انضم إلينا
اغلاق
غوارديولا وساري.. وحرب الآمال العظيمة

غوارديولا وساري.. وحرب الآمال العظيمة

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"لقد شاهدت بضعة مباريات لمانشستر سيتي وأعتقد أنهم أفضل مما كان عليه ريال مدريد في الموسم الماضي وهم أفضل فريق في أوروبا حاليًا وبفارق كبير.. بالطبع لم أشاهد كل المباريات لأنني لم أرد أن أصاب بالإحباط" - ماوريزيو سارّي. (1)

 
قبل المباراة لم يكن أحد متأكدًا من الدافع خلف هذا التصريح، فمن الصعب تخيل سارّي يُصاب بالإحباط من روعة أداء السيتي هذا الموسم وهو المدرب الوحيد الذي فاز بمبارياته الثمانية في الدوريات الخمس الكبرى وبأداء لا يقل روعة، لذا ظن الجميع أن الإيطالي الماكر كان يحاول استفزاز لاعبيه أو تنويم لاعبي السيتي أيهما أقرب.

 
بالطبع لم نكن نحتاج لأكثر من ربع ساعة لندرك أن الرجل لم يكن يمزح، وأن الإحباط لم يتوقف عنده بل امتد للاعبيه كذلك، ومرة أخرى مارست الجغرافيا ألعابها القاسية بعد أن أوحت لنا أن ثمة تكافؤا بين الفريقين باعتبار أن كلًا منهما دأب على اكتساح خصومه بنفس الطريقة تقريبًا في إيطاليا وإنجلترا، ولكن الواقع كان مختلفًا وتبددت كل أوهام الندية بعد هدفين مبكرين وإغراق هجومي شامل لقواعد الجنوبيين لا يختلف كثيرًا عما اعتدناه في مباريات ستوك وكريستال بالاس.

تشكيل الفريقين وخطة اللعب والتقييم الرقمي (هوسكورد) 

 

كل الطرق تؤدي إلى غلام

لم تكن تحتاج للاطلاع على التشكيل لتعلم أن الثنائي بدأ المباراة بالـ (4-3-3) المفضلة له، نفس توزيع اللاعبين تقريبًا ولكن الشيطان يكمن في المهام والأدوار، ففي ثلاثي وسط السيتي وقعت أولى نقاط تفوق بيب على خصمه، وبسهولة تمكن المواطنون من السيطرة على وسط الملعب بقيادة دي بروين الذي يتحول لظاهرة مع مرور الوقت، وساعدهم على ذلك دراسة غوارديولا لمراكز الثقل في تشكيلة سارّي ومراهنته الناجحة على ميله لليسار الذي يتموقع فيه أفضل صناع لعبه إنسيني وهامشيك رفقة غلام، وهو ما منح ديلف حرية كبيرة في الانضمام للعمق كلما أمكن، وإطلاق عملية ترحيل عرضية تدفع فيرناندينيو  ودي بروين أكثر جهة يسار نابولي لخنقه وتحويله لمحطة لاستخلاص الكرة وإطلاق التحولات السريعة، بدلًا من كونه المتنفس الأول للجنوبيين في العادة.

كيف استُخدم ديلف لمحاصرة يسار نابولي وخنقه (سكاوكا)

 

تلك المعالجة كانت أهم ما أنجزه السيتي في الشوط الأول، وأهم ما تسبب في تراجع أداءه في الشوط الثاني كذلك، ولا يمكن إدراك حساسيتها بمعزل عن نقطتين رئيستين هما من المعلوم بالبديهة في خبايا نابولي؛ أولهما هو أن دوران ماكينة سارّي يبدأ من غلام، وبصعوده على الخط يتحرر إنسيني وهامشيك منطلقين نحو العمق باختراقات الأول وتمريرات الثاني بين الخطوط، ومن المعلوم بالبديهة أيضًا أن غلام عانى كثيرًا مع سارّي ومن قبله بينيتيز بسبب توقيتات الصعود والارتداد وفقدانه التركيز في بعض الأحيان، (2) وهو ما يجعل أسلوب الاستحواذ الذي يتبعه نابولي أكثر أهمية للمدافع الجزائري من غيره، فالتدرج بالكرة يمنحه الحماية الكافية أثناء الصعود والضغط العكسي السريع لحظة فقدانها يمنحه نفس الحماية أثناء الارتداد، وهو بالضبط ما حرمه منه غوارديولا منذ لحظة البداية، فتعطيل ترس غلام أوقف ماكينة سارّي بأكلمها عن العمل، والنتيجة أن أولى تسديدات نابولي على المرمى أتت في الدقيقة 38 من ركلة الجزاء التي تسبب فيها ووكر.

 
النقطة الثانية هي أن سيتي بيب لم يكن يمتلك نفس التفوق في باقي خطوطه عدا الوسط وعلى الرغم من الأموال الطائلة التي أنفقها لتدعيم صفوفه، فإلى جانب ميل كفة الخبرة لصالح نابولي بشكل واضح، فإنه من الصعب تفضيل ثلاثية جيسوس وستيرلينغ وساني على ثلاثية ميرتينز وكاييخون وإنسيني، على الأقل على المستوى الفردي، وهو ما يتكرر بوضوح مع خط دفاع السيتي الذي لا يبدو أفضل حالًا من نظيره في نابولي مهما تظاهر بالصلابة مع الانتصارات الكبيرة التي تحققت حتى اللحظة، لذا كانت مراهنة بيب على خط وسطه حتمية لا رفاهية.
 

أغلب عمل السيتي الدفاعي في الشوط الأول تركز في يسار نابولي (سكاوكا)

 

دومينو

من هنا سقطت كل قطع الدومينو متتالية في أماكنها، فبعد أن علق ثلاثي اليسار في دوامة الضغط انعزل ميرتينز تمامًا، ثم لحق به كاييخون الذي لم يجد أدنى مساندة من ثنائية زيلينسكي وهايساي التي غرقت بدورها في طوفان سيلفا وساني، رغم أن السبب الوحيد لاشتراك البولندي كان منح وسط نابولي المزيد من الصلابة الدفاعية وإغلاق جبهة السيتي اليسرى المشتعلة رغم غياب ميندي، ولا أدل على فشله في ذلك من افتتاح المواطنون أهدافهم من نفس الجبهة.

خرائط تحركات الخماسي الهجومي في تشكيلة نابولي لا تتداخل (سكاوكا)

 

حصيلة زيلينسكي وهايساي الدفاعية انحصرت في اعتراضين وتدخل دفاعي وحيد ناجح  (سكاوكا)

 

ولكن لم يفسد تلك السيمفونية إلا بعض قطع الدومينو التي أبت أن تقع في مكانها المتوقع، فمع نهاية الشوط الأول وبداية الثاني نشط نابولي بعد تيقنه من أن استمرار نفس الوتيرة سيساعد السيتي على زيادة غلته، ولحسن الحظ فإن مجهودات سارّي المضنية لاستعادة السيطرة كانت على موعد مع مفاجأتين سارتين؛ الأولى هي انخفاض المردود البدني للمواطنين بشكل مفاجىء وحاد نتيجة للإرهاق الذي تراكمه طريقة لعبهم وإيقاعهم الهيستيري في كل المباريات منذ بداية الموسم، والثانية هي خروج إنسيني مصابًا بعد فشله في صناعة فرصة تهديف واحدة طيلة الشوط الأول.

 
هنا تحول سارّي إلى شكل أكثر واقعية بإقحام لاعب الوسط البرازيلي النشط آلان بدلًا من الجناح الإيطالي، وانتقل نابولي من 4-3-3 إلى 4-4-2 محررًا هامشيك من أعبائه الدفاعية لمساندة ميرتينز وكاييخون في الهجوم، وكنتيجة لكل ذلك دانت السيطرة لوسط ملعب الجنوبيين الذي توفرت له الزيادة العددية أخيرًا، وتحصل نابولي على أخطر فرصه على الإطلاق بعد نزول آلان بخمس دقائق فقط من عملية ثنائية بين ميرتينز وهامشيك أنقذها ستونز  بصعوبة، وكان تسجيلها ليمنح الدقائق المتبقية شكلًا مغايرًا بلا أدنى شك.
 

فرص الفريقين قبل نزول آلان (يسار) وبعده (يمين)  (سكاوكا)

تسديدات الفريقين قبل نزول آلان (يسار) وبعده (يمين)  (سكاوكا)

 

ومثلما كانت الربع ساعة الأولى إثباتًا على الفوارق الجماعية الضخمة بين الفريقين وميل كفة الفنيات في الوسط للسيتي بوضوح، فإن الربع ساعة التالية لفرصة هامشيك كانت إثباتًا على أن ذهب السيتي اللامع قابل للخدش، فانخفضت لياقة المواطنين إلى أدنى درجة لها منذ بداية المباراة خاصة مع ضعف ارتداد ستيرلينغ الدفاعي يمينًا، تاركة المجال لغلام للانطلاق صعودًا وهبوطًا رغم خروج نصفه الثاني، ومن واحدة من تلك الانطلاقات كان الجزائري يصنع ركلة الجزاء الثانية لفريقه بعد مراوغة ثلاثة من مدافعي السيتي، ليسجل دياوارا أول ركلة جزاء في شباكهم من آخر سبع محاولات ويعلن عودة نابولي للمباراة رسميًا.

  

 

اقتصرت حصيلة ستيرلينغ الدفاعية طيلة المباراة على اعتراض وحيد (سكاوكا)

 

حرث البحر

عقب ذلك، كان من المنطقي أن تشتعل المباراة من الجانبين كل لأسبابه، ولكن مرة أخرى أُجبر سارّي على استنفاذ تغييراته في محاولة لإيقاف مجهودات ساني الغزيرة التي لم يحالفها التوفيق، ومع دخول برناردو سيلفا في أجواء المباراة بدأ عملية إجهاض استفاقة الجنوبيين من قبل غوارديولا، والذي وضع نصب عينيه هدفًا وحيدًا هو استعادة السيطرة على الوسط بأي ثمن ممكن، حتى لو كان تفريغ خط هجومه تدريجيًا لصالح خط وسطه، بل وإنهاء المباراة دون مهاجم واحد في تشكيلته، في لقطة لم نعتدها سابقًا من المدرب الكتالوني.


على الجهة الأخرى كان سارّي يحاول تسديد خاناته كيفما اتفق، فبعد انهيار هامشيك البدني اضطر الإيطالي لإشراك الورقة الهجومية الوحيدة المتبقية على دكته وهي آدم وناس، ليعود مجبرًا إلى 4-3-3 ويفقد السيطرة مجددًا بعد أن قضى نصف ساعة كاملة في محاولة استعادتها، وكأنه قد كُتب على هذه المباراة أن يتقاسم طرفاها الأشواط، وكُتب على المشاهدين ألا تتزامن لحظات توهج أمتع فريقين في أوروبا حاليًا.


انتهت الآمال العظيمة التي بناها الجميع قبل المباراة بإحباط لا بأس به ومباراة متوسطة المستوى في أفضل التقديرات، بالإضافة لتهديد جدّي لحظوظ نابولي في التأهل للدور التالي بعد فوز شاختار على فيينورد واحتلاله لوصافة المجموعة، ولكن بطريقة ما يبدو أن كل ما حدث يصب في مصلحة الثنائي غوارديولا وسارّي على المدى البعيد، وقد يساعدهما في تحقيق الآمال العظيمة الحقيقية في نهاية الموسم.

إن ما ينقص بيب حقًا هو حسن إدارة موارده البشرية فيما تبقى من الموسم، والتعامل بمزيد من الحذر مع ثنائية دي بروين وسيلفا لأنها أهم ما يملك على الإطلاق ومفتاح تفوقه على خصومه

غيتي

 
فالأول الذي يمتلك تاريخًا عريضًا في المكابرة وإرهاق لاعبيه بمعدلات الركض الجنونية التي تتطلبها طريقة لعبه وحتى لو كانت المباراة أمام متذيل ترتيب البريميرليغ، قد أدرك أخيرًا الحدود التي ينبغي أن يتوقف عندها، ويبدو أن تجربته في إنجلترا قد أضافت له مزيدًا من النضج والخبرة، وهو أمر  نظن عادة أن غوارديولا محصن منه نظرًا لما حققه بالفعل، ولكن الحقيقة التي ننساها دومًا هي أن حصيلته التدريبية تقتصر على 8 مواسم فقط لا غير، وأن المجال للتطور يظل موجودًا حتى لو كنت قد فزت بـ 11 لقبًا خلالها.

 
لذا يمكنك القول إن ما ينقص بيب حقًا هو حسن إدارة موارده البشرية فيما تبقى من الموسم، والتعامل بمزيد من الحذر مع ثنائية دي بروين وسيلفا لأنها أهم ما يملك على الإطلاق ومفتاح تفوقه على خصومه، ويُفترض ألّا يكون الأمر صعبًا مع دكة بدلاء يجلس عليها برافو وكومباني ودانيلو وتوريه وغوندوغان وسيلفا وأغويرو، وهو بالضبط ما يقودنا للفائدة الكبرى لخروج نابولي من سباق دوري الأبطال إن حدث، لأنه سيساعد سارّي بنفس الكيفية على التركيز على سباق الدوري الذي يتصدره حتى اللحظة، ولا يبدو أنه سيتاح له وقتًا أفضل لإكماله حتى النهاية دون استهلاك تشكيلته الأساسية في مسابقة يعلم يقينًا أنه لن يفوز بها، وهي الطريقة الوحيدة لتقتصر خسارة الآمال العظيمة على تلك المعركة فقط، لا الحرب برمتها.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار