انضم إلينا
اغلاق
مانشستر سيتي وأرسنال.. أن تكون أرسين فينغر!

مانشستر سيتي وأرسنال.. أن تكون أرسين فينغر!

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

هناك عدة بديهيات صارت معلومة بالضرورة عن مباريات السيتي وأرسنال في الأعوام الأخيرة؛ أولها مثلًا هو اليقين بأن المباراة ستشهد أهدافًا من الجانبين، وثانيها أن أزرق مانشستر سيفوز بمعركة الوسط، وثالثها أن اللقاء غالبًا ما سيشهد جدلا تحكيميا حول لقطة واحدة على الأقل، ومع إضافة انطلاقة سيتي غوارديولا الحالية للمعادلة، فأنت لست بحاجة لمقدمات من أي نوع لتدرك أن السؤال الأهم تمحور حول كيفية إيقاف "المواطنين"، السؤال الذي تسأله إنجلترا - وربما أوروبا - مع مطلع كل جولة جديدة.

 

لذا وباستثناء الشُح المفاجئ في الفرص والتسديدات من الفريقين، وباستثناء أن الجدل التحكيمي لم يتضمن الكثير من الجدل في الواقع لأن السيتي استحق ركلة جزاء في البداية وسجل هدفا من تسلل واضح في النهاية، فإن بيب شارك بتشكيلته المتوقعة دون مفاجآت من أي نوع، ولعب كرته الكهربائية السريعة المعتادة بلا مفاجآت من أي نوع، ملقيًا بالكرة في ملعب فينغر بالمعنى الحرفي والمجازي للعبارة، لتتبقى الإجابة على السؤال الأهم؛ ما الذي يعنيه أن تكون أرسين فينغر في هذه الجولة؟

  

تشكيل الفريقين وخطة اللعب والتقييم الرقمي (هوسكورد)

  

فرق سرعات
أول ما ستدركه وبمجرد وقوع عينيك على تشكيل الفريقين هو أن أرسين فينغر لم يكن على قدر تصريحاته قبل المباراة عن "أرسنال الذي لن يختفي أمام مانشستر سيتي"، (1) فاللعب بلا مهاجم صريح لم يكن التعبير الأمثل عن الشجاعة في مباراة كتلك، وعلى عكس ما أظهرته الخطط المبدئية التي عرضت على الشاشات قبل اللقاء، فإن أرسنال بدأ بالـ3-4-2-1 المعتادة في الفترة الأخيرة مع تغييرين رئيسين؛ أولهما اضطراري بمشاركة كوكلين كمدافع ثالث في ظل إصابة كل من ميرتساكر وهولدينغ ومصطفى، وثانيهما هو إقحام سانشيز فيما يفترض أنه كان دور المهاجم الوحيد.

   

خريطة لمسات الثلاثي الدفاعي بإضافة كوكلين كمدافع ثالث (سكواوكا)

   

بطبيعة الحال، منحنا التشكيل انطباعًا قويًا بأن المدفعجية سيلجأون للدفاع من مناطقهم ومن ثم الانطلاق في المرتدات التي دمرت سيتي بيب عبر الموسم الماضي، وهو رهان منطقي للغاية من فينغر مع اعتبارات مثل سرعة سانشيز وأيوبي والضغط العالي الكاسح الذي يمارسه السيتي على الخصوم ليحمي دفاعه ويحرمهم من بناء اللعب، وبالطبع قدرته الفائقة على إلغاء أي خط وسط يواجهه.

 

هنا واجه فينغر أولى مشاكله، وهي أن السرعة الجنونية التي فرضها السيتي على المباراة منذ البداية قد أفقدته 3 من أهم محاور لعبه، فعلى مدار الساعة الأولى تقريبًا فشل الثلاثي أوزيل ورامزي وتشاكا في مجاراة إيقاع المواطنين دفاعًا وهجومًا، ولاقوا صعوبات خيالية في الاحتفاظ بالكرة أثناء الاستحواذ وفي ملاحقة عناصر السيتي بدونه، خاصة أن العبث بشكل الخط الأمامي قد أفقد الفريق ديناميكيته المعتادة في الثلث الأخير، وجردهم غياب لاكازيت من الوجهة التقليدية لتمريراتهم العمودية المباشرة أثناء الخروج بالكرة، لينحصر الضغط كله على سانشيز الذي تعيّن عليه أن يتخطى لاعبين أو ثلاثة في كل مرة ليبدأ الهجمة.

 

مشكلة يصعب حلها في الواقع، فليس من المتوقع أن يغير الفرنسي عناصر يعتمد عليها عادة كأوزيل ورامزي وتشاكا، وبالطبع فإن مجاراة سرعة السيتي ليست أمرًا يمكن اكتسابه في التدريبات قبل المباراة، ولكن النتائج كانت كارثية فعلًا، لأن محصلة ما أنتجه الثلاثي في الخمسين دقيقة الأولى اقتصرت على تسديدة واحدة على المرمى واعتراض وحيد والتحامين ناجحين من أصل 9 وبلا مراوغة واحدة أو صناعة فرصة للتسجيل، وفي نفس الوقت الذي كان يعيش فيه السيتي أفضل فتراته في اللقاء بقيادة خط وسطه.

  

إحصائيات ثلاثي وسط الفريقين الهجومية في الـ50 دقيقة الأولى (سكواوكا)

  

إحصائيات ثلاثي وسط الفريقين الدفاعية في الـ50 دقيقة الأولى (سكواوكا)

 

فينغر ضد فينغر!
مع الوقت اتضحت قراءة فينغر الكارثية للمباراة، فمدافعيه لم يجدوا مهربًا من ملاحقة هجوم السيتي ووسطه سوى إرسال الكرات الطولية مباشرة في العمق، وهو ما أوضح ضرورة إشراك جيرو من البداية، وخطأ الرهان على سانشيز وأيوبي ورامزي وأوزيل في استقبال تلك الكرات، خاصة مع الضغط العالي الكاسح الذي يمارسه السيتي على الخصوم ليحمي دفاعه ويحرمهم من بناء اللعب، وبالطبع قدرته الفائقة على إلغاء أي خط وسط يواجهه.

 

النتيجة أن أرسنال افتقد حركية لاكازيت وقدرته على تخفيف الضغط على سانشيز، وفي نفس الوقت خسر قدرة جيرو على مقارعة أوتامندي وستونز ووكر في الهوائيات واختصار عملية البناء برمتها، والأهم من كل ذلك أن كثافة لاعبيه العددية في الوسط لم تساعده على إيقاف مد السيتي الهجومي، خاصة مع سلبيتهم الشديدة في الضغط واكتفائهم بالتحليق والمحاصرة دون محاولات حقيقية لاستخلاص الكرة أوخلق منطقة للتحولات السريعة، العادة التي لازمت أرسنال في المواسم الأخيرة وأمام أغلب الخصوم الكبار.

   

تمريرات طولية غير دقيقة (يسار) + عناصر غير مؤهلة لاستقبالها = التحام هوائي وحيد ناجح في نصف ملعب السيتي أول 50 دقيقة (يمين) (سكواوكا)

  

لذا لم تكن المشكلة في فشل فينغر في تطبيق أسلوبه المعتاد، بل في أنه أفسد منظومة فريقه لدرجة أنه لم يعد هناك أسلوبًا لتطبيقه، ولكن كل ذلك لم يكن يعني إلا فشل الجزء الأول فقط من الخطة، صحيح أنه تلقى هدفين أثناء ذلك، وصحيح أن ستيرلينغ حافظ على عادته بإهدار فرصتين محققتين على الأقل في كل مباراة، إلا أن العودة لم تكن مستحيلة، والسبب هو العادة التي اكتسبها سيتي بيب مؤخرًا بانخفاض مردوده البدني على حدود الساعة الأولى، ومن ثم تراجع منظومة الضغط المثالية التي تحمي دفاعه وتظهره بالصلابة التي يدعيها؛ نفس منظومة الضغط التي تُعد السبب الأصلي لتراجع المردود البدني في المقام الأول.

 

هدف أرسنال الوحيد هو مثال رائع على استغلال نقطة الضعف المذكورة، بل وفي الواقع كان الهدف هو ما جعل الهزيمة أكثر مرارة على فينغر ولاعبيه، لأنه أوحى أنه كان بإمكان المدفعجية الحصول على نقطة لو كان فينغر قد بدأ المباراة بشكل أفضل، فمع التعب البادي على المواطنين بدأت الثغرات تظهر في ماكينة الضغط التي لا تهدأ، ومن إحدى تلك الثغرات استطاع أيوبي المرور بحركة ثنائية بين دي بروين وساني منطلقًا للمساحات بين وسط السيتي ودفاعه ليتكفل رامزي ولاكازيت بالباقي، وهي اللقطة التي لم نشاهدها تقريبًا قبل الدقيقة 60.

  

قصة الهدف الأول (سكواوكا)

   

لحظة هروب أيوبي من الضغط في لقطة الهدف (مواقع التواصل)

  

أن تكون بيب غوارديولا
أن تكون بيب غوارديولا في هذه المباراة يعني أنك قد وصلت للنقطة 31 بعد 11 مباراة فقط كأفضل بداية لبطولة دوري في مسيرتك، وأنك قد عادلت إنجازًا تحقق مرتين فقط في آخر 25 عامًا هي إجمالي عمر البريميرليغ بنسخته الجديدة، (2) وأنك قد مررت فترة عصيبة واجهت فيها ليفربول وأرسنال وحامل اللقب دون خسارة أي نقاط تقريبًا، وإضافة إلى ذلك فإن أهم عناصرك ستتمكن أخيرًا من نيل قسط من الراحة أثناء التوقف الدولي لأن منتخباتهم قد تأهلت بالفعل لكأس العالم، وبعد تلك الفترة سيبدأ الصراع الحقيقي على اللقب، ومن الرائع أن تبدأه متفوقًا بثمان نقاط كاملة.

 

المهم كذلك هو القدرة الرائعة على التكيف مع الإصابات والمعطيات الطارئة، فبعد أن قضى بيب أولى الجولات معتمدًا على انطلاقات ووكر وميندي على الأطراف وإغراق الخصوم بسيل من العرضيات الأرضية من أقدام الثنائي، أصيب الأخير ليغير غوارديولا من أسلوب لعبه، مانحًا مزيدًا من الحرية لدي بروين وسيلفا ومعتمدًا على ساني وستيرلينغ في أداء نفس أدوار الأظهرة في الثلث الهجومي، وكان ذلك ما منحه رفاهية الاحتفاظ بديلف ووكر في مناطق متأخرة من الملعب، واستغلال سرعتهما وشراستهما الدفاعية في التقاط أخطاء أوتامندي وستونز وإضافة المزيد من الصلابة للخط الخلفي، وهو نفس السبب الذي أعجز أطراف أرسنال في المباراة ومنع بييرين وكولازيناك من تقديم الأداء المعتاد، حارمًا المدفعجية من مزية فتح الملعب في ثلثه الدفاعي.

   

رغم تواجدهما بكثافة مقبولة في الثلث الهجومي إلا أن حصيلة بييرين وكولازيناك اقتصرت على ثلاث عرضيات خاطئة (سكواوكا)

  

الجدير بالذكر أن تلك الصلابة هي ما منح السيتي التفوق حتى في أسوأ فتراته في المباراة، ففي الدقائق القليلة التي وقعت بين هدف لاكازيت وهدف سيلفا تمكن المواطنون من التفوق في أغلب نواحي المباراة، وكادوا يحرزون الهدف الثالث من تسديدة جيسوس التي قابلها تشيك بتصدٍ إعجازي، وأجادوا استغلال الكرات الثابتة في خلق فرص التسجيل، وهو أمر آخر لم يكن معتادًا مع نسخة العام الماضي من سيتي بيب.

  

إحصائيات الدقائق الثمان بين هدف أرسنال الأول وهدف السيتي الثالث (مواقع التواصل)

  

إجمالًا، انتهت المباراة دون أن نعلم إجابة السؤال، ودون أن يضع فينغر يده على الأسلوب الأنسب لإيقاف سيتي بيب، والذي اعتبره كونتي "المشكلة الكبيرة التي تواجه كل من يريدون المنافسة على اللقب هذا العام"، (3) ولكنه منحنا في نفس الوقت فرصة لكي نحاول الإجابة عليه بأنفسنا.

 

منتخب العالم
مبدئيًا هناك خلط واضح يرتكبه الكثيرون بشأن فريق السيتي الحالي، وهو الافتراض بأن كم الانفاق على التعاقدات يتناسب بالضبط مع جودة الفريق وكفاءة عناصره، فرغم كونها فرضية صحيحة في المطلق إلا أن لها حدودا معينة، خاصة مع صفقات قياسية مثل ستونز وميندي وإيديرسون ووكر، لا تعبر فعليًا عن القيمة المضافة للفريق بقدر ما تعبر عن ضعف إدارة السيتي في المفاوضات.

 

تلك الحقيقة هي أول ما ينبغي إدراكه في مواجهة سيتي بيب، فالفريق الحالي بما يضمه من مواهب لا يقترب من مستويات برشلونة 2009-2012 أو بايرن 2013-2016، ففي تلك الحقب كان بيب يمتلك مجموعة مميزة من مفاتيح اللعب ثم تمكن من مضاعفة عددها بقدرته الخارقة على تحسين نواحي التحرك والتمرير عند باقي اللاعبين، وهو ما لا يمكن قوله بالضبط عن قائمة السيتي الحالية، فبالرغم من امتلائها بالمواهب إلا أن أغلب التعاقدات ذهبت للشباب، لذا يصعب التعامل بجدية مع مصطلح "منتخب العالم" الذي يستخدمه الجميع مع سيتي بيب، فرغم كفاءة غوندوغان وساني وأوتامندي وستونز والتطور الضخم الذي شهده ديلف وستيرلينغ وفيرناندينيو ودي بروين تحت قيادته، إلا أن قائمة منتخب العالم الفعلية - إن وجدت - لن تضم سوى الأخير بالإضافة إلى ديفيد سيلفا وأغويرو.

 

ثنائي محركات السيتي هو أهم ما يملكه بيب وبدونه تتحول انطلاقات ساني وستيرلينغ إلى ركض بلا معنى، وينكشف خط دفاعه أمام هجمات الخصوم المتتالية، ويفقد أزرق مانشستر حوالي 50% من فرص التسجيل المصنوعة إحصائيًا، لذا كان يفترض أن يكون الضغط على دي بروين وسيلفا ومحاصرتهما هو أولى أولويات فينغر في رحلته للإجابة عن السؤال ومهما كلف الأمر، فإفساد منظومة السيتي الهجومية يبدأ من أهم مفاتيحها، وتحويل الثنائي لمحطة لفقد الكرة عوضًا عن صناعة الفرص كان بإمكانه إنهاء المباراة فعليًا لصالح أرسنال، وحتى لو تطلب ذلك الضغط بأكثر من لاعب على كل منهم، وهو ما حدث عكسه بالطبع.

 

أن تكون أرسين فينغر في الأسبوع الحادي عشر من البريميرليغ يعني أن تفشل في الإجابة على السؤال الصعب، وهو ما لا يمكن اعتباره كارثة بأي حال من الأحوال لأن هناك 9 مدربين قد فشلوا قبلك، من ضمنهم كونتي وكلوب، ولكنه سيضطرنا للانتظار حتى نجد الاسم الذي سيمنح الجميع الترياق لسم غوارديولا، فقط نتمنى ألا يكون فارق النقاط قد زاد اتساعًا وقتها.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار