انضم إلينا
اغلاق
فقاعة زين الدين زيدان الخادعة

فقاعة زين الدين زيدان الخادعة

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض
الإنجازات والألقاب تحسم الخلافات، والمقارنات بينهم تضع اللاعبين عند قدرهم الحقيقي. وبذلك يمكننا أن نستخدم الأرقام بدلاً من أسماء اللاعبين، فتظهر حينها نتائج غير قابلة للتشكيك.


"203 أهداف، 43 مرة صانع أهداف (أسيست)، لقبان للدوري الإسباني، لقب واحد لكأس الملك، لقب واحد دوري أبطال أوروبا، لقبين للسوبر الأوروبي، لقب كأس العالم، الكرة الذهبية 1999".. يمكن اختصار هذه الجملة في كلمة واحدة: ريفالدو.

الأرقام تحسم الإجابات، الأرقام صلبة لا مكان فيها للانطباعات أو الانتماءات الشخصية، وتخبرنا أن ما ينقص سيسك هو لقب وحيد لدوري الأبطال

"84 هدفا، 94 مرة صانع أهداف (أسيست)، لقبين للدوري الإيطالي، لقب واحد للدوري الإسباني، لقب واحد دوري أبطال أوروبا، لقبين للسوبر الأوروبي، لقب كأس العالم، الكرة الذهبية 1998".. بكلمة واحدة أيضًا: زيدان.

فلماذا لا يتم ذكر اسم ريفالدو أبدًا في مفاضلات أحسن لاعب في التاريخ، بينما يكثر الحديث عن زين الدين زيدان؟ بأي منطق يمكن لزيدان أن يكون في هذه المكانة، ولا يظهر اسم سيسك فابريجاس مثلا؟ "114 هدفا - 187 أسيست - بطل كأس العالم - بطل ليجا إسباني - لقبين لليورو - بطل الدوري الإنجليزي - وكأس العالم للأندية.

الأرقام تحسم الإجابات، الأرقام صلبة لا مكان فيها للانطباعات أو الانتماءات الشخصية، وتخبرنا أن ما ينقص سيسك هو لقب وحيد لدوري الأبطال، وحينها يصبح بكل وضوح أعظم من زيدان.
 

هل يلعب الحظ دورًا في كرة القدم؟

قبل أن نسارع إلى الإجابة بالنفي وترديد الكلاشيهات عن الحظ الذي لا يأتي إلا للمجتهدين، لا بد أن نتذكر أن البطولات تسبقها قرعة تحدد الفرق المتواجهة. وهناك كذلك قرعة بداية المباراة. هناك تلك الكرة التي ترتطم بالعارضة وإما أن تهبط أمام خط المرمى أو خلفه، حسب الحظ. الحظ .. روبرتو باجيو يستطيع أن يخبرنا عن الحظ، فطيلة 12 عاما أضاع الإيطالي الاستثنائي عددا قليلا جدًا من ضربات الجزاء، تصدى لها حراس المرمى. ولم يحدث ولو لمرة واحدة في تاريخه أن يطيح بالكرة خارج القائمين والعارضة. لكن حظه العاثر جاء في نهائي كأس العالم 1994 أمام البرازيل، وضاعت الكرة التي لا ينساها أحد. الحظ جزء أساسي من كرة القدم، ولا يذهب للأحق دائمًا.

اللاعب الإيطالي روبيرتو باجيو (وكالة الأنباء الأوروبية)

هل زيدان مدرب محظوظ؟
طريق حريري لريال مدريد في قرعة الأدوار الإقصائية لدوري الأبطال 2016 حتى الدور النهائي، في الوقت الذي اصطدم فيه أتليتكو مدريد ببرشلونة وبايرن ميونخ تباعًا. كارت أحمر مستحق لسرخيو راموس في نهائي دوري الأبطال وآخر في نهائي كأس العالم للأندية لكن الحكمين لم يشهرا أيًا منهما. ثم الظهور المتكرر لرأسيات راموس في الدقيقة 90. هذه هي أبرز لقطات حظ زيدان في مسيرته مع ريال مدريد حتى الآن. ولكن هل زيدان هو المدرب المحظوظ الوحيد؟ ولماذا يُشار إليه بالمحظوظ من الأصل؟


على الجانب الآخر هناك لويس إنريكي صاحب سلسلة 39 مباراة دون هزيمة مع برشلونة، لماذا لم يوصف بالمحظوظ؟ ولماذا لم يصف أحد ظهور ميسي أمام بايرن ميونخ في الدقائق الأخيرة في مباراة 3-0 وسقوط بواتينج عام 2015 بالحظ على الرغم من أفضلية البافاري طوال اللقاء؟ أو عندما استطاع ميسي تعديل نتيجة ثلاث مباريات متتالية هذا الموسم بثلاثة أهداف من ضربات حرة! كل هذه اللحظات نستطيع وصف إنريكي فيها بالمحظوظ ولن نكون مخطئين، وهو ما لم يحدث، لماذا إذن؟

إن الإجابة الواضحة لكل هذه الأسئلة هي افتقار كرة ريال مدريد مع زيدان إلى عنصر الفرجة والإمتاع الذي يستطيع تفسير هذه النتائح، والفرجة هي الأحداث التي لا تتكرر كثيرًا في الملاعب، فيصبح وقوعها أمرًا يستحق التوقف. كل كرة تعبر خط المرمى تُحتسب هدفا، لكننا نتذكر كمشجعين أهدافًا بعينها وننسى أخرى.

لا تستطيع الإحصائيات تفسير مسألة الفرجة، لكن ذاكرة المشجعين تستطيع. فلتحاول عزيزي القارئ تذكر هدف زيدان كلاعب في مرمى بايرليفركوزن في نهائي دوري الأبطال 2002، وحاول تذكر هدف راموس في مرمى الأتليتي في نهائي الأبطال الأخير، أيهما أوضح في ذهنك؟ أغلب الظن أن تمريرة روبرتو كارلوس التي حوّلها زيدان إلى هدف أسطوري بقدمه اليسرى يمكنها أن تعلق بالذاكرة رغم مرور 15 عاما على هذه اللحظة.

الحظ عنصر أساسي في اللعبة، لكنه كذلك حدث لا يتكرر كثيرًا، ويعلق في الذاكرة. أن يحرز ميسي هدفه الذي أسقط بواتينج، فهذا حظ ومهارة، وأن يحرز راموس هدفه في الدقيقة 90 أمام إشبيلية بمباراة السوبر الأوروبي، فهذا حظ ومهارة. لكن المهارة أعلى في الحالة الأولى، فيتذكرها الناس، والمهارة أقل في الحالة الثانية فيتذكر الناس الحظ، أربعون مباراة بلا هزيمة مع زيدان بمنتج كروي يحوى بعض الحظ والكفاءة، ومقدارا قليلا من الإمتاع لا يستطيع تفسير الفوز بثلاثة ألقاب.. و39 مباراة بلا هزيمة مع إنريكي بمنتج كروي يحوي بعض الحظ والكفاءة ومقدارا كبيرا من الإمتاع يستطيع تفسير خمسة ألقاب، فيتذكر الناس الحظ عند ريال مدريد؛ لأنه كان الأكثر تميزًا، ويتذكرون الإمتاع عند برشلونة؛ لأنه كان الأكثر تميزًا.
 

هالة زيدان الشخصية كسبت احترام اللاعبين ومحبتهم وأجبرتهم على الانصياع لطريقة لعب زيدان المتحفظة في معظم الأحيان، وهذا ما رفضوه تمامًا مع رافا
لماذا أقالوا رافا بينيتيز؟!

الجماهير تتذكر الفوز الجريء أكثر من التعادل الذي يحافظ على فارق النقاط. في الموسم الماضي سحق برشلونة ريال مدريد برباعية نظيفة على سانتياجو برنابيو على الرغم من تفوقه بثلاث نقاط حينها، واستغل ضعف الريال. فعلها الكتالوني لمجرد أنه يستطيع. أما كلاسيكو الموسم الحالي فشهد العكس تمامًا؛ برشلونة في أسوأ حالاته مع إنريكي، وريال مدريد متصدر، ويستطيع سحق الغريم التقليدي لكنه اكتفى بالتحفظ واللعب المضمون، وفي النهاية احتفل بالتعادل على الرغم من قدرته على الانتقام. ذهب زيدان من أجل الحفاظ على فارق النقاط، وكسب ذلك، لكنه خسر أن تبقى المباراة في الذاكرة مثلما بقيت رباعية البارسا في الذاكرة! فلماذا أقالوا رافا بينيتز إذن؟

فلسفة رافا بينيتز مع ريال مدريد قامت على فكرة بسيطة، وهي أن البطولات لا تُحسم بالفوز في المباريات الكبرى، ولكن بتفادي الهزيمة من هذه الفرق مع ضمان الفوز في المباريات الأخرى. وشكلت تلك الفكرة كرة الريال، وأصبح لعبهم يميل إلى التحفظ الدفاعي. ونجحت تلك الطريقة، فعرف الفريق الفوز 4 مرات في أول خمس مباريات وتعادل في مباراة. وتلقت شباكه هدفًا وحيدًا وسجل 14. لكن الأمور تعثرت مع رافا لاحقًا لعدة أسباب أهمها: هو عدم قدرته على نيل احترام نجوم الفريق. وثانيها: هو إخفاقه في المواجهات الكبرى، وأخيرًا غياب الإمتاع عن كرة ريال مدريد. فهل نجح زيدان في حل هذه المشكلات فعلاً؟ الانطباع الأول قد يخبرك باختلاف جذري بين رافا وزيزو، لكن التدقيق يقودنا إلى أن الاختلاف في الدرجة وليس النوع. 

أولاً: تأتي مسألة هالة زيدان الشخصية التي كسبت احترام اللاعبين ومحبتهم، وأجبرتهم على الانصياع لطريقة لعب زيدان المتحفظة في معظم الأحيان. وهذا ما رفضوه تمامًا مع رافا، الذي كان مكروهًا منذ اللحظة الأولى، حيث جاء بعد إقالة كارلو أنشلوتي وضد رغبة لاعبي الفريق. وإن بحثنا في الفرق الحقيقي بين المدربين هنا، فسنجد أن زيدان ببساطة لا يلتهم شطائر الهوت دوج في الملعب مثلما يفعل الإسباني البدين!

مدرب ريال مدريد السابق رافا بينيتيز

الأوروبية

ثانيًا: يأتي دور الطموح، فعلى الرغم من تطابق بداية زيدان وبداية رافا في المباريات الخمس الأولى مع الميرينجي، إلا أن رد الفعل كان متضادًا. فمع رافا انتظر الجميع سقطته الأولى كي يشككوا في قدراته كمدرب صالح للريال. ومع زيدان كان سقف طموح الجمهور منخفضًا للغاية، فكانت هذه المباريات الخمسة دليلاً عند البعض على إنقاذه للفريق.

أنهى رافا مهمته والريال على بعد أربع نقاط عن المتصدر أتليتكو، ونقطتين من برشلونة (كان لهم مباراة مؤجلة). أما زيدان فقد أنهى الموسم على بُعد نقطة واحدة من البطل برشلونة. وعلى الرغم من الأفضلية الرقمية لزيدان على رافا، إلا أن الجميع يتجاهل السقطة التي لحقت بالبرسا في أواخر موسم 2016، وأفقدته إحدى عشرة نقطة في أربع مباريات متتالية في الدوري، وأخرجته من دوري الأبطال.
 

زيدان صانع اللعب الذي يصنع اللمسة قبل الأخيرة، زيدان الذي لا يعلم أحد لعبته القادمة تحول وأصبح زيدان المدرب المتحفظ قليل المتعة

ثالثًا: إن المواعيد الكبرى.تتضح فيها فلسفة زيدان؛ فهو لا يهاجم إلا إذا كان مضطرًا لذلك. مثل رافا بينيتز، يفضل زيزو في هذه المباريات أن يكون (رد فعل) وينتظر طريقة لعب الخصم. تحليل مباراة نهائي دوري الأبطال أمام أتليتكو يفسر لنا الكثير. فأمام هذه الدفاع المتكتل، يظهر أحد حلين. إما إيجاد طريقة لخلخلة المدافعين، أو التراجع الدفاعي أمامهم والتخلي عن الاستحواذ. الطريقة الأولى هي التي نفذها بايرن ميونخ جوارديولا أمام أتليتكو في مبارة نصف النهائي. وأسفرت عن فوز البافاري، لكن قاعدة الهدف خارج الأرض كانت في صالح سيميوني. والطريقة الثانية هي طريقة زيدان. الذي نجح في أن يجبر سيميوني على الهجوم بعدما تقدم؛ بهدف راموس. واستقر ريال مدريد في منطقته مدافعًا!

باختصار.. زيدان هو النسخة الأكثر توفيقًا من ذات الفلسفة التي يمثلها رافا بينيتز في كرة القدم. وهو النسخة الأكثر نجاحا مع الريال. وأسباب النجاح نفسية بالأساس، فالجوهر الفني واحد في طريقة لعب المدربين.

هل زين الدين زيدان لاعب "فوق المستوى"؟

الإجابة على هذا السؤال متروكة لمشجعي ريال مدريد، فقيمة زيدان اللاعب لا تأتي من الأرقام والألقاب، لكنها تأتي من مهارة استثنائية، ولقطات لا تنتهي من التميز والابتكار والمجازفة. وقيمة زيدان كمدرب تأتي فقط من الأرقام، ويغيب عنها أدنى قدرٍ من المجازفة والابتكار. زيدان صانع اللعب الذي يصنع اللمسة قبل الأخيرة، زيدان الذي لا يعلم أحد لعبته القادمة تحول وأصبح زيدان المدرب المتحفظ قليل المتعة، الذي يمكن توقع طريقة لعبه بسهولة.

هل زيدان فوق المستوى؟.. على جماهير الملكي أن تختار بين طريقين، إما أن ينحازوا إلى الابتكار أو الفرجة وحينها يصبح لاعبهم زيدان واحدا من أعظم لاعبي الكرة عبر تاريخها، وحينها يجب أن يعيدوا التفكير في قدره كمدرب. أو أن ينحازوا إلى الأرقام، وحينها يمكنهم أن يصفوا مدربهم بكل أوصاف النجاح، لكنهم سوف يخسرون قدرًا كبيرًا من قيمة لاعبهم زيدان الذي لم يحقق أرقامًا تزيد عن اللاعبين الجيدين جدًا مثل فابريجاس وريفالدو لكنهم ليسوا عظماء.. وحينها ينطبق على اللاعب زيدان ذلك الهراء المذكور في الفقرة الأولى من هذا المقال، ويصبح مجرد فقاعة خادعة.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار