية + ثلاث منتخبات من أمريكا الشمالية + مقعدا الملحق بين (رابع أمريكا الشمالية وخامس آسيا) و(خامس أمريكا الجنوبية وبطل أوقيانوسيا)
 

هل سيتم الحفاظ على تلك الطريقة للتوزيع، بعد اختيار الدول المنظمة التي يجب أن تحصل على حق المشاركة -بطبيعة الحال تلقائيا- بتقسيم المقاعد الباقية على بقية القارات؟ وكم سيكون عدد الدول المنظمة؟ اثنان أو أكثر؟ وهل الدول التي ستتقاسم التنظيم ستكون بالقارة نفسها أم ستصبح المسابقة عابرة للقارات وهو السيناريو الأكثر جموحاً على الإطلاق؟
 

أيا كانت الطريقة، فلا مفر من حصول جميع القارات على مقاعد إضافية، وهنا يجب أن نتساءل عن الفائدة الحقيقية التي قد تعود على المسابقة من مشاهدة منتخبات مثل أيرلندا وأذربيجان ومونتنيجرو؟ أو ماذا سنجنيه بالمزيد من الصين وأوزباكستان؟ أو لماذا نفتح الطريق أمام بوركينا فاسو وأوغندا والرأس الأخضر؟ هل تملك الهندوراس أو ترينيداد وتوباجو ما نبحث عنه؟ هل حان وقت أوقيانوسيا التي تحتكرها نيوزيلندا بعد صراعات مريرة مع كاليدونيا الجديدة وفيجي وجزر السولومون؟
 

بطبيعة الحال تقع أمريكا الجنوبية خارج تلك الحسابات، فلها أربعة مقاعد مباشرة، ولها موقع شبه مضمون من الملحق المؤهل، وذلك من أصل عشرة منتخبات فقط، وإذا كنت ستمنحهم سبعة مقاعد أو ثمانية -على سبيل المثال- فسنكون بحاجة ماسة لسؤال أنفسنا عن مدى جدوى إقامة تلك التصفيات من الأساس.
  

نظرةً على الواقع القريب، هل نجحت فكرة يورو 2016 بأربعة وعشرين فريقاً؟ البعض يرى أنها النسخة الأضعف، والأكثر مللاً منذ فترة طويلة خاصةً في أدوارها الأولى التي شهدت فرقاً تلعب لأجل التعادل الذي يضمن لها فرصة التأهل ضمن الدور التالي، ضمن "أفضل الثوالث"، لا عجب فقد انتهت المسابقة بتتويج أحد هؤلاء الثوالث بطلاً.

 

لدفع بالمزيد من المنتخبات في كأس العالم دون جاهزية كافية للحدث العالمي ستعني إما المزيد من الفرائس للكرنفالات التهديفية وإما أحد عشر لاعباً قرب مرماهم

ببساطة الدفع بالمزيد من المنتخبات دون جاهزية كافية للحدث العالمي ستعني إما المزيد من الفرائس للكرنفالات التهديفية وإما أحد عشر لاعباً قرب مرماهم، لا يريدون التسجيل ولا يريدون اللعب، هم فقط يريدون حماية ذلك المرمى، القاسم المشترك بين ذلك النوعين من المباريات، هو أنك لن ترغب في مشاهدة أي منهما!
 

هنا يدحض السيد إنفانتينو تلك المخاوف في نحرها مستعينا بنموذج كوستاريكا حصان مونديال البرازيل الأسود الذي تأهل على الصدارة برفقة أوروغواي، مقصياً إنجلترا وإيطاليا من دور المجموعات قبل أن يودع البطولة على يد الهولنديين أصحاب المركز الثالث وبركلات الترجيح، ولكن هل يظن حقاً أن الكرة بها ستة عشر كوستاريكا ينتظرون زيادة المقاعد فقط؛ ليصر بتلك الثقة على أن "ذلك سيحسن جودة المسابقة ولن يقللها بأي حال من الأحوال"؟!
 

فكرة رائعة خرج بها الرئيس أيضاً لضمان رفع المستوى التنافسي، وهي زيادة ما يدفعه فيفا لكل اتحاداتحاد من أعضائه إلى 1,25 مليون دولار بدلاً من 400 ألف على مدار أربعة أعوام، بإضافة ذلك إلى بقية العناصر وما ستتعرض له قوة المنافسة من أضرار، قد يبدو الأمر برمته مجرد طريقة قانونية لشراء  أصوات انتخابية مستقبلية.
 

يبقى سؤال، هل ستزداد قيمة المسابقة التسويقية بارتفاع عدد البلدان المهتمة؛ "لدوافع وطنية بحكم المشاركة" وزيادة عدد المباريات بشكل يعوض فارق الجودة وهبوط القيمة التسويقية لغالبية مباريات الأدوار الأولى؟
 

أليسوا بشراً مثلنا؟
ماذا عن هؤلاء المساكين الذين يلعبون موسماً كاملاً -وإن كانوا في إنجلترا لا يحصلون على عطلة الشتاء- ثم يضطرون للمشاركة مع منتخبات بلادهم؟ وكلما كان المنتخب أقوى زادت المباريات وفرص وصوله للمراحل الأخيرة، والآن لا يريد فيفا فقط زيادة مبارياتهم الدولية، بل يستهدف نقلها من ديسمبر إلى يونيو، وزيادة فرقها إلى اثنتين وثلاثين بحجة أن الكرة لم تعد فقط "أوروبا وأمريكا الجنوبية".

 

المزيد من الأفكار الاستثمارية البحتة على حساب جودة الكرة نفسها، وعلى حساب الثروة البشرية التي هي الأغلى في عالم المستديرة

من الصحيح أن النظام الحالي للمسابقة يفتقر لبعض العدالة؛ حيث يتأهل المشاركان من القارتين إلى نصف النهائي مباشرة، والقاعدة تقول: إنهما سيصبحان دائماً طرفي النهائي بأربعة استثناءات في ثلاث عشرة نسخة، إحداها في نسخة 2000 التي لعبت بنظام المجموعات، وكان نهائياً لاتينياً خالصاً! والثلاثة الآخرون هم مازيمبي الكونغولي وصيف 2010 والرجاء المغربي وصيف 2013 وكاشيما إنتلرز الياباني وصيف ومضيف 2016، ولكن ما الحكمة من إضافة هذا العدد من الأندية؟ هل سيغير حقيقة أن اليد العليا ستظل لأوروبا وأمريكا الجنوبية؟
 

الحكمة -كما يراها إنفانتينو- تقضي بـ"جعل كأس العالم للأندية أكثر إثارة لاهتمام الأندية والجماهير حول العالم، عن طريق خلق بطولة أكثر جذباً وبجودة أفضل للمشاركين وبعدد أكبر من الأندية، فذلك سيجذب الرعاة وشركات البث التليفزيوني عبر العالم."
 

المزيد من الأفكار الاستثمارية البحتة على حساب جودة الكرة نفسها، وعلى حساب الثروة البشرية التي هي الأغلى في عالم المستديرة، فأي منطق بشري يقر خوض هؤلاء اللاعبين الدوليين لموسم مرهق مع أنديتهم ومنتخبات بلادهم ثم عودتهم مرة أخرى بلا راحة إلى التزام بدني آخر يقصر من عطلة مستحقة وضرورية للتعافي قبل موسم مرهق آخر؟ كيف سيتم إقحام كأس العالم للأندية في ذلك الجدول المزدحم خاصةً في الأعوام التي تشهد مسابقة دولية قارية أو عالمية في فترة الصيف؟
 

وإذا فرضنا إمكانية إخضاع النظرية للتطبيق، ما حاجة الفرق الكبيرة للزج بنجومها في الأدوار الأولى من تلك المسابقة؟ بل هنا ستقوم ضرورة إراحتهم، الأمر الذي يضر بالجانبين الفني والتسويقي للمسابقة، ستحوز مباراة لفريق مجهول من المنتفعين بتلك الفرصة على اهتمام مشجعيها وربما بقية السكان المحليين مع بعض الإضافات القارية، لكن على الساحة العالمية من سيهتم بمباراة يمرح فيها ناشئي بايرن ميونيخ أو برشلونة أو ريال مدريد مع فريق أقل بكثير من المستوى المطلوب لمحفل عالمي؟
 

بقي فقط أن ننوه إلى أن إنفانتينو كعادته لم يترك الكثير لخيالنا مقدمًا الحل بمقترح جديد على بعض الدوريات الأوروبية، وعلى رأسها الدوري الإسباني، يستهدف تقليص عدد فرقها من عشرين إلى ثمان عشرة؛ لتفادي ازدحام الجدول قائلاً: "تركيبة الدوري الإسباني بعشرين فريقًا ليست الأفضل على الإطلاق، لا لجدول المباريات ولا لأسباب عديدة أخرى". من المؤسف أن الفكرة الوحيدة التي تستهدف حماية اللاعبين من الإرهاق البدني صدرت أثناء سيره في الاتجاه المعاكس، فالرجل قد أمر الناس بالبر.. ونسي نفسه!
 

أرقام حول النسخة الجديدة من كأس العالم التي سيتم تطبيقها بداية من نسخة 2026  (الجزيرة)

آخر الأخبار