انضم إلينا
اغلاق
مانشستر يونايتد وتوتنهام.. أن تـ"كين" أو لا تـ"كين"!

مانشستر يونايتد وتوتنهام.. أن تـ"كين" أو لا تـ"كين"!

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"كان هناك فريق واحد استطاع صناعة الفرص هو نحن، لقد حانت لهم فرصة واحدة ولكن بغض النظر عن ذلك فقد نجحنا في السيطرة عليهم بشكل رائع"

(جوزيه مورينيو في مؤتمر ما بعد المباراة. (1))


بسهولة شديدة، ستتمكن من استخراج عدة دلائل إحصائية على خطأ تصريحات مورينيو عقب المباراة، فبغض النظر عن سيطرة السبيرز الواضحة على أغلب أوقات اللقاء، وبغض النظر عن أنهم تمكنوا من إطلاق نفس العدد من التسديدات على مرمى دي خيا، فإنهم قد صنعوا ضعف عدد الفرص التي صنعها الشياطين، لذا فإنك سترى أن اعتبار مانشستر يونايتد هو الفريق الوحيد الذي تمكن من صناعة الفرص به شيء من المبالغة، خاصة إذا ما أضفنا له الخرائط الحرارية بالغة التناقض للفريقين.

 

الخرائط الحرارية للفريقين  (سكاوكا)

 

لكن الحقيقة أن الأرقام والإحصائيات والتصريحات لا تعبر عن قيمة مطلقة يمكن للجميع مقاربتها من نفس المنظور، فالفرص التي يقصدها مورينيو هي الفرص الخطيرة الفعلية لا الفرص الإحصائية، وبالفعل فإن فريقه قد تفوق في هذا الصدد بفارق فرصة أو اثنتين في مباراة حظي فيها كل فريق بأربع تسديدات على المرمى فقط لا غير، وهو ما يقودك لفهم السيطرة كما يعنيها البرتغالي، والتي لا ترادف الاستحواذ أو الانتشار أو الفوز بالثنائيات بقدر ما تعني حرمان الخصم من تهديد مرماه قدر الإمكان، وهو ما نجح فيه بالفعل.
 

خطة اللعب وتشكيل الفريقين والتقييم الرقمي (هوسكورد)

  

سؤال كين

ما سبق يخبرنا كيف يمكن للإحصائيات أن تكون خادعة أحيانًا، وهو نفس الخطأ الذي سيرتكبه الكثيرون عقب لقاء اليونايتد ليؤكدوا أن توتنهام هو "فريق هاري كين" فعلًا كما قال غوارديولا، (2) فالمهاجم الإنجليزي كان أهم عامل في فوز السبيرز على ليفربول بالأربعة، وفي غيابه بدا توتنهام أقل شراسة بكثير أمام الشياطين، ولكن الحقيقة أن أزمة بوتشيتينو كانت قد بدأت قبل ذلك.

 
غياب كين أزمة ضخمة فعلًا ولا شك في ذلك، فوجوده يحصر اهتمام بوتشيتينو قبل المباراة في التفاصيل الدفاعية فقط، وما إذا كان الأفضل اللعب بخط دفاع ثلاثي أم رباعي، تريبييه أم أورييه في الجانب الأيمن وديمبيليه أم ديير بجانب وانياما، وذلك لأن تواجد المهاجم الإنجليزي الدولي في الخط الأمامي رفقة آلي وإيريكسين كان يعني أن أغلب الحلول متوفرة، فمع ثنائي هجومي متحرك مثل كين وآلي وممرر رائع كالدانماركي يمكنك أن تمارس كل الألعاب الممكنة بحسب ما تقتضيه المباراة، سواء كان التحول للكرات الأرضية السريعة أو العرضيات فائقة الدقة لفك التكتلات، ولا أدل على أثر غياب نجم السبيرز سوى أن بوتشيتينو فقد تلك الرفاهية بخروجه من القائمة، وأصبح أمام اختيار إجباري لم يعتده كثيرًا؛ إما المراهنة على قدرته على السيطرة على الشياطين في الأولد ترافورد ومن ثم إمداد يورنتي بالعرضيات التي يجيد استثمارها، أو الخيار الواقعي بتوقع مباراة ندية لا يركن فيها مورينيو إلى الدفاع ومن ثم يصبح البدء بسون هو الحل الأنسب لاستغلال سرعته وحيويته في الضغط والارتداد السريع.


لذا كان مورينيو على موعد مع مبالغة أخرى قبل المباراة عندما ساوى بين غياب كين من جهة وغياب كل من بوغبا وفيلايني وروخو من جهة أخرى، (3) لأن المشكلة لم تكن في كين وحده، بل في إصابة وانياما وديمبيليه كذلك، والتي اضطرت بوتشيتينو للتضحية بالضلعين المتبقيين من الثلاثي الهجومي لصالح أدوار دفاعية أكثر تأخرًا لمساندة وينكس، وهو ما جرد الثنائي - وبخاصة إيريكسين - من أسلحته المعتادة، فلم تُؤمن ظهره ثنائية وانياما وديمبيليه المعتادة، وفي نفس الوقت لم يجد هدفًا واضحًا لعرضياته المتقنة في ظل إشتراك سون، وما زاد الأمور صعوبة على صانع الألعاب الدانماركي هو محاولة بوتشيتينو نقله للجهة اليسرى في الشوط الأول، من أجل إفساح المجال نحو انطلاقات سيسوكو المعهودة في موقعه الأصلي على اليمين.
 

مال إيريكسين جهة اليسار مع آلي طيلة الساعة الأولى قبل تبديل سيسوكو ( سكاوكا)

  

النتيجة أن تواجد إيريكسين وآلي في نفس الجبهة أضعفها على عكس المتوقع، خاصة أن سيسوكو اكتفى بعشوائيته المعتادة على الجهة المعاكسة ولم يقدم الكثير، وكان من الأوقع تقييد الفرنسي دفاعيًا إلى جانب وينكس وإطلاق يد إيريكسين في موقعه المعتاد للحفاظ على تفاهمه القُطري مع آلي، والذي منح السبيرز العديد من الأهداف خاصة في المباريات الكبيرة، لذا فإن حصر مشكلة السبيرز في هاري كين وحده يتجاهل حقيقة أن بوتشيتينو قد فرط طواعية في أسلحته الباقية طيلة الساعة الأولى، ثم أعاد الأمور لنصابها بعد أن جمع خصمه الثقة الكافية لمزيد من الندية.
 

صدق أو لا تصدق؛ صعد آلي في ثنائية هوائية واحدة طيلة المباراة داخل منطقة جزاء اليونايتد وخسرها، وجاءت بعد عودة إيريكسين لموقعه في اليمين (سكاوكا)

 

صدق أو لا تصدق؛ قدم إيريكسين اليمنى لم ترسل إلا عرضيتين خاطئتين طيلة المباراة  (سكاوكا)

  

من آنفيلد جئنا

كل ذلك لم يمنع السبيرز من الاحتفاظ بسيطرتهم على مجريات اللعب طيلة الشوط الأول، خاصة أن فريق مورينيو كان يلعب الشوط الثالث من مباراة آنفيلد؛ فرصة وحيدة في البدايات من عرضية لوكاكو التي تصدى لها لوريس ثم اللجوء لقتل اللعب بالطريقة المعتادة وترك الكرة لإيريكسين ورفاقه على أمل إحباطهم بتنظيم دفاعي محكم يستطيع مباغتتهم في المرتدات، ولكن صلابة دفاع السبيرز منعت مورينيو من تنفيذ الجزء الثاني من خطته، وللمفارقة فإن هذا ما أوحى لبوتشيتينو بأن كل شيء على ما يرام، وهو ما أفقده نقطة التعادل لاحقًا.

 
ما سبق يوحي لك أن تراجع الشياطين كان اختياريًا في الشوط الأول، لأنه من الصعب تخيل أن ثلاثية وينكس وإيريكسين وسيسوكو في الوسط ستكون أقدر على السيطرة من قرينتها في ماتيتش وهيريرا ومخيتاريان، لذا وبينما توقع الجميع قدرًا من التكافؤ في البدايات، انحصر لعب الشياطين على الأطراف فقط، هو ما أنهى الشوط الأول باكتساح رقمي للسبيرز إن جاز التعبير.
 

الفرص 9 إلى 1 خلال الشوط الأول  (سكاوكا)

 

التسديدات 10 منها 4 على المرمى إلى 2 منها واحدة على المرمى خلال الشوط الأول  (سكاوكا)

 

هنا قرر مورينيو أن الوقت قد حان لانتفاضة الشوط الثاني المعتادة التي يحرز خلالها أكثر من ثلثي أهدافه، فبينما كان بوتشيتينو يواجه تحدي فريق كين الذي أطلقه بيب عن عمد أو بدون، كان جوزيه يواجه تحدي لا يقل أهمية إن لم يفقه، وهو حظوظه في المنافسة بدوره بعد أداء بالغ التواضع أمام ليفربول وهزيمة مفاجئة أمام هادرسفيلد، ما عنى أن الفوز أمام السبيرز كان حتميًا بلا أدنى مبالغة.

 
9 عرضيات في 15 دقيقة وفرصة مهمة للتسجيل وبضع تسديدات لم يحالفها التوفيق كانت حصيلة طوفان اليونايتد الهجومي في بداية الشوط الثاني، وبتركيز كبير على جبهة أورييه - سيسوكو التي افتقدت التناغم طيلة الشوط الأول، وعمل رائع من يانغ الذي أدى دوره الهجومي والدفاعي على أكمل وجه، وغالبًا كان صمود السبيرز خلال الربع ساعة الأولى هو ما دعى مورينيو للإشادة بدفاعهم عقب المباراة، واصفًا إياه بالأفضل في أوروبا. (4)
 

تمريرات وفرص الفريقين في الربع ساعة الأولى من الشوط الثاني  (سكاوكا)

 

فاصل ونعود

مع الوقت اكتشف بوتشيتينو أن الأمور لم تبد على ما يرام إلا لأن مورينيو أراد حصر اللعب في الشوط الثاني فقط، ولأن تراجع الشياطين كان اختياريًا فعلًا كما أوحى لنا البرتغالي، فبوغبا وفيلايني قد يكونا عذرًا مقبولًا عند مواجهة ديمبيليه ووانياما في وايت هارت لين، ولكن ليس في غيابهما على الأولد ترافورد، لذا لم يحتج الشياطين إلا القرار بالصعود والضغط على السبيرز في الشوط الثاني، وهو ما نفذوه بكفاءة أشعرت بوتشيتينو بحجم خطأ نقل إيريكسين في الساعة الماضية، وجريمة التعاقد مع سيسوكو في الصيف قبل الماضي.


معادلة الحل في رأس بوتشيتينو كانت بسيطة للغاية؛ خروج سيسوكو يعني مزيدًا من الانتظام في الإيقاع ومزيدًا من التحضير المتأني عوضًا عن الانطلاقات المتسرعة التي لم تجد نفعًا في الشوط الأول، ودخول ديمبيليه يعني إعادة إيريكسين لموقعه في اليمين وحرية أكبر لآلي، وهو ما يعني كمًا أكبر من الاستحواذ وعددًا أكبر من العرضيات بالتبعية، بالتالي لم ينقص من تلك المعادلة إلا دخول يورنتي بدلًا من سون كنتيجة بديهية لكل ذلك، ولاستغلال طوله وقدراته الهوائية في اختصار عملية التسجيل على دفاع الشياطين المنظم.


بعدها شاهد بوتشيتينو الثنائي إيريكسين وآلي وهما يصنعان أخطر فرصة طيلة المباراة على الإطلاق، من عرضية تقليدية للأول فشل الثاني في التعامل معها رغم نجاحه في اللحاق بها متفوقًا على سمولينغ، وبينما كان الأرجنتيني منشغلًا بالندم على عدم لجوئه لهذا الحل من البداية، كان مورينيو قد أعد عدته لضربة النهاية، والتي لخصت فلسفة البرتغالي في المباريات الكبيرة هذا الموسم.

 

السهل الممتنع

تبديل معتاد بدخول لينغارد على حساب مخيتاريان، ثم تبديل آخر معتاد بخروج راشفورد لحساب مارسيال، وهو ما يعني بالضرورة أن مورينيو سيعزز أطرافه على حساب العمق في محاولة للبناء على انتفاضة الشوط الثاني ونقل لوكاكو للمكان الوحيد الذي يشكل فيه خطورته؛ أمام المرمى.


النتيجة أن مورينيو رد على فرصة آلي بأخطر فرص اليونايتد في المباراة من عرضية لينغارد التي التقطها لوكاكو بأريحية مسددًا إياها في القائم، ثم أعقبها بانفراد صريح للأول من قبل منتصف الملعب، وللحظة بدا دخول يورنتي كنقمة لا نعمة، فرغم غياب سون الظاهري طيلة وقته في الملعب، فإن ضغطه المستمر على دفاعات الشياطين وسرعته في التحولات كانت تمنعهم من بدء الهجمة بشكل سليم، وهو عكس ما يمكن قوله عن يورنتي الذي يناسب دور الهدف الثابت (Target Man) أكثر من أي دور آخر.
 

ثلثا فرص اليونايتد (4 من أصل 6) أتت في الربع ساعة الأخيرة عقب نزول لينغارد ومارسيال (سكاوكا)

 

هل سألت نفسك لماذا وقف لوكاكو على الجبهة اليسرى وتموقع مارسيال في العمق بينما يتأهب دي خيا لتسديد ركلة طولية؟ المنطقي أنها ستكون إحدى اللحظات النادرة التي يتمركز فيها الفريق طبقًا لتشكيلته الموضوعة قبل المباراة، ولكن لسبب ما تبادل لوكاكو ومارسيال أماكنهم في نفس اللعبة التي نجحا في تسجيل الهدف الوحيد منها، وهو ما يصعب اعتباره من قبيل المصادفة لأسباب عدة، أولها أن مورينيو تخصص في استثمار الكرات الطولية في السنوات الأخيرة، وثانيها أنك تعلم ما الذي يعنيه سهل مورينيو الممتنع في مباريات كتلك.

 
الإجابة يوفرها أقوى دفاع في أوروبا نفسه، فروعة أداء الثلاثي ديير وألدرفيريلد وفيرتونخن لم ترتكز على إمكانياتهم الفردية وحسب، بل نبعت بالأساس من تكاملهما سويًا وحسن توظيفهما من قبل المدرب، ولنفس الأسباب أتت الثغرة التي استغلها مورينيو بذكاء شديد، فعمد بداية إلى تفريق الثلاثي عن بعضه بوضع لوكاكو على اليسار لإجبار ألدرفيريلد على تتبعه، ثم ترك مارسيال في العمق للانفراد بديير، والسبب الواضح هو كون ديير أضعف أضلاع الثلاثي في الملاحقة الأرضية، بينما ألدرفيريلد - على العكس - كان الأسوأ في الالتحامات الهوائية، وإذا كنت تتمتع بذاكرة قوية فستدرك أن الكرة الوحيدة التي التقطها لوكاكو برأسه في منطقة جزاء السبيرز، كانت في حراسة ألدرفيريلد الذي فشل حتى في مضايقته.
 

لقطة تسديدة لوكاكو الوحيدة في القائم في حراسة ألدرفيريلد  (مواقع التواصل)

 

مقارنة ثلاثي دفاع السبيرز من حيث نجاح الثنائيات الهوائية والأرضية  (سكاوكا)

 

بالتالي لم يكن مورينيو يحتاج إلا لمطابقة نقاط قوته مع نقاط ضعف الخصم لينجح، وبعد المباراة نشأت معركة وهمية بين مشجعي السبيرز على هوية المخطىء في الهدف، ولكنها انحصرت في ديير وفيرتونخن فقط دون أي ذكر لرفيقهما البلجيكي، رغم كونه العامل المشترك في أخطر فرصتين للشياطين في المباراة، وهذا لا يقلل من أي من الثلاثي بطبيعة الحال، ولا يعني أن أحدهما يتحمل الخطأ منفردًا، بل إن مورينيو نفسه وصف تسديدة مارسيال بالسيئة وكان يعلم مسبقًا إن نسب النجاح في هذه اللعبة لم تكن كبيرة، (1) ولكن كل ذلك يعني ببساطة أن تلك اللعبة كانت الرهان الأفضل بعد فشل باقي الحلول.
 

مرة أخرى يتحرك ألدرفيرليد بسذاجة متتبعًا لوكاكو دون أن يمنعه فعليًا من التقاط الكرة  (مواقع التواصل)

 

 
لعبة ذكية لا شك، وأمام لعبات كتلك لا تملك إلا أن تعلن إعجابك، كما أنها توضح كمّ الجهد الذي سيبذله البرتغالي خارج الملعب فقط ليجنب فريقه أكبر كم من الجهد بداخله، والمحصلة فوز كبير تقليدي لمورينيو على خصم صعب نجح في تأجيل سؤال هاري كين قدر الإمكان، ولكنه لم يهرب منه بعد.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار