انضم إلينا
اغلاق
الأسطورة الشعبية لمباراة مصر والجزائر

الأسطورة الشعبية لمباراة مصر والجزائر

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض

يتخطى دربي مصر والجزائر حدود كرة القدم ليصبح حدثًا أمنيًا بالأساس. فمشهد قوات الشرطة التي تقتحم الملعب ليس غريبًا في هذا الحدث. ولذلك فإن كلمة (حرب) المستخدمة لوصف هذا الديربي ليست مبالغة، خاصة إذا ما عرفنا أن مباراة الجزائر ومصر في بليدة 2009 قام على تأمينها 5000 فرد من الشرطة الجزائرية. وتصاعد الأمر في مباراة القاهرة 2009 ليتم الاستعانة بعشرين ألف فرد من القوات المسلحة المصرية. وإذا ما عرفنا أن كتيبة الجيش يبلغ قوامها 1300 فرد، فهي إذن حرب بالفعل!
 

وعندما نبحث في بداية هذا التاريخ من العنف الرياضي، تستدرجنا الأحداث إلى الوراء حتى نصل إلى أصل الأسطورة الشعبية التي بدأت هذه الحالة من الهيستريا. والتي تحولت مع الزمن إلى مواقف عنف حقيقية. وتختلف الأسماء كذلك التي نبحث عن دورها؛ فإذا بدأ البحث بأسماء مثل عنتر يحيى ورابح سعدان، أو حسن شحاتة وعماد متعب، فسوف ينتهي البحث بأسماء أخرى تفسر لنا كيف بدأت الأسطورة الشعبية؛ ديربي مصر- الجزائر.

 

تصفيات كأس العالم 2010:

لا نستطيع فهم أحداث مباراتي مصر والجزائر 2009 في القاهرة وأم درمان دون معرفة الحالة السياسية للبلدين حينها. ففي مصر كانت طاقة الغضب الشعبي تتراكم ولا يمكن تصريف هذه الطاقة إلى بخلق حالة من الإجماع الشعبي حول قيمة ما. وقد تحول صعود مصر لكأس العالم إلى هدف شعبي. وجاءت الخطوة الثانية؛ وهي خلق العدو. لأن كل حالة وطنية مزيفة تحتاج إلى خلق عدو وهمي. ولعب الإعلام المصري دوره في تكوين هذه الحالة ضد الجزائر كعدو.
 

وعلى خلاف الزهور التي كانت في استقبال المصريين في مباراة البليدة على أبواب الجزائر، تم استقبال حافلة المنتخب الجزائري في القاهرة بالحجارة ،فأصيب لاعبو المنتخب الجزائري؛ رفيق حليش وخالد لموشيه ورفيق صيفي. وحسب تقارير وزارة الصحة المصرية فقد أُصيب 20 مشجع جزائري عقب المباراة التي فاز فيها المنتخب المصري بنتيجة 2-0. واللافت هنا هو تطابق تعامل الإعلام المصري والجزائري مع تفاصيل الأمر.
 

قرر كل منهما أن يستخدم الأمر في صالحه. فنفى الإعلام المصري حدوث أي تعرض لحافلة المنتخب الجزائري، واتهموا لاعبيه بإتلاف النوافذ وادعاء الإصابة. أما في الصحافة الجزائرية، فقد نشرت صحيفة الشروق الجزائرية أن هناك ستة حالات قتل وقعت بين صفوف مشجعي الجزائر  في القاهرة، وهو ما نفاه السفير الجزائري في القاهرة لاحقًا. لكن حالة الحرب كانت قد تكونت بالفعل. وأصبحت المنافسة بين المنتخبين والجمهورين مسألة حياة وموت، ومسألة كرامة وطنية!
 

ما الذي حدث إذن في المباراة الفاصلة بين المنتخبين في أم درمان؟ ببساطة .. لم يحدث شيء. على الرغم من حالة الحشد شبه العسكري التي حدثت قبل المباراة إلا أن ما حدث بشكل فعلي لم يزد عن أحداث الاحتكاك المعتادة في لقاءات ديربي كرة القدم. بدأ الأمر في مصر عندما قرر مجتمع الفنانين والإعلاميين أن ينحاز إلى تيار النظام السياسي. وسافر كثير منهم إلى أم درمان لتشجيع المنتخب. وعلى الناحية الأخرى، فقد أرسلت الجزائر 48 طائرة محملة بالمشجعين. واستعدت السلطات السودانية بـ 15 ألف فرد شرطة لتأمين المباراة. وبعد اللقاء الذي انتهى بفوز منتخب الخضراء بالهدف الشهير لعنتر يحيى، قام مشجعو الجزائر بمهاجمة بعض حافلات المشجعين المصريين، وبذات الطريقة التي حدثت في مصر. وأصيب 20 مشجع مصري بإصابات طفيفة حسب وزارة الصحة المصرية. ما حدث في مصر هو ذاته ما حدث في السودان.
 

قرر الإعلام المصري حينها أن ينفذ رغبة السلطات السياسية بتحويل الغضب الشعبي إلى غضب تجاه الجزائر كعدو. وإن كان الصعود إلى كأس العالم هو هدف وطني، فالفشل فيه هو مؤامرة من العدو! وساعد في تضخيم هذه الحالة سهولة تواصل (المشجعين المصريين)، من عينة المغني محمد فؤاد والمذيعة ريهام سعيد، في أم درمان مع الإعلام المصري. ولا ينسى أحد صوت المغنى محمد فؤاد في أحد البرامج التليفيزيونية وهو يقول: "إحنا بنتدبح هنا". ثم نعرف لاحقًا أنه أجرى هذا الاتصال الهاتفي من صالون أحد الفنادق بالسودان!


لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ولكنه تصاعد من السلطة السياسية ذاتها، والتي تمثلت في
الرئيس المصري مبارك حينها الذي قرر الاصطفاف في هذا الطابور، وصرح بأنه لا يقبل إهانة وإذلال المصريين. وأعلنت مصر عن انسحابها من تنظيم كأس أمم أفريقيا لكرة اليد 2010، كنوع من رفض استقبال أي منتخب جزائري. ثم تراجع الاتحاد عندما تقدمت الجزائر بطلب تنظيم البطولة! لكن هذا المشهد هو مشهد النهاية لتاريخ العداء الكروي الذي بدأ قبله بسنوات طويلة.

 

عنابة -الجزائر 2001:

"في تصفيات مونديال 2002 كان المنتخب المصري يحتاج للفوز على الجزائر في آخر مبارياته في عنابة ليبقى في المنافسة مع السنغال، بينما خرجت الجزائر باكرًا من سباق المنافسة لكننا فوجئنا بمناخ عدائي وتعرضنا للقذف بالطوب وزجاجات المياه وأصيب المدرب المساعد للمنتخب علاء نبيل وتحطمت حافلة الفريق بسبب الحجارة التي قذفت علينا في الطريق."
 

يُلخص تصريح أحمد حسن كابتن منتخب مصر الرواية المصرية لما حدث في هذه المباراة، التي كان يحتاج فيها منتخب مصر للفوز بعدد وفير من الأهداف كي يستطيع الصعود على حساب السنغال. ولكن المباراة انتهت بالتعادل الإيجابي 1-1.



جدول ترتيب المجموع الثالثة في تصفيات كأس العالم 2002 - المصدر: ويكيبيديا
 

سارت هذه المباراة بشكل هادئ نسبيًا حتى احتسب الحكم كوفي كودجا ضربة جزاء لصالح منتخب مصر، أحرز منها ميدو هدف التعادل. وهنا بدأت أحداث الشغب الجماهيري التي لم تتوقف إلا بعد إصابة علاء نبيل، وبعد هدف التعادل الذي أحرزه المنتخب الجزائري. واحتاج اتحاد الكرة المصري حينها إلى تضخيم الأحداث من أجل الضغط على الفيفا لإعادة المباراة على غرار الإعادة الشهيرة بين مصر وزيمبابوي في تصفيات كأس العالم 1994.
 

فشلت مصر في الصعود مرة أخرى. وتأصلت حالة التوتر بين المنتخبين. خاصة بعد أن أصر رئيس اتحاد كرة القدم المصري اللواء دهشوري حرب على أن (الإرهاب) الجزائري كان سببًا في هزيمة مصر. وبعد التصريحات المنسوبة إلى مهاجم مصر أحمد حسام، والتي نقلت محادثة بينه وبين حارس مرمى الجزائر، قال فيها أن الجزائريين قد يقبلوا بصعود أي فريق للمونديال إلا مصر! وهكذا ثأرت الجزائر من الصعود المصري على حسابها في تصفيات كأس العالم 1990. فما الذي حدث حينها؟!

 

القاهرة 1989:

"عندما ضربت الحكم الرابع، كان ذلك دفاعًا عن نفسي بعد أن كاد يكسر إصبعي. لذلك فلن أعتذر وأنا غير نادم عن ذلك."
 

كان تصريح المدرب إبراهيم حسن عقب مباراة المصري البورسعيدي وشبيبة بجاية الجزائري عام 2008 استمرارًا لحالة الكراهية الكروية في الديربي، والتي كان التوأم حسن شاهدًا عليها كلاعبين قبل تولي مسئولية تدريب المصري البورسعيدي. ربما تكون تلك هي طريقته في الانتقام من أحداث مباراة مصر والجزائر المؤهلة لكأس العالم 1990، والتي تم حسمها بهدف حسام حسن الشهير.

 

عقب نهاية المباراة كان التأهل المصري الثاني في التاريخ بعد 56 سنة من الغياب عن المونديال. وكان كذلك فشل المنتخب الجزائري في التأهل بعد النجاح في مونديال 82 و86. فلم يجد الجزائريون، حسب قول صحفي الجارديان بريان أوليفر، من يلوموه. فتوجه اللاعبون إلى إلقاء الزجاجات على المنطقة الخاصة بالإعلاميين والمقصورة الرئيسية باستاد القاهرة. ولم يتوقف الأمر عند الملعب، بل أصابت واحدة من زجاجات الأخضر بلومي التي ألقاها على بعض المشجعين، في فندق إقامة البعثة الجزائرية في القاهرة، عين الطبيب المصري السيد عبد المنعم، فتسببت له بفقدها. فتحول الأمر من شجار ديربي إلى قضية جنائية!
 

قامت النيابة المصرية بتوجيه الاتهام إلى الأخضر بلومي آنذاك. وحُكم عليه في عام 1994 بالسجن غيابيًا. وطالبت السلطات المصرية بتعقب اللاعب الجزائري. وتم تحويل القضية إلى البوليس الدولي. ومنذ ذلك الحين لم يغادر بلومي الجزائر إلا بعد أن تمت تسوية الأمر عام 2009. باعتذار رسمي صادر من رئاسة الجمهورية الجزائرية!
 

وقررت مصر عدم خوض نهائيات أمم أفريقيا 1990 والتي أقيمت في الجزائر حينها كنوع من الاحتجاج. ثم تراجعت عن القرار وشاركت بالفريق الأوليمبي. لكن الديربي كان قد وصل إلى مرحلة مخيفة من العنف والعداء. لكن هذه الواقعة لم تكن هي بداية تاريخ الديربي!

 

القاهرة 1984:

"الله! .. همّا عاوزين يببوظوا الماتش يا عُبَطا"

تعليق محمد لطيف على شغب مباراة مصر والجزائر 84
 

مشهد مجدي عبد الغني لاعب وسط منتخب مصر يجري مبتعدًا عن لاعبي الجزائر. مشهد واحدٍ من لاعبي مصر يقتحم صفوف منتخب الجزائر بحركات كونغ-فو عشوائية. ومشهد اقتحام الشرطة العسكرية لأرض الملعب .. هذه هي الصور التي نقلها التليفيزيون المصري لهذه المباراة. دون أن يتضح أي تفسير لما حدث حينها.
 

 

تواجه المنتخبان في مباراة العودة باستاد القاهرة من أجل الصعود إلى أوليمبياد لوس أنجلوس 1984. بعد أن انتهت مباراة الذهاب في الجزائر بالتعادل 1-1. وأصبحت مباراة القاهرة هي الفيصل. كان منتخب الجزائر حينها يشهد جيله الذهبي الذي تأهل إلى المربع الذهبي في أمم أفريقيا ثلاثة مرات متتالية بين 1980 إلى 1984. وإلى كأس العالم 1982 وأولمبياد موسكو 1980. وكان التأهل الأوليمبي الثاني بمثابة التأكيد على عظمة هذا الجيل. أما المنتخب المصري فكان غائبًا عن الأوليمبياد منذ عشرين عام حينها، وكأس العالم منذ قرابة الخمسين عام وكان الصعود إلى لوس أنجلوس بمثابة العودة إلى كرة القدم العالمية.
 

تجهز الفريقان بكامل القوة؛ مصر: ثابت البطل - ربيع ياسين - مجدي عبد الغني - شوقي غريب - الخطيب، والأسماء الشابة مثل حمادة صدقي وعلاء نبيل. أما منتخب الخضراء فكان يمتلك رابح ماجر وقاسي سعيد ومحمود قندوز وقبل الجميع يأتي الأخضر بلومي.
 

لم يعرف أحد حتى الآن كيف بدأ القتال في الملعب. فبعد تسجيل علاء نبيل لهدف الصعود المصري في الدقيقة 53، فشلت كل المحاولات على مرمى ثابت البطل. وفي النهاية تحول الملعب إلى مشهد من هيستيريا الضرب. ومؤخرًا اتهم شوقي غريب حارس مرمى منتخب مصر الاحتياطي إكرامي ببدء الشجار. ورد إكرامي الاتهام عن نفسه، ولا يعلم أحد تفصيل الأمر. ما هو إذن السبب القادر على توليد هذه الحالة من العنف التي رأيناها في تلك المباراة؟
 

الجزائر العاصمة 1978:

"كانت الأجواء مذهلة، وامتلأ الاستاد قبل المباراة بخمس ساعات. كان منتخب الجزائر حافلاً بالنجوم، وكان الأمر جنونيًا على أرض الملعب، الذي شهد 11 قتالاً بين كل لاعب ونظيره في المنتخب الآخر. نسي الجميع تعليمات المدربين وبدأ العراك. كانت معركة وليست مباراة كرة قدم، مثل حربنا ضد إسرائيل 1973"

هكذا وصف أيمن يونس لاعب منتخب مصر مباراة مصر ضد الجزائر في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 1990. وهو توصيف يليق بمنشأ أزمة هذا الديربي التي تعود إلى عام 1978.
 

في 9 نوفمبر 1977 أعلن الرئيس المصري أنور السادات استعداده لزيارة إسرائيل من أجل إتمام عملية السلام. وكانت هذه هي بداية التوتر في العلاقات المصرية العربية حينها. ونشأت حركة ضمّت ليبيا والجزائر واليمن وسوريا والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية عُرفت باسم جبهة الصمود والتحدي. وكان الرئيس الليبي معمّر القذافي في صدارة مشهد المواجهة بين مصر والبقية.
 

في صيف عام 1978 قامت الجزائر بتنظيم الدورة الثالثة للألعاب الأفريقية، وبترتيب غريب جاء حظ مصر وليبيا في مواجهات كرة القدم. تقدم المنتخب المصري حينها بهدف أحرزه محمود الخواجة، وبعد دقائق بدأ الاشتباك في الملعب بين لاعبي الفريقين. انحازت الجماهير الجزائرية حينها إلى المنتخب الليبي، وساندتهم الشرطة الجزائرية حينها، حسب الرواية المصرية، وقامت بمهاجمة المشجعين واللاعبين المصريين!
 

ثم جاءت الأسطورة المصرية التي لا دليل على صحتها حتى الآن. والتي كرّست حالة العداء في ذات الوقت. تقول الأسطورة أن الرئيس المصري أرسل حينها ثلاثة طائرات من القاهرة إلى أرض استاد الجزائر! محاطة بسرب من الطائرات المقاتلة التي ألقت القنابل الفسفورية في الهواء، وأنقذت البعثة المصرية والجمهور المصري من تلك المكيدة المبيّتة، وأعادتهم إلى القاهرة!
 

الحكاية الأقرب إلى الواقع بالطبع هي التي رواها محمود الخواجة ذاته، عندما قال أن البعثة المصرية قررت الانسحاب من البطولة. وعادة بطائرة خاصة إلى القاهرة. لكن الخيال الشعبي وخيال الجماهير وحالة التعبئة السياسية مالت إلى كفّة المبالغة وبدأت الحادثة الأولى التي تكوّنت عندها قاعدة عنف ديربي مصر والجزائر.

 

هل انتهى الأمر؟

ربما نظن أن فوز المنتخب المصري على الجزائر في بطولة أمم 2010، كان ثأرًا كافيًا للفراعنة. ويمكننا كذلك أن نعتبر العنف الذي شهدته المباراة من طريف لاعبي الجزائر، والذي أدى إلى ثلاثة حالات طرد، كان ثأرًا كافيًا لمحاربي الصحراء. لكن مشهد اللاعب المصري أحمد عيد عبد الملك وهو يقتحم الملعب بعد نهائي كأس العالم العسكري 2011 بين مصر والجزائر يخبرنا بالعكس، وأن عنف هذا الديربي لم ينته بعد. ثم تأتي لاحقًا مشاهد جماهير المقاهي المصرية تشجع الجزائر في كأس العالم 2014، ونشاهد حماسهم من أجل محاربي الصحراء حتى الدقائق الأخير في مبارة ألمانيا. فربما تعطينا هذه المشاهد بعض الأمل في تغير الحال.
 

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار