انضم إلينا
اغلاق
ماوريتسيو سارّي.. موظف البنك الذي يقود الكالتشيو

ماوريتسيو سارّي.. موظف البنك الذي يقود الكالتشيو

أحمد توفيق

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"لقد كنت مخطئًا بشأن ساري، أتمنى أن يسامحني"(1).. هذه كلمات الأسطورة الأرجنتينية "دييغو مارادونا" التي أدلي بها شهر (نوفمبر/تشرين الثاني) 2015 لصحف إيطالية بحق مدرب نادي نابولي، النادي الذي صنع ملك بلاد الفضّة بين أركانه مجدًا وشعبية جارفة بعد الفوز بالإسكوديتو لموسمين متتاليين.
 
كان "مارادونا" قد شكك قبل شهور من ذلك التصريح في قدرات المدرب الوافد "ماوريتسيو ساري" بقيادة نادي الجنوب الإيطالي، موقف "مارادونا" امتد حينها لتمني استمرار "رافا بينتيز" مدربًا لكتيبة البارتينوبي حتى بعد موسم آخر سيئ تحت قيادة الإسباني، والحق أن "دييغو" لم يكن الوحيد بإيطاليا الذي يفضل عدم المجازفة بـ"ساري" الذي لم يظهر أصلًا على ساحة السيري أيه قبل عام 2014 وأمضي أغلب مسيرته يصارع بدوري الهواة بل ظن أغلب جمهور نابولي أن الرجل لن يقدم لفريقهم الكثير بعد مضي الثلاث جولات الأولى من الموسم الجديد محققًا فقط نقطتين!

 
لكن "ساري" لم ينتظر أكثر من أسبوع واحد فقط ليبدد مخاوف جمهور ملعب سان باولو عندما حقق تحت أنظارهم فوزًا كاسحًا على لاتسيو، الفوز الذي كان مقدمة لسلسلة انتصارات متتالية شملت اليوفي، ميلان، وفيورنتينا(2)، لتبدأ حينها مهمة صاحب الـ58 عامًا بمداعبة الخيال الجمعي لأنصار نابولي من أجل العودة من جديد على منصات التتويج التي غاب عنها الفريق السماوي منذ عام 90 رفقة "مارادونا".

 

واليوم يجد "ساري" لفريقه مركزًا مرموقًا وسط كبار إيطاليا، وبطاقة باتت محسومة للعبور لدوري أبطال أوروبا، بل إن نابولي أصبح يمثل التهديد الأول ليوفنتوس على عرش السيري أيه الذي يتصدرها حاليًا زملاء "هامشيك" بعد مرور 9 جولات بالفوز بـ8 منها بالإضافة إلى تعادل وحيد بواقع 26 هدفًا، لذلك فقط كان لزامًا على "مارادونا" الاعتذار بل وإعلانه بأكثر من مناسبة دعمه للطاقم الفني الحالي.

  

المدرب "ماوريتسيو ساري" (رويترز)

 
أصبح نابولي مع "ماوريتسيو" تجربة تستحق المتابعة ليس على المستوى الجماهيري وحسب بل وبين كبار العقول التدريبية في العالم، فلا يمر شهرٌ كاملٌ إلا ويثني مدربٌّ من الطراز الأول على القفزة الهائلة التي حققها صاحب الـ58 عامًا بأداء الفريق السماوي، كان آخر هؤلاء المدربين الإسباني "بيب غوارديولا"(3) عندما قال الشهر الماضي إن نابولي حاليًا أحد أفضل ثلاثة فرق بأوروبا لكن "فابيو كابيلو" كان قد ذهب بعيدًا في (يونيو/حزيران) واصفًا "ساري" بالمبتكر الفذّ.(4)

 

في البنك وعلى العشب 

لم يحظ أسطورة ميلان "أريغو ساكي" بمسيرة استثنائية كلاعب، على العكس لا يتذكر منها التاريخ سوى أقل القليل، لكنه كان محقًا عندما قال: "لا أحتاج أن أكون جوادًا لكي أصبح فارسًا"(5) فقد قاد الروسونيري كمدرب للفوز بكل شيء، الأغرب أن كلمات الإيطالي عادت لتنطبق بحذافيرها من بعده على حالات جديدة، فقد حققت أسماء بقوة "مورينهو، فينغر، كلوب، جارديم" إنجازات تدريبية كبرى ولم يحتج أي منهم الفوز بالبالون دور مثلًا ناهيك عن اللعب بأندية الصف الأول!

 
واليوم تجد كلمات "ساكي" بطلًا جديدًا من أبناء جلدته، بل إن حالة "ماوريتسيو" تبدو مثالًا أكثر رمزية وأوضح انعكاسًا، فبرغم ولع "ساري" الشديد بكرة القدم إلا إنه لم يمارسها أبدًا بشكل احترافي لقلة إمكانياته كلاعب، وكان على الشاب الذي نشأ بأسرة تقدر الحياة المهنية أن يحصل على شهادة بالمحاسبة في طريقه للعمل كمصرفي بالبنوك، لكن ذلك لم يمنعه من مطاردة شغفه الحقيقي.(6) فقد ابتكر حيلة بسيطة تقوم على استغلال وقت الفراغ الذي يبدأ ما أن ينتهي عمله بالبنك، عندها يتوجه لملاعب التدريب رفقة زيّه الرياضي وأفكاره التكتيكية بعد أن تمكن من إقناع عدد من أندية الهواة بتولي قيادتها، بقي الأمر على ذلك الحال بين غرف البنوك الضيقة وساحات الملاعب حتى عام 2002، العام الذي حمل نقطة تحوّل لمسيرته وحياته كلها.

 
كان "ساري" مدربًا لفريق سانسوفينو الذي يقبع بالدرجة السادسة حين قرر وضع أغلب تركيزه بالتدريب تاركًا وظيفته الأساسية لبعض الوقت ومستمعًا فقط لصوت قلبه، بالطبع كانت مغامرة كبرى وغير محسوبة أضاف لها الإيطالي كثيرًا من الصعوبة عندما حدد أهدافا معينة وحدا أدنى من النتائج الإيجابية كمعيار لقياس مدى نجاحه كمدرب وكمؤشر لصحة قراره بالتفرغ للتدريب أو العودة مرة أخرى لغرف البنوك.(7)

 

عندما تعرض ساري للإقالة عام 2011 بأحد أندية الدرجة الرابعة، ظل محافظًا على سمعته بين فرق الدرجتين الثانية والثالثة وكان واثقًا بأنه سيعود للتدريب

رويترز
 

بالتأكيد حقق "ماوريتسيو" نجاحًا يفوق حتى توقعاته، ليستقبل عقب ذلك اتصالًا من أحد الأندية بالدرجة الثالثة يستعلم عن خدماته، لم ينته موسمه الأول مع ناديه الجديد إلا وقد أمن لهم الصعود للدرجة الثانية حيث طرح اسمه بقوة على خريطة مدربي السيري بي للدرجة التي دفعت نادي بيسكارا بالتعاقد معه عام 2005!

 
لكن الواقعة الأشهر لـ"ساري" بدهاليز دوريات الدرجة الأدنى كانت مع فريق آخر هو أريتسو الذي تولى قيادته فيما بعد، فقد تصادف حينها تواجد اليوفي بالسيري بي على خلفية أزمة الكالتشوبولي الشهيرة عام 2006، والحقيقة أن رفاق "بوفون" لم يجدوا مشقة بطريق عودتهم للسيري أيه قبل أن يكتسحوا إيطاليا كلها طولًا وعرضًا، لكن "ساري" لم يخش عراقة البيانكويري ولا الفروق بقوة التشكيل فكان له أن يخطف من جعبة "نيدفيد" نقطة ثمينة بالتعادل 2/2، ثم تمكن من تحقيق مفاجأة أكبر عندما تسلل أريتسو بالكأس الإيطالية وصولًا لربع النهائي مزاحمًا الجميع ليصطدم حينها بالعملاق ميلان الذي ألحق به لاعبو "ماوريتسيو" هزيمة مدوية 1 صفر ذهابًا، ليكونوا على بُعد 90 دقيقة فقط بالسان سيرو للعبور لنصف النهائي، لكن لاعبو الروسونيري تداركوا فداحة الأمر عندها ليهزموا ضيوفهم 2 / صفر إيابًا.(8)

 
هذه المقدمات حسمت لـ"ساري" قراره بالانحياز لصالح العشب الأخضر، وأنهت شكوكه عن حقيقة إمكانياته كمدرب، حتى عندما تعرض للإقالة عام 2011 بأحد أندية الصف الرابع ظل محافظًا على سمعته بين الصفوف الثانية والثالثة وكان واثقًا بأنه سيعود للتدريب عن قريب.

أقلام وطائرات

أسلوب عمل "ساري" يعج بالتفاصيل، ولذلك فقد أشتُهِر بين لاعبيه بـ"مستر 33" بعد أن قام بوضع 33 سيناريو لتحركات وتمريرات الفريق بالحالة الهجومية(9)، وحسنًا فعلت إدارة نادي إمبولي عندما وضعت ثقتها بمستر 33 عام 2012 وأوكلت إليه مشروع الصعود إلى السيري أيه، كان ذلك التحدي تحوّلا غير تقليدي بمسيرة "ساري".

 
  
طوال 3 مواسم من تلك النقطة الزمنية اكتسب الإيطالي نضجًا كبيرًا، كان عليه اختبار مدى تماسك فلسفته كمدرب بقيادة الفريق لا لتقديم أداء جيد فقط أو تطوير أداء لاعبيه أو تحقيق نتائج معقولة ولكن للعبور بهم لقمة هرم المنافسة الإيطالية.


خسر بالعام الأول معركته بعد أن كان على شفا حجز مقعد إلى جوار الكبار، لكن ذلك لم يزده سوى حرصًا بالبحث عن ثغرات فريقه حتى إنه أضاف لاعتماده على القلم والورقة اللذان لا يفارقانه لتدوين الملاحظات الاستعانة بطائرة صغيرة بدون طيار "درون"(10) لتطوف ساحة التدريبات وتمنحه إشعارات أكبر، كما أنه أضاف للاعبيه مزيدًا من الخبرة والثقة للدرجة التي دفعت "ساكي" ليصرّح بأنه كان يسعد لمشاهدة لاعبي إمبولي الصغار بالسيري بي إبان توليه مسئوليات منتخبات شباب إيطاليا(11)؛ لكل ذلك فقد تحقق لـ"سارّي" ما أراد وقاد صغار إمبولي للعبور للدرجة الأولى.

 
لعب الإيطالي بتشكيل 2/1/3/4 ولم يحرص على شيء بقدر التنظيم والحركة بشكل جماعي بحالات الهجوم والدفاع، انحاز لأسلوب اللعب الهجومي القائم على بناء الهجمة من الخلف والصعود المتدرج بالكرة، وتمكن لاعبوه من مباغتة مرمى الخصوم بطرق متنوعة بين الاختراق من العمق أو إرسال العرضيات الخطيرة، لكن أهم ما ميزهم هو إتقانهم للكرات الثابتة والركنيات التي استغلوها لهزّ شباك ميلان، لاتسيو، جنوى وربما كانت السبب بانتدابه لمحطته الأخيرة: نابولي!


في الثلاثين من (أبريل/نيسان) عام 2015 توجه فريق نابولي بقيادة "رافا بينتيز" لمدينة توسكاني لمواجهة إمبولي بحثًا عن تأمين مقعد التأهل للتشامبيونزليغ بعد ثلاثة انتصارات متتالية أنعشت أمال الفريق الجنوبي، لكن "ساري" ابن الجنوب كان ينصب فخًا لفريق مدينته، فقد لعب الأخير على ثغرات تشكيل "بينتيز" مسيطرًا على وسط الملعب ومهددًا مرمي الخصم بحيوية وحسن انتشار لاعبيه فيما ظهر نابولي مفككًا وعاجزًا عن مجاراة المضيف لتنتهي النتيجة 4/2 لصالح "ساري".

 
"إن لم تستطع الفوز على ساري، فقدم له عرض عمل"، يقول "بلير نومان"(12) محرر بليتشرريبورت أن فكرة تعاقد نابولي مع "ماوريتسيو" قد استقرت بعقل مالك النادي "دي لاورينتيس" بعد تلك المباراة خصوصًا مع اقتراب رحيل "رافا"، كان الأمر بالتأكيد مغامرة خطيرة لذلك فقد قدم له عرضا بعام واحد بعد نهاية موسم 2014/2015 ليبدأ فصلا جديدا من تاريخ نابولي عنوانه المتعة والإثارة ومضمونه التنافس والحضور بقوة على الساحة الأوروبية.


تحقق لـ"ماوريتسيو" كل ما أراد، فقد أكد جدارته بما لا يدع مجالًا للشك عندما قاد إمبولي للبقاء بالسيري أيه قبل أن يودعهم لنابولي، رحل الرجل الذي درس المحاسبة والاقتصاد وثار على الوظيفة التقليدية إلى حيث قضى سنوات طفولته الأولى ويصبح فيما بعد رمزًا تتعلق به الآمال.

ساري أثناء فترته مع إمبولي (الأوروبية)

على رقعة الجنوب

الأرقام والأخبار ترسمان صورة بديعة لنابولي؛ فالأولى تكشف أنه الفريق الوحيد بالدوريات الخمسة الكبرى الذي فاز بمواجهاته الثمانية الأولى هذا الموسم، وتكشف أن السماوي بات يمتلك تشكيلا لا يستهان به سواء محليًا أو أوروبيًا، أما الثانية التي تحمل إشادة بالغة بما حققه المدرب عبر موسمين تدفعك للتساؤل: هل كانت صورة نابولي بتلك القوة قبل "ساري"؟!


إليك بعض المعطيات؛ "درايس ميرتينز" المهاجم الذي يصول ويجول حاليًا كان قد سجل 10 أهداف فقط بـ53 مباراة موسم 2014/2015(13)، "هيغوأين" سجل بموسمه الوحيد مع "ساري" 36 هدفا وهو ضعف عدد ما سجله بموسم "بينتيز" الأخير(14)، القائد "مارك هامشيك" صنع مع "بينتيز" 95 فرصة عبر موسمين لكنه احتاج مع مدربه الجديد موسم واحد ليحقق 93 فرصة بحسب "سكوكا"(15)، "جورجينيو" كان على وشك الرحيل قبيل تولي "ساري" لسوء مستواه واليوم أصبح أحد أفضل لاعبي الوسط بالعالم، وأخيرًا تخيل أن"كاليدو كوليبالي" الذي ينال اهتمامًا من تشيلسي وليفربول ويُعد أحد أفضل المدافعين بنظام الضغط العالي اتُهِم بالتمركز السيئ واستقبل رفقة "راؤول ألبيول" 54 هدفًا قبل تولي "ماوريتسيو" القيادة بموسم واحد!

 
ما حدث لنابولي مع "ساري" لا يوصف بأقل من طفرة، ولا يستثنى من التحولات الكبرى على صعيد مستويات اللاعبين، لكن السؤال الأهم هو ماذا أضاف الإيطالي لفريقه على المستوى الجماعي والإجابة تكمن عند "بينتيز"، أو بمعنى أدق كيف ظهر نابولي بالموسم الأخير مع "رافا"، كان نابولي فريقا فاقد التجانس وأحيانًا مفكك الخطوط، لذلك كان أهم ما حرص عليه "سارّي" هو صناعة وحدة جماعية تتحرك سويًا لتمنح الخصم أقل قدر من الثغرات وبالمقابل تضرب هجوميًا بشراسة.

 

دقة تمريرات الثنائي الدفاعي بمباراة كالياري وصلت ل95%.(3) (سكواوكا)

 
لعب "ساري" برسم تكتيكي بين 2/1/3/4 و3/3/4، لكن فعليًا لا تبقى تلك الرسوم على حالها طوال عمر المباراة، بل على العكس تكمن أهميّة ما يقوم به الإيطالي بالمساحات بين كل خط وآخر، خلال تلك المساحة يتمكن "ماوريتسيو" من تطبيق أفكاره المتمردة على التحفظ الدفاعي الإيطالي.


لدى "ساري" عدّة أولويات، أولها: ضرورة البناء التدريجي للهجمة من الخلف بوساطة مدافع القلب، وبالتالي حتمية أن يمتلك ذلك المدافع مهارة التسليم تفاديًا لقطع الكرات بأماكن خطيرة، الثنائي "كوليبالي، ألبيول" يقومان بعمل متميز بهذا الشأن، فقد سجّلا دقة تمرير لم تقل عن 92% بأغلب مباريات الدوري، بالمقابل يطلب من لاعبي وسط الملعب والطرفين "سيد هيساي"، "فوزي غلام" فتح زاويا تمرير لاستقبال التمريرات والبقاء على مسافة عرضية قريبة تُسهِل التمرير وتنهي الضغط على حامل الكرة.
 

أما "جورجينيو" و"ألان" فإنهما يبرعان بالاستلام قبيل وسط الملعب وربط الخطوط ببعض لأجل الخروج السليم بالكرة ومن ثم التمرير للأطراف المنطلقة بامتداد الخط أو إرسال كرات طولية خطيرة للثلاثي الهجومي، والملفت هو السلاسة بتبادل الأدوار بلا تشتيت بالهبوط لاستقبال الكرة بالمساحة بين خط الظهر والوسط في الوقت الذي يتسلل فيه "هامشيك" لشغل نفس المساحة الخطيرة بين خط الوسط والهجوم بعد أن تسبب الصعود التدريجي بالهجمة بخلخلة بوسط ملعب الخصم.
 

لاحظ انتشار ثلاثي الوسط عبر خريطة مباراة لاتسيو الحرارية(.(4)(سكواواكا)


الآن يأتي دور الجبهة اليسرى، الجبهة التي تشكّل بفضل "غلام" وبمساعدة "هامشيك" والرائع "إنسيني" قوة هجومية نارية تتمكن من تسجيل وصناعة الأهداف بفضل قدرتها على الاحتفاظ بالكرة والتوزيع تحت ضغط وخلق المساحة لزملائهم بالعمق أو بالجانب الآخر من الملعب.

 
يتحرك "فوزي" على امتداد الخط بنصف ملعب الخصم مستقبلًا تمريرات لاعبي وسط الملعب ليجد أنه يمتلك أكثر من زاوية للتوزيع، أحد أهم تلك الزوايا هي "إنسيني" الذي يلعب كجناح عكسي تبدأ مهمته منذ صعود الكرة لمناطق الخصم تاركًا لـ "غُلام" مساحة ينطلق بها وعندها يبدأ "لورينزو" بالحركة بشكل قطري بعيدًا عن انتباه الرقابة ليشغل المساحة بين الأظهرة.

استقبال "إنسيني" للكرة بين الظهير والمسّاك وبعيدًا عن عرقلات لاعبي وسط الملعب يمنح لقدمه اليمنى أفضلية كبرى، فاللاعب يتمكن من إطلاق تسديدات خطيرة باتجاه المرمى أو مدّ "ميرتينز" الذي يتحرك بعرض منطقة الجزاء بالفرص الخطيرة.


أرقام مباراة نابولي مع بونافينتو شهدت بحسب سكواوكا(16) صناعة الفريق الجنوبي 21 فرصة، 11 منها كان لصالح الجبهة اليسرى، كما تمكن رفاق "رينا" من تسجيل سداسية، صنعت نفس الجبهة ثلاثة منهم؛ موسم كبير للثلاثي "غُلام، إنسيني، هامشيك"!


يستهدف "ساري" من التدرج بالكرة إحداث أفضلية هجومية على الخصم بثلث الملعب الأخير، فبانطلاق الثنائي "غلام" و"هيساي" على الأطراف وزيادة "هامشيك" و"ألان" لتقديم الدعم وتمركز الثلاثي "إنسيني" و"كاييخون" و"ميرتينز" بالقرب من المرمى، يصبح الخصم أمام مشكلة حقيقية.

  

الفرص والأهداف التي صنعتها الجبهة اليسرى أمام بونافينتو.(5) (سكواوكا)

  

 تكشف مسار هدف "كاييخون" أمام لاتسيو الذي شهد عمل رائع للجبهة اليسرى.(6) (سكواواكا) 


أما "ميرتينز" الذي يعيش أفضل أيامه وبات يمثل كابوس لمدافعي السيري أيه فيمتلك قدرات كبرى بترويض الكرة والاختراق الطولي بحلول فردية أو بعمل جماعي، البلجيكي يجيد الاستلام من العمق وأحيانًا الأطراف قبل منطقة الجزاء ولا يتوانى عن تهديد المرمى بقذائف بكلتا القدمين، "ديرس" مهاجم مزعج لأي مدافع لا يمتلك القدرة البدنية على مجاراة حركته التي لا تتوقف بعمر المباراة، وهل شاهدت كيف عانى "دانتي" بمواجهات نيس مع نابولي؟

المميز فيه أيضًا هو تنوع أهدافه، البلجيكي يجيد اللمسة الأخيرة، ويجيد التسديد من خارج منطقة الجزاء، ولم يعيقه قصر قامته على تحويل العرضيات لأهداف، وفي وقت فراغه يتصدى لتنفيذ الضربات الثابتة فيحولها أحيانًا أهدافا، ببساطة "ميرتينز" بات العامل الفارق الذي يقود رفاقه لصدارة الدوري.

ستظل دومًا النقلة الضخمة التي حققها "ساري" مع الثلاثي الهجومي "إنسيني" و"ميرتينز" و"كاييخون" مثار للدهشة والتأمل، من لاعبين لا يتميزون بأي شيء استثنائي لأحد أكثر الخطوط الهجومية غزارة بالتهديف وإرهاقًا للدفاعات وتجانسا فيما بينها.

 

الخريطة الحرارية لميرتينز بمباراة أتالانتا تكشف ديناميكية كبرى بالتحرك. (7)  (سكواواكا)

 
هذا العمل الفني لا بد وأنه احتاج جهدا مكثّفا وعدد ساعات تدريب كافية وتركيزا كبيرا من "ساري" لينقل تفاصيله للاعبيه، عمل هائل لا ينال بالمقابل التقدير المناسب إعلاميًا تمامًا كما شهد "أرتور بيتروسان" محرر الجارديان وسكاي سبورت على تويتر عقب مباراة مان سيتي!

 
 

هل شاهدت بريكنغ باد؟

إذا كنت قد شاهدت تحفة الممثل "براين كرانيستون" فإنك حتمًا قد لاحظت الشبه في الملامح بين "والتر وايت هايزنبرغ" وبين "ماوريتسيو ساري"، لكن مساحات التقاطع بين الشخصيتين تتخطى مجرد الملامح.  فـ"والتر" الذي عانى من وظيفة تقليدية أنهكت سنوات عمره ونزعت منه شغفه الحقيقي باكتشافات معامل الكيمياء ولم تمنحه لا التقدير المادي أو المعنوي الذي يلائمه فقرر أن يثور عليها بعد أن تجاوز الخمسين، يقابله "ماوريتسيو" الذي وجد ذاته دومًا بمدرجات فرق الهواة وعلى عشب النجيل الأخضر وبين الملاحظات التي يدونها على أداء لاعبيه أكثر من غرف البنوك الضيقة ومعادلات المحاسبة المصمتة ومشاكل العملاء والأزمات الاقتصادية التي لا تنتهي.

"ساري" دومًا بين خيارين، الأمان أو مطاردة الإثارة، وبكل مرة لا يتردد باختيار الأمر الثاني، حتى إن المغامرة طُبعت على عمله الفني، فقد فضّل التدريب واختار أسلوب لعبه الذي يعبر بالفعل عن أفكاره ويستمتع بمشاهدته ولا يحب التخلي عنه مهما كانت الظروف.

جاء الإيطالي من مكان سحيق بدوريات الهواة بلا اسم كبير كلاعب والآن يحظى بمكانة بتقيمات أفضل مدربي العالم بعد أن قدم منتجا ممتعا وجذّابا ووضع فيه بصمته تمامًا كما فعل "والتر" عندما اقتحم عالم شديد الخطورة بلا أي سابقة سواء بالتعاطي أو المتاجرة ووجد لاسمه "هايزنبرج" مكانة مرموقة بين حيتان هذا العالم بظرف شهور.
 

 
"والتر" لم يحتج أبدًا لمعمل ذي صفات استثنائية أو مجهز بأدوات تساوي عشرات الملايين ليبرع فيما يقدم، وبالنظر لما فعله "ساري" أو "هايزنبرغ نابولي" فإنك لا تحتاج سوى نظرة سريعة على تاريخ التشكيل الحالي لتدرك أن لاعبًا مثل "كوليبالي" لم يكن سوى مدافعا عاديًا يلعب لـ"جينت" وقدرت قيمته ب6 ملايين يورو فقط، الثنائي الصغير "زيلينسكي" و"هيساي" ظهرا للمرة الأولى بالسيري أيه قبل 3 أعوام في إمبولي مع "ساري"، حتى "ميرتينز" كان مجرد موهبة بالدوري الهولندي ومثله كثيرين قبل أن يتحوّل إلى ما هو عليه، لكن "ماوريتسيو" نجح بأن يصنع منهم حبيبات زرقاء صافية الموهبة وشديدة الكفاءة تقارع ميزانيات ضخمة داخل وخارج إيطاليا.


واليوم يجد نفسه أمام تحدٍ جديد عن إمكانية تكليل تلك الجهود بالبطولة؟ إنه تحد تجاوز حاجز الحصان الأسود لاكتساب شخصية البطل، نهاية هذا الموسم ستحمل الإجابة على كل حال.


من دون شك أن "ساري" قد تعرض لتحذيرات من أن يقوده شغفه لعواقب الفشل، لخطر داهم من الإصرار على المضي بعيدًا عن أمان الوظيفة، لكنه فعليًا تحوّل ليكون الخطر ذاته؛ صار الرجل الذي يطرق الباب لا ذلك الذي ينتظر الطلقة.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار