انضم إلينا
اغلاق
كونتي ومورينيو.. شيطان التفاصيل

كونتي ومورينيو.. شيطان التفاصيل

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

في معاكسة تامة لتيار استفاقة مانشستر يونايتد بالفوز على توتنهام وبنفيكا، وخسارة تشلسي الثلاثية على يد روما، استمر ملعب ستامفورد بريدج حائلًا منيعًا أمام الشياطين الحمر ليحقق البلوز انتصارًا بهدف نظيف في الأسبوع الحادي عشر للدوري الإنجليزي، وسط مراقبة ضاحكة من مانشستر سيتي، المتصدر الحالي بفارق 8 نقاط.

شاهدنا أنطونيو كونتي مدرب تشلسي وهو يذل منافسه البرتغالي جوزيه مورينيو برباعية نظيفة، ثم شاهدنا الأخير وهو يلقنه درسًا تكتيكيًا في الدور الثاني بهدفين دون رد، ولكن تلك الليلة شهدت انتقال الصراع إلى مجال آخر، ليلقى الاستثنائي الخسارة في لُعبته المفضلة: التفاصيل.
  

تشكيل الفريقين وتقييم اللاعبين (هوسكورد)

  

المرآة

بعد أن نال كونتي ما يكفيه من ثنائية باكايوكو-فابريغاس المُضعفة لوسطه بشكل كبير، اختار الإيطالي إغلاق الوسط باستعادة وحشه الكاسر نغولو كانتي إلى جانب باكايوكو مع تقدم فابريغاس أمامهما ليشغل مركز صانع الألعاب، حتى وإن كان هذا على حساب تجريد الفريق من فكرة الثلاثي الهجومي مكتفيًا بالثنائي إيدين هازارد وألفارو موراتا. هذا أقله ما ظهر على الورق، ولكن على أرض الميدان نال باكايوكو حظه الوافي من الحرية الهجومية ليظهر فجأة في مواقع الخطورة (التي لم يُجد استغلالها)، ويتحول مثلث الوسط إلى كانتي أمامه الثنائي.

لسبب واضح أيضًا أثار الحديث عن وجود خلافات ما -نفاها كونتي لاحقًا-(1) نال المدرب الإيطالي كفايته من عرض ديفيد لويز المخيب أمام ذئاب روما، ليفقد مكانه ليس فقط في التشكيل بل حتى على دكة البدلاء، لصالح كريستينسن المستمر في تألقه في الملعب، ولصالح الصاعد أمبادو على مقاعد الاحتياط. وعليه وضع الرجل ثقته في مواطنه زاباكوستا لشغل الرواق الأيمن ومن ورائه أزبيليكويتا، مراهنًا على استفاقة كاهيل من توابع نفس مأساة الأولمبيكو، وهو ما قد تحقق في وقت مناسب لم يكن فيه ماركوس ألونسو على قدر التوقعات.

على الجانب الآخر واصل مورينيو إعجابه بفكرة الدفاع الثلاثي بعد نجاحها الظاهري أمام توتنهام، ليبني أمامهم ثنائية ماتيتش وهيريرا ويتقدمهم مخيتاريان في مركز صانع الألعاب، الذي لاقى فشلًا ذريعًا في استخلاص الكرة من الأمام (تدخل وحيد ناجح من أصل 5 كأكثر لاعب تم مراوغته في الملعب)، تحت ثنائي هجومي وقع فريسة في أحضان أقوى نقطة بعمق تشلسي، مكون من ماركوس راشفورد وروميلو لوكاكو.

الكثير من العوامل توحي بتكافؤ سير العملية، ميل بسيط بنسبة الاستحواذ لصالح البلوز (54%) مع تساوٍ تام في توزيع الكرة عبر الثلثين الدفاعيين لكل فريق (28%) واحتكام الأمور للوسط المزدحم، كل شيء قد يوحي بذلك إلا الفارق الكبير في إجمالي المحاولات، 18 للبلوز منهم 8 على المرمى مقابل 10 للشياطين منهم 2 فقط على مرمى كورتوا، وعليه لا مفاجآت في خروج الحارس الأمين ديفيد دي خيا صاحب التصديات السبعة بأفضل تقييم في صفوف مانشستر.
 

مناطق توزيع الكرة بين أثلاث الملعب (هوسكورد)

  
وعليه أدار مورينيو شوطه الأول كما يحلو له دائمًا أمام الكبار، تراجع حذر لا ينشد المخاطرة مهما أغراه الخصم بذلك، وهو المتوقع أمام خصم لن يتكبد عناء إغرائه. بمعنى أدق، لم يكن تشلسي كاسحًا رغم أن اتساع فارق المحاولات نجم عن الشوط الأول تحديدًا، فهو لم يتهور ولم يُطلق العنان الهجومي، فقط امتلك الكرة حين أتته ووصل حين واتته فرصة الوصول، وهو تمامًا ما ينقص إدارة مورينيو المتحفظة لتلك المباريات!

باختصار، تحفظ "الاستثنائي" الدائم بالشوط الأول دائمًا ما يخلو من خطة هجومية واضحة، هو فقط يريد قتل اللعب واحتواء خطورة الخصم آملًا في حصر المعركة بالشوط الثاني، في رهان ظاهره الأمان وباطنه قد يكون أخطر من الاندفاع والهجوم. 7 مباريات أمام الكبار خارج الديار مع مانشستر يونايتد، 4 هزائم و3 تعادلات، صفر من الانتصارات، ورغم ذلك لا يجد السيد جوزيه مبررًا منطقيًا لتغيير تلك الطريقة.

لكم إخوة في قاع الجدول

"لسنا قلقين بشأن فارق النقاط، نحن في المركز الثاني، هناك 18 فريقًا أكثر قلقًا منا"
- جوزيه مورينيو عقب مباراة تشلسي(2)


واصل أصحاب الأرض السيطرة والتوزيع العادل لمناطق الخطورة مع ميل طفيف للجهة اليمنى التي شهدت صلابة لافتة من آشلي يونغ، الرجل الذي كان أكثر لاعبي يونايتد روحًا على أرض الميدان، والأنسب لواجبات مركزه الصادرة من مدربه، فعلى الجهة الأخرى تعرض فالنسيا لتقييد شديد حرمه من إطلاق عرضياته، إمعانًا في عزل لوكاكو، ليبقى راشفورد هو الأمل الوحيد تقريبًا.
  

الخريطة الحرارية للفريقين: فارق التقدم وغزو المناطق الأمامية من جانب تشلسي بميل بسيط لناحية اليمين، مقابل تراجع اليونايتد وارتفاع اعتماده على اليسار بشكل ملحوظ (هوسكورد)

  
أما عن النظام الذي يُفترض به سد الفراغات فقد ترك موراتا ينفرد من المنتصف 3 مرات على الأقل، كان المهاجم الإسباني شديد الرحمة فيما عدا لقطة الهدف حقًا. وبينما نجح تشلسي في توزيع جهوده بين أطراف الملعب بنسبة 37% لكل جانب، أطلق يونايتد العنان ليساره أو لراشفورد تحديدًا بنسبة 46%، ولكن في النهاية كانت المحصلة فشل تام في استغلال الأطراف، لتخرج 90% من تسديداته من المنتصف، عمق النقطة الأكثر تحصينًا في خطوط البلوز.
 

مناطق توزيع الهجمات: تشلسي يسارًا (برتقالي) ويونايتد يمينًا (أزرق) (هوسكورد)

 

مناطق التسديد: تشلسي يسارًا (برتقالي) ويونايتد يمينًا (أزرق) (هوسكورد)

  
تجلَّت سخرية القدر في تلك المباراة، بأن يتلقى مورينيو رجل التفاصيل الأول هدفًا يسجله تشلسي للمرة الثالثة هذا الموسم! انطلاقة من سيزار أزبيليكويتا قلب الدفاع الثالث يعقبها كرة عالية تستقر على رأس موراتا ومنها إلى الشباك. أسئلة مثل من منحه الأريحية لإطلاق تمريرته الحاسمة، أو من كان يُفترض به مضايقة أفضل مسجلي تشلسي بالرأس، أو كيف تواجد هذا الرجل وحده وسط خط دفاع ثلاثي ستكون بلا شك مبالغة في الرفاهية!

لم يعد هناك مفر من التغيير والانطلاق للأمام، ترك جونز ومخيتاريان مواقعهما لمارسيال وفيلايني، لتتحول الطريقة إلى 4-3-3 بوصول لاعب الوسط فارع الطول إيذانًا ببدء معركة الهواء، وأخيرًا بالطبع، سواء كانت النتيجة تشير إلى التقدم أو التأخر أو التعادل، حل جيسي لينغارد بدلًا من يونغ.

على الجانب الآخر وفي ظاهرة قلما تحدث، أجاد كونتي قراءة الخصم ليسحب زاباكوستا ويشرك أنطونيو روديغير بدلًا منه، ليحل الألماني في الدفاع ويتقدم أزبيليكويتا إلى الرواق الأيمن، مغلقًا الباب تمامًا في وجه مورينيو قبل أن يستهدف تلك المنطقة بين زاباكوستا وأزبيليكويتا، وهي نفس المنطقة التي لعب عليها أغلب الخصوم حين كان موسيس يشغلها.

علامات من ستامفورد بريدج

تألق الإسباني سيسك فابريغاس بشكل لافت للغاية، محتلًا صدارة الصناعة بـ6 تمريرات مفتاحية، فقط "البديل" فيلايني هو الأقرب له بتمريرتين، بينما حتى الناحية الدفاعية التي يفترض ضعفه بها، حقق بها تدخلين ناجحين من أصل 3 محاولات بالإضافة إلى اعتراضين للكرة.
 

المهاجم الإسباني ألفارو موراتا بعد تسجيله هدف المباراة الوحيد في شباك مواطنه دي خيا.

رويترز
   

بالعودة للوراء وليس فقط لأنه صنع هدف المباراة الوحيد، كان سيزار أزبيليكويتا رجل المباراة بلا منازع بتوحش دفاعي جعله يقف حائلًا أمام الجبهة التي كثف يونايتد ضغطه عليها، بـ5 تدخلات ناجحة بنسبة 100% إلى جانب اعتراضين للكرة. ربما لم يكن كانتي في قمة صلابته، حيث تم مراوغته مرتين من أصل 5، ولكنه منح وسط تشلسي كل ما كان يفتقده، مزيدًا من القوة والصلابة والسيطرة، موقفًا أغلب مهازل مباراة روما السابقة.

وكما كان أزبيليكويتا متفوقًا على الأرض، كان كريستنسن متحكمًا في الهواء بـ4 صراعات دفاعية ناجحة بالعلامة الكاملة، إلى جانب 4 اعتراضات وتدخلين ناجحين بعلامة كاملة أخرى. لا يوازيه في الهواء سوى نيمانيا ماتيتش بنفس الحصيلة وتدخل صحيح واعتراضين، كأول العلامات المضيئة القليلة في الفريق الضيف.

لم يكن أندير هيريرا سيئًا من الناحية الدفاعية، حيث فاز بـ3 تدخلات من أصل 4 ونجح في اعتراض الكرة مرتين، ولكن وجوده لا يفعل شيئًا هذا الموسم سوى إضافة المزيد من الحسرة على غياب بول بوغبا، بانعدام تام للربط بين الخطوط وشلل مُطبق في عملية نقل الكرة للأمام. إلى الوراء من جديد كان إريك بايلي هو الأكثر اعتراضًا للكرة بـ5 مرات، كما نجح في تدخليه بنسبة 100%، ولكنه خسر صراعًا هوائيًا وحيدًا من أصل 3.

نال تشلسي فرصة ممتازة ودفعة معنوية كبرى على طريق تصحيح مسار الموسم، بينما تراجع يونايتد خطوة قوية للوراء، وفي مثل تلك الأوقات أفضل ما يمكن أن يفعله مشجع للفريق، هو فعل أي شيء غير الاستماع لما سيقوله مورينيو بعد المباراة. فهو لن يشعر بوجود أي مشكلة في ضوء كل ما سبق، وأن مشاكل الكون ستُحل بمجرد عودة بول بوغبا رغم أن الرجل لا يشكو أبدًا من الإصابات كما نعلم، وأن فارق 8 نقاط لا يعني شيئًا، وأن الخلل يمكن أن يتواجد بأي شيء على سطح الكوكب.. إلا هو.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار