انضم إلينا
اغلاق
ماذا تعرف عن أصغر مدرب في أوروبا؟

ماذا تعرف عن أصغر مدرب في أوروبا؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

ماذا تعرف عن أصغر مدرب في أوروبا؟ ليس الكثير غالبًا، لأنه لا يدرب بايرن ميونيخ وإلا لكنت قد سمعت عنه بالطبع، كذلك هو ليس أحد مواهب دورتموند الشابة؛ الأندردوج الأكثر شعبية في القارة العجوز، لكن هذا لا يعني أن "جوليان نيغلزمان" لا يمتلك قصة مثيرة قد تجعله شخصيتك المفضلة في البوندزليغا.

كالعادة تبدأ أغلب القصص المشابهة من آخر مكان يمكنك توقعه؛ الفريق الثاني لأوغسبورغ في العام 2007، "توماس توخيل" -المدير الفني آنذاك- يخسر قلب دفاعه المفضل بعد معركة قصيرة مع إصابات الركبة تنهي مسيرة "نيغلزمان" ذي العشرين عامًا قبل أن تبدأ.

"جوليان" الشاب الذي أدرك هشاشة حلمه بالتحول للاعب كرة محترف بدأ البحث عن مصدر رزق آخر أكثر أمانًا، حيث لن يضطره تدخل متأخر أو هبوط خاطىء للبحث عن عمل آخر، فاتجه لدراسة إدارة الأعمال وانتقلت الكرة لخانة الهواية؛ المكان الوحيد المتبقي في حياة شاب تعرض لصدمة بهذه القسوة، "توخيل" لم يكن ليضحي بالموهبة الفطرية والوعي التكتيكي الذي أظهره مدافعه الشاب في وقت مبكر، فطلب منه الانضمام لفريق عمله كمحلل لأداء الخصوم أثناء استكمال دراسته.

مع بيب، رومينيجه، زامر وآخرين



عامان فقط كانا كافيين ليكتشف أن إدارة الأعمال أكثر مللًا مما كان يظنه، وأن الشغف سينتصر في النهاية لأن كرة القدم لا تمنح النجاح لمن هم داخل الملعب فقط، فحول دراسته للعلوم الرياضية ثم مد "توخيل" يد العون مرة أخرى بترشيحه لقيادة فريق الشباب تحت 17 عام لميونيخ 1860، ومنه انتقل لوظيفة المدرب المساعد في هوفنهايم ثم تولى مسئولية الفريق الثاني، وقبل أن يدرك، وجد "نيغلزمان" نفسه في الطريق لضاحية "جيسينغ" في ميونيخ على موعد مع "كارل هاينز رومينيغه" ومدير البايرن الرياضي "ماتياس زامر"، وعرض مغري لتولي مسئولية فريق بافاريا الشاب تحت 23 سنة.

المثير هنا أن اللقاء لم يكن لتحديد مدى جاهزية "جوليان" للمسئولية فالأمر كان محسومًا بالفعل، بل كان هو من يستطلع مدى جاهزية البايرن له، حتى حضور "بيب غوارديولا" الذي ورث الإعجاب به عن معلمه "توخيل" لم يكن كافيًا؛ في النهاية رفض "نيغلزمان" عرض البافاريين المغري وصمد أمام إشادات بيب وفضل البقاء مع هوفنهايم على وعد أن يتولى إدارة الفريق الأول منذ بداية موسم 2016-2017، قليلون يمكنهم رفض "رومينيغه" و"زامر" و"بيب" والبايرن، لكن من يعودون بعد إصابات قاتلة في سن العشرين أقل عددًا بالتأكيد.

وكما أجبرت الإصابة "جوليان" على الانسحاب مبكرًا، كانت هي ما اضطره للعودة قبل موعده، ولكنها أتت تلك المرة في صدر "هوب ستيفنز" مدرب فريق هوفنهايم الأول الذي اعتذر عن إكمال الموسم الماضي بسبب متاعب في القلب، تاركًا لـ"نيغلزمان" فريقًا يفصله عن الهبوط الرسمي 5 نقاط، وادعاءات لا تنتهي من الصحف المحلية بتدخل العلاقات الشخصية والمحسوبية في تعيينه؛ أمر آخر قد لا تعرفه عن "جوليان" هو أنه قليل الكلام؛ عادة غير محببة للصحافة في عالم تتجاوز فيه نجومية بعض المدربين نجومية لاعبيهم، ولكن 10 انتصارات في أول 14 مباراة وإنهاء الموسم في المركز الـ15 كفلت له الاحتفاظ بها.

المشكلة أن الكثيرين يخلطون ما بين الشباب وقلة الخبرة، ويفترضون أنهما متلازمين دائمًا، بينما الحقيقة أن "نيغلزمان" ذي الـ29 عامًا كان يمتلك 10 سنوات من الخبرة التدريبية عند تعيينه مديرًا فنيًا للفريق الأول؛ أكثر مما حظي به "روي كين"، "غاري نيفيل" و"تييري هنري" في بداياتهم مجتمعين، لذا كان اختيار "جوليان" حتميًا أكثر من كونه مخاطرة، خاصة في نادي يفتخر بقدرته على تطوير الشباب داخل الملعب وخارجه، ومن الصعب الآن إقناعه بتغيير فلسفته لأنها كانت السبب في صعوده من الدرجة الخامسة الألمانية للدرجة الأولى في ثماني سنوات، بدعم مالي محسوب من "ديتمار هوب"؛ الذي يختلف عن أي ملياردير آخر في مجال اللعبة لأنه مشجع حقيقي للنادي، وكان بدوره أحد لاعبيه الشباب الذين منحتهم نفس الفلسفة الفرصة ليكونوا من هم الآن، لذا كان الاختيار الأمثل للمئة مليون الأولى هي بناء الملعب الجديد الذي اكتمل في 2009.

دخول مفاجىء



الآن تعلم أنه أصغر مدرب في تاريخ البوندزليغا، وأنه أصغر مدرب في الخمس دوريات الكبرى، لم يتبق سوى أن تعلم أنه أكبر سنًا من كل لاعبيه، وأكبر من 15 فريقًا يليه في الترتيب بعد جمعه 31 نقطة من 17 مباراة، منحته المركز الثالث بفارق 11 نقطة عن المتصدر بايرن ميونيخ، بينما يأتي خط هجومه رابعًا بعد تسجيله 30 هدفًا خلف بايرن ميونيخ (40) ودورتموند (37) ولايبزيغ (34)، لتخرج صحيفة "كيكر" الألمانية بعنوان رئيسي عن دوري الأبطال الذي بدأ يلوح في الأفق، الآن لا تبدو المحسوبية بهذا السوء.

لتنسى كل ما سبق إذن، لأن الإثارة الحقيقية تبدأ حينما يتحدث "جوليان" عن نظرياته في اللعبة.

بالطبع سيكون السؤال البديهي الأول عن خطته المفضلة؛ في الواقع "نيغلزمان" لا يملك خطة مفضلة، بل هو يرى كل ذلك الحديث عن الخطط سخيفًا مبتذلًا لأقصى حد، لأن الفارق بين 4-4-2 و4-2-3-1 لا يتجاوز 5-10 أمتار في مواقع اللاعبين، السر الحقيقي في المهام الموكلة للاعبين؛ يمكنك وضع أي خطة تمركز تريدها ولكن لن يلتزم بها لاعبوك إلا في لقطة البداية وبحد أقصى 8 لقطات أخرى أثناء المباراة.

هل سمعت عن "الظل" من قبل؟ حسنًا، هو مصطلح جديد لتعريف أحد إحصائيات "نيغلزمان" المهمة التي يطالب فريقه بجمعها كل مباراة، الظل هو الوقت الذي يقضيه أي من لاعبيه تحت رقابة لصيقة من الخصم بشكل يمنعه من استلام الكرة و تدويرها، من هنا يتخذ "جوليان" القرار المناسب إما باستبداله بآخر أكثر حركية، أو استخدامه بشكل مغاير لسحب الرقابة وتفريغ منطقة ما لصالح زميل آخر، أو تغيير الخطة بأكملها لوضعية أخرى توفر مزيدًا من زوايا التمرير، هذا ما يحدث عندما تشاهد اللعبة بأعين جديدة ومن دون انحيازات مسبقة؛ تكتشف المزيد من التفاصيل المبهرة التي لم يكن يعرفها أحد.

"جوليان" يرى أن الفنيات لا تتجاوز 30% من النجاح، والـ70% الباقية تعود لكفاءته في التعامل النفسي والاجتماعي مع لاعبيه.

وكالة الأنباء الأوروبية


بالطبع وكأغلب المدربين الجدد، يفضل "جوليان" الضغط العالي من المقدمة، لأنه "يمنحه الفرصة لبدء الهجمة قرب مرمى الخصم واختصار المسافات" على حد تعبيره، بالإضافة لأن هذا التكتيك يباغت الخصم في أسوأ لحظاته عند خروج الكرة وخط دفاعه منتشر بعرض الملعب والمساحات متوفرة والخصم يتجهز نفسيًا للهجوم لا الدفاع، وهو ما يزيد نسبة حدوث الأخطاء عند استخلاص الكرة في تلك المناطق، ورغم ذلك كله فإن "جوليان" ليس متعصبًا لأسلوب بعينه، ويعلم جيدًا أن لعبة اليوم تحتاج لحلول بالكرة ومن دونها ولا يتكامل الأسلوب إلا بذلك.

أحد النظريات التي لن تسمعها كثيرًا هي نظرية "نيغلزمان" عن التكتيك المبالغ في تقديره، "جوليان" يرى أن الفنيات لا تتجاوز 30% من النجاح، والـ70% الباقية تعود لكفاءته في التعامل النفسي والاجتماعي مع لاعبيه، لأن جاهزيتهم النفسية والذهنية للأداء بشكل جيد هي ما يمنحه الحلول في المقام الأول، ومن دونها فإن كل الخطط والتكتيكات والتعليمات كأنها لم تكن، وهذا ما يؤكده تصريحات لاعبيه الدائمة عن "الوحدة الواحدة".

اللعب مع الكبار

قبل ملاقاة بايرن ميونيخ في الدور الأول، خرج "نيغلزمان" ليتحدث عن هوفنهايم الذي أتى للأليانز أرينا ليلعب كرته المعتادة لا ليتجنب الذبح بخمسة أهداف كما تجري العادة، وبالفعل بدأ "جوليان" المباراة بتشكيل متوازن بـ3-5-2، وبالاعتماد على الثنائي الألماني الشاب ذي الأصول التركية "نديم الأميري" و"كريم ديمرباي"، الأخير هو من أحرز هدف فريقه الوحيد في المباراة بعد انتقاله من هامبورج في بداية الموسم، ولولا إحراز "زوبير" لهدف بالخطأ في مرماه لربما عاد هوفنهايم بالنقاط الثلاثة من ميونيخ.

تشكيل الفريقين وإحصائيات المباراة من whoscored.com


أضف لما سبق "أندريه كراماريتش" مهاجم ليستر السابق الذي صنع 5 أهداف وسجل 4 حتى الآن في البوندزليغا، و"نيكلاس سوله" المدافع الواعد الذي يذكر "جوليان" ببداياته، والذي سينتقل لعملاق بافاريا الموسم القادم، وظهير التشيك الأيمن "كادجيرابيك" أحد أهم أعمدة الـ3-5-2 والـ3-4-3 في صناعة الفرص على الطرف، كلهم لاعبون إما شهدوا تطورًا كبيرًا تحت قيادة "نيغلزمان" أو أتى بهم من فرق متوسطة في الدوري وصهرهم في فريق رائع يلعب كرة عمودية سريعة وممتعة.

رغم أن كل شيء يبدو واعدًا للمدرب الشاب في أول موسم مكتمل مع الفريق، ورغم أن التأهل لإحدى بطولتي أوروبا يبدو في المتناول أكثر من أي وقت مضى، إلا أن إدارة النادي تعلم إمكانيات الفريق جيدًا وتجيد التعامل مع الأضواء الجديدة المسلطة عليه دون ضغوط قد تجهض عملية التطور، والأهم أن "ديتمار هوب" يعلم جيدًا أن "جوليان" لن يبقى في هوفنهايم للأبد، لذا صرح منذ فترة أن نادي البلدة التي لا يتجاوز عدد سكانها 3000 نسمة "سيكون قريبًا أصغر مما يكفي لنيغلزمان".

من يعلم؟ ربما يبقى جوليان في هوفنهايم للأبد ويتحول لأسطورة للنادي وأيقونته، وربما يجد نفسه في الطريق لضاحية "جيسينغ" مرة أخرى.

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار