انضم إلينا
اغلاق
طريقة أخرى للفوز.. طريقة أخرى للهزيمة

طريقة أخرى للفوز.. طريقة أخرى للهزيمة

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض

وضع كتاب لعبة الأرقام(1) إحصائية عن نسبة المراهنات الفائزة في كرة القدم، ومقارنتها بالسلّة والكرة الأميركية، لنجد أن كرة القدم ينجح 50% فقط من المراهنين بتوقع الفريق الفائز، بينما تصل النسبة إلى الثلثين في حالة الألعاب الأميركية. لنخرج من ذلك بنتيجة واضحة؛ كرة القدم، على عكس اللعبات الجماعية الأخرى، ليست مواجهة بين فريقين من اللاعبين يفوز الأفضل بينهم، لكنها مناصفة بين 50% من الحظ، و50% من القدرة. لنستكمل إذن تذكّر حالات أخرى لدور العشوائية في اللعبة.

الضربات الترجيحية.. ضربات الحظ

ضربات الترجيح هي الحل الأخير عندما يتعادل الفريقان بعد الوقت الإضافي في مباريات خروج المهزوم، ليسقطا معًا في يد الحظ. تغيب كل التوقعات في هذه الحالة، ويبقى الحظ هو الفارق. ليخطوا اللاعبون في مشهد جنائزي طويل من تجمعهم في دائرة منتصف الملعب حتى نقطة الجزاء لأحد المرميين.
 

"ركضت كيلومترات عديدة في مسيرتي، لكن أكثر ما يرهقني، هي تلك المسافات التي أعاني فيها من أرق ذهنيّ، وليس بسبب الجري سريعًا. لقد خطا نيل أرمسترونغ فوق القمر، بينما مشيت أنا على العشب الأخضر للملعب الأولمبي في برلين بنهائي كأس العالم 2006. جاء مارشيللو ليبي تجاهي، وهمس في أذني: "أنت ستبدأ ضربات الجزاء".. إنها مسيرة 50 مترا من دائرة المنتصف قبل أن أنفذ الركلة من علامة الجزاء، لكنها خطوات في عالم الخوف."

(أندريا بيرلو في مذكراته)

 

هكذا جاءت الخطوات الطويلة في موسكو عام 2008. تغلّفت الأجواء بأمطار كثيفة، وخطا فيها جون تيري نحو مرمى فان دير سار من أجل إتمام الطريق نحو لقب دوري الأبطال الأول في تاريخ تشلسي. تشير لوحة الملعب الآن إلى أربع ضربات صحيحة نفذها البلوز من أصل أربعة، وأربعة لصالح مانشستر يونايتد من أصل خمسة، بعد أن ارتبك كريستيانو رونالدو وأضاع ضربته. إذن هي خمسون مترا يقطعها قائد تشلسي جون تيري، وركلة ترجيح أخيرة تسكن شباك الحارس الهولندي، ليكتمل مشهد التتويج تحت هذه الأمطار راسمًا لوحة جميلة. لكنها الأمطار أيضًا التي انزلق فوقها تيري ليضيع ركلته، وبدلاً من ذهاب الكأس إلى لندن، اتجهت في النهاية إلى مانشستر. وبدلاً من أن يبكي رونالدو حينها لأنها أضاع الكأس، بكى من اختلاط مشاعر الفرح بلحظة اليأس التي أضاع فيها ضربته.

 


وتحت أمطار روسيا الباردة تم تتويج رونالدو بدوري الأبطال الأول في تاريخه والثالث في تاريخ اليونايتد. ضربة حظ، أو انزلاقة حظ كانت بطل هذه اللحظات، التي تعلم لاعبي كرة القدم الانصياع للأقدار، كما قال(2) كارلو أنشيلوتي، وتعلمهم أن التتويج يأتي في الوقت الذي تريده هذه الأقدار. وشاءت الأقدار أن يتأخر تتويج جون تيري حتى عام 2012، وأمام بايرن ميونيخ في ملعبه، وبضربات الترجيح أيضًا.. لكن تيري لم يكن مشاركًا في المباراة هذه المرة بعد بطاقة حمراء تلقاها في نصف النهائي!

 

خطأ عبد الرحيم العرجون

ثلاثة أيام لا ينساهم جمهور الأهلي المصري؛ الأول هو يوم الفوز على الزمالك 6-1، والثاني كان يوم الفوز على الصفاقسي التونسي في نهائي دوري الأبطال 2006 في الوقت بدل الضائع بهدف محمد أبو تريكة(3)، والثالث هو يوم عبدالرحيم العرجون.


يستحيل على أي فريق لكرة القدم أن يخطط لأخطاء تحكيمية تحرمه من ضربتي جزاء صحيحتين في وقت شديد الأهمية من المباراة. لكن هذا هو خطأ الحكيم المغربي العرجون الذي لم يعترف به حتى الآن(4). كانت الأولى من عرقلة واضحة من رضوان الفالحي على محمد أبو تريكة بعد تعادل عماد النحاس للأهلي في بداية الشوط الثاني، ثم جاء هدف النجم الساحلي الثاني بقدم أمين الشرميتي ليتأزم موقف الأهلي، ويصبح في حاجة إلى هدفين من أجل الفوز. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، لكنه تصاعد بضربة جزاء أخرى لم يحتسبها الحكم عقب عرقلة الظهير الأيسر أحمد شديد قناوي داخل منطقة الجزاء، وانتهت المباراة بنتيجة كاسحة للفريق التونسي 3-1.

 
يكثر استخدام جملة "أخطاء التحكيم جزء من متعة اللعبة" في وسط مشجعي كرة القدم، وهذه الجملة المحايدة شديدة الموضوعية نظريًا، لا مكان لها عمليًا إلا إذا كانت الأخطاء في صالح فريقك. وإن كانت ضده، حينها لن تنسى(5) هذه الأخطاء. ويظهر هذا الأمر بوضوح من ذاكرة مشجعي الفريقين حول تلك المباراة، فجمهور النجم يتذكر التألق غير الطبيعي لنجمهم أمين الشرميتي، بينما لا ينسى مشجعو الأهلي ظلم العرجون.


توقيت الخطأ كذلك يلعب دورًا في أهميته وتأثيره وتذكر الجماهير له؛ فلا يعرف الكثيرون من مشجعي الأهلي غياب محمد بركات عن هذه المباراة النهائية في القاهرة، بعد إيقافه بسبب إنذار ثانٍ وجهه له حكم مباراة الذهاب في سوسة في ضربة جزاء صحيحة أخرى للأهلي لم يحتسبها الحكم(6)، واعتبرها ادعاء إصابة من بركات.

 

ملك وكتابة



إن كان ما تم ذكره من دور الحظ والعشوائية في كرة القدم غير كافٍ لإقناع القارئ، فربما تستطيع هذه الواقعة الغريبة إثبات الفكرة. ففي عام 1928 وقبل حقبة كأس العالم، أقام الاتحاد الدولي لكرة القدم مسابقة جمعت الفرق التي فشلت في إحراز أولمبياد كرة القدم، بعد السيطرة البريطانية على لقب هذه المسابقة. وتواجه المنتخب الهولندي على أرضه مع منتخب تشيلي في المباراة النهائية التي انتهت بالتعادل. لم تكن ضربات الجزاء حلاً يحسم هذه الأمور في حينها، واستمر الحال بهذه الطريقة حتى عام 1970، فضربات الترجيح هي طريقة جديدة نسبيًا في عالم الكرة. وانتهى الأمر حينها إلى حسم هذا الموقف بطريقة القرعة (ملك وكتابة(7)). وهنا تحديدًا بدأ النحس الهولندي الشهير في البطولات الدولية، عندما فاز منتخب تشيلي الذي راهن على الملك!


عقب هذا الحادثة استمرت أزمة التعادل، وظهرت فكرة الأشواط الإضافية. التي لم تستطع أن تحل هذه الأزمة بشكل نهائي، لأن منتخبات إسبانيا وتركيا وصلت إلى التعادل في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 1954، وكذلك مباراة إيطاليا والاتحاد السوفياتي في نصف نهائي بطولة أمم أوروبا 1968. وجاء الحظ حينها من نصيب تركيا في الموقف الأول، أما الموقف الثاني فشهد تعقيدًا بالغًا عندما اختلف الفريقان على العُملة المستخدمة في الـ (ملك وكتابة)! هل يستخدمون البيسيتّا الإيطالية أم الروبيل الروسي أم الدولار! وانتهى الاختيار إلى الجيلدر الهولندي الذي أرسل إيطاليا إلى النهائي. ولوقف هذا المشهد العبثي من التكرر، جاءت ضربات الترجيح لتكون الحل النهائي الذي ينظم لعبة الحظ هذه. لكن ما لم يعرفه العالم حينها، أن مجدي عبد الغني(8) لاعب الأهلي ومنتخب مصر سوف يكون له رأي آخر في كأس العالم 1990!


لا يتوقف الأمر عند ركلة جزاء تمثّل الإنجاز الأهم لمنتخب مصر في كأس العالم، لكنه كان الهدف الذي حقق حالة التعادل التام بين منتخب هولندا ومنتخب أيرلندا في كل شيء. تساوى المنتخبان في عدد النقاط وعدد الأهداف وفارق الأهداف. وحتى الاحتكام لنتيجة المواجهة المباشرة بين الفريقين لم يكن ممكنًا بسبب نتيجة التعادل بينهما 1-1. فقرر الاتحاد الدولي لكرة القدم إجراء قرعة تحدد مركز الفريقين؛ حيث يحل أحدهما ثانيًا للمجموعة ليواجه منتخب رومانيا في ثُمن النهائي، ويواجه الآخر منتخب ألمانيا بعد أن يصعد كأحد أفضل أصحاب المركز الثالث.

 
إن أخبرتك عزيزي القارئ أن المنتخب الألماني هو بطل تلك النسخة من كأس العالم، فمن إذن الفريق الذي سوف تلقي به القُرعة أمام البطل؟ والإجابة بالطبع هي منتخب هولندا! فإذا كان المستحيل ليس ألمانيًا، فالحظ بالقطع ليس هولنديًا!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار