انضم إلينا
اغلاق
العالم الموازي.. عن "كاتيناتشيو" برشلونة وملل أرسنال

العالم الموازي.. عن "كاتيناتشيو" برشلونة وملل أرسنال

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

لا ثوابت في الحب والحرب وكرة القدم.. لا ثابت في الحرب سوى السلاح القابل للتغير مع تعاقب الأزمان وتطور الأساليب، ولا ثابت في الحب سوى أنه علاقة تجمع طرفين ولكن الأطراف قد تزداد وتتشابك، والأكيد أنه لا ثوابت في الكرة سوى أنها تُركل بواسطة 22 لاعبًا في مستطيل أخضر ولها قوانين تغيرت وتطورت ولا تزال قابلة للتعديل المستمر.

 

إذا كان كل شيء إلى زوال على هذا النحو، فهل يمكن أخذ حقبة معينة من تاريخ نادٍ وتعميمها على مجمل سنوات حياته كسمة أساسية دائمة؟ في ذلك السياق قد تحدث مغالطات تاريخية بشعة، وهو ما يتكشف بين سطور القلعتين الحاليتين لكرة القدم الهجومية الممتعة في أوروبا: برشلونة وأرسنال.

 

الكاتيناتشيو الكتالوني
حاكم القرن الحادي والعشرين وأكثر أنديته نجاحًا وتتويجًا بالألقاب، كبير حملة لواء الاستحواذ والسبب الرئيس لتوحش الخطط الدفاعية التي واصلت التطور لمواجهته، ولكن من قال إنه وُلد هكذا؟!

 

يسهل إسباغ الأبدية على متعة البارسا نظرًا لتحقيقه جميع ألقابه بدوري أبطال أوروبا تحت تلك الراية مع اختلاف المدربين، بدايةً بالأب الروحي يوهان كرويف عام 1992، ثم هولندي آخر هو فرانك ريكارد عام 2006، وتلاه بيب غوارديولا الوريث الشرعي ليوهان عامي 2009 و2011 قبل أن يختتمها الإسباني الثاني لويس إنريكي عام 2015.

 

ولكن الواقع يقول إنه يمكن تقسيم تاريخ البلوغرانا إلى ما قبل كرويف وما بعده، فمنذ وصول الهولندي الأسطوري كلاعب عام 1973 وكل شيء قد تغير، حقَّق لقب الليغا للمرة الأولى منذ 14 عامًا، ليواصل النادي المضي خطوة تلو الأخرى نحو ما هو عليه رغم التراجعات التي اكتنفت أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات أيضًا، بدءًا بتأسيس أكاديمية لاماسيا عام 1979 بإيعاز الراحل، والبقية للتاريخ..

  

لاعبو النادي الكتالوني ويظهر البرازيلي رونالدينيو ومواطنه ديكو، وقائد الفريق الإسباني كارلوس بويول أثناء احتفالهم بإحراز لقب دوري أبطال أوروبا 2006 على حساب أرسنال في العاصمة الفرنسية باريس (رويترز)

 
هل يبدو لك ذلك كنادٍ يمكنه اللجوء للدفاع أو الطرق التي تعتمد على ترك المبادرة والاكتفاء برد الفعل؟ هل يمكن للنادي الذي يفخر كل الفخر بأولوية الأسلوب على النتائج أن يلجأ لمثل تلك الحلول؟ في الحقيقة برشلونة لم يفعل ذلك بل فعل ما هو أسوأ كثيرًا باستقدام هيلينيو هيريرا(1) عام 1958، فهذا الرجل ليس مجرد مدرب يتبع تلك الأساليب ويطبقها، بل أحد أبرز علامات "الكاتيناتشيو" التاريخية! ما قدمه المدرب الأرجنتيني لعالم الكرة الدفاعية يوازي ما قدمه الهولندي يوهان كرويف للكرة الهجومية أو "الشاملة" إن لم يكن أكثر.

 

توقف برشلونة عن حصد لقب الليغا منذ عام 1953 رفقة التشيكي فيرديناند داوسيتش، ليرحل في العام التالي ويخلفه 3 جنسيات مختلفة ومتباينة في الفكر الكروي، بدأهم الإيطالي ساندرو بوبو وتوسطهم المجري فرانز بلاتكو واختتمهم الإسباني دومينغو بالمانيا، وكانت النتيجة مزرية بكأس الملك وكأس المعارض الأوروبية مرة واحدة فقط على يد الأخير، بينما أنهى الدوري 3 مرات في المركز الثاني ومرتين في المركز الثالث على مر المواسم الخمسة الأخيرة.

 

كل ذلك دفع النادي الذي يقدس الكيفية ويمنحها الأولوية المطلقة على النتائج والأرقام في يومنا هذا إلى الوقوف على حافة اليأس لتحقيق اللقب ومقارعة الغريم ريال مدريد في دوري الأبطال، مما قاده لاعتناق تلك الطريقة التي يبغضها مشجعوه ربما أكثر من بغضهم لعدوهم الأزلي الملكي العاصمي والذي يمثل كل ما يمقته إقليم كتالونيا.

 

كانت النتائج مبهرة في غضون عامين بمجرد وصول هيريرا، حيث فاز برشلونة بلقب الليغا مرتين وكأس الملك مرة واحدة بالإضافة لكأس المعارض الأوروبية، ولكن في ظل مشاكله(2) مع النجم المجري لاديسلاو كوبالا ثم الإقصاء المخيب على يد مدريد من نصف نهائي دوري أبطال أوروبا بالخسارة ذهابًا وإيابًا بنفس النتيجة 3-1 (6-2 في مجموع المباراتين)، رحل هيريرا ورحل معه برشلونة لفترة طويلة من الزمن.

   

 
11 مدربًا تعاقبوا على قيادة البلوغرانا بعد رحيله دون الفوز بالدوري، 7 إسبان ومجري -كوبالا نفسه- ويوغوسلافي وإنجليزي، كل ذلك الضجيج لم يجلب سوى كأس الملك 3 مرات وكأس معارض يتيمة، حتى أتى المدرب الهولندي رينوس ميتشيلز عام 1971 ولحق به الأسطورة كرويف عام 1973 ليحققا معًا عام 1974 لقب الليغا الأول منذ 14 عامًا، أي منذ عام 1960، أي منذ هيريرا الذي انطلق على الجانب الآخر راويًا الحقبة الأنجح في تاريخ إنتر ميلان الإيطالي.

 

مرة أخرى بعد لقب "ميتشيلز-كرويف" ساءت الأحوال وتخبطت السفينة الكتالونية فرحل ميتشيلز وخلفه الألماني هينيس فايسفيلر بصفر من الألقاب، ثم تلاه الإسباني لوريانو رويز بموسم صفري آخر قبل أن يعود ميتشيلز ويحقق كأس الملك، ثم يرحل ليحل الفرنسي لوسيان مولر بدلًا منه دون جدوى، ورغم تحقيق خليفته الإسباني خواكيم ريفيه لكأس أوروبا لأبطال الكؤوس، تم الاستعانة(2) بهيريرا مرة أخرى في (مارس/آذار) 1980 لإنقاذ الموسم المحلي الذي انتهى باحتلال البارسا للمركز الرابع.

 

المفاجأة كانت في الاكتفاء بشهري الإنقاذ فقط، حيث ترك هيريرا مقعده مرة أخرى في (مايو/أيار) من العام ذاته لصالح عدوه لاديسلاو كوبالا، لكنه وبسرعة البرق أخرج له لسانه مرة أخرى في (نوفمبر/تشرين الأول) حين أقيل كوبالا وعاد هيريرا محققًا كأس الملك، لتنتهي الحكاية إلى الأبد في (يونيو/حزيران) 1981 باعتزاله التدريب حتى وفاته في التاسع من (نوفمبر/تشرين الثاني) 1997.

 

60 عامًا من الـ1-0
في منتصف عشرينيات القرن الماضي بزع نجم عبقري في قيادة أرسنال يدعى هربرت تشابمان، رجل ترك إرثًا لا يزال أحد أهم مراجع تكتيك كرة القدم وينسب له الكثير والكثير من الأفضال، ومن المذهل أن يبدأ كل ذلك بتعديل وحيد على قوانين اللعبة.

  

هربرت تشابمان (1878 - 1934) (مواقع التواصل)

 
في صيف 1925 خوفًا من تزايد السلبية في الكرة بفضل لغة ذاك العصر "مصيدة التسلل"، قرر الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم تعديل قاعدة التسلل(3) لتشترط وجود مدافعين فقط (الحارس وآخر مدافع أو آخر مدافعين حال تقدم الحارس) كحد أدنى لعدم احتساب التسلل بدلًا من ثلاثة.

 

على خلفية ذلك ومن رحم هزيمة تاريخية(3) على يد نيوكاسل يونايتد 7-0 في أول مواسم تشابمان على رأس العارضة الفنية للغانرز، تولدت عبقريته باستحداث طريقة 3-2-2-3 المعروفة بـ"W-M" وفي غضون 6 سنوات أحرز أرسنال لقب الدوري الأول في تاريخه عام 1931، تلاه بوصافة العام التالي قبل أن يحقق اللقب مرة أخرى عام 1933، وفي (يناير/كانون الثاني) 1934 توفي تشابمان ولكن فاز المدفعجية باللقب الثالث تحت قيادة جو شو المؤقتة.

  

  

ليس ذلك فضل تشابمان الوحيد على كرة القدم، فهو أول من أدخل(4) "الهجمة المرتدة" بشكلها الحالي الذي نعرفه، حيث آمن بجودة الدفاع وعبقرية التحرك الهجومي ليصنع خليطه الذي حطم نمطية الكرة الإنجليزية في ذلك الزمان، فما نعتبره الآن من البديهيات كان هو من أوجده.

 

"الفريق يمكن أن يهاجم لفترة طويلة. أفضل فرصة للتسجيل هي التي تأتي مباشرةً بعد إيقاف الهجوم، لأن الخصم يصبح مقيدًا في النصف الخاطئ من الملعب."

- هربرت تشابمان

 

بنهاية الولاية المؤقتة لشو حل جورج أليسون بدلًا منه منذ صيف 1934 وحتى 1947، محققًا لقب الدوري مرتين عامي 1935 و1938، بدستور مغاير تمامًا لسرعة ومتعة اللعب التي رأيناها في العصر الحديث ويلخصه الرجل في قوله(5): "النتيجة 1-0 لأرسنال، هذه هي الطريقة التي نفضلها."، ليتبين لاحقًا أنها لم تكن مجرد مقولة من رجل يزهو بانتصاره.

 

17 عامًا من الغياب عن البطولات بدأت عام 1953 وانتهت بكأس المعارض الأوروبية عام 1970 ثم لقب الدوري أخيرًا عام 1971 لتتحول مقولة الواحد-صفر إلى دستور عمل(6) تكرر في 11 مباراة خلال تلك البطولة.

  

"كل فريق يجب أن يُبنى من الخلف، وإلا فأنت تبني فريقك على رمال متحركة وذلك لا يجدي نفعًا." - جورج غراهام، مدرب توتنهام هوتسبير السابق (رويترز)

 
"النتيجة أن الفريق يفوز، سأترك القلق بشأن الطريقة للبقية" - لا، ليس جوزيه مورينيو ولا دييغو سيميوني ولا حتى هيريرا، إنه بيرتي مي(6) مدرب أرسنال في تلك الفترة (1966-1976).

 

واصلت الأمور تطورها مع وصول جورج غراهام إلى المنصب عام 1986 وحتى 1995 والذي عاصر حقبة مي كلاعب في صفوف الفريق وواحد من أبرز نماذج الوصولية تحت مسمى الاحتراف، حيث كان لاعبًا(7) للعدو اللندني تشلسي قبل أرسنال الذي انتقل منه إلى صفوف مانشستر يونايتد، كما درب عدوا لندنيا آخر في أواخر التسعينيات وهو توتنهام هوتسبير.

 

في عهد ذلك الرجل الذي حقق لقبي الدوري عامي 1989 و1991 بنهج دفاعي صريح صارت مقولة "1-0" هتافًا جماهيريًا ثابتًا في شمال لندن، تجلى أيضًا في التتويج بكأس أوروبا لأبطال الكؤوس عام 1994 على حساب بارما المتألق آنذاك، وطبعًا لا داعي لذكر نتيجة المباراة.

 

يقول السيد غراهام(6) عن ذلك: "كل فريق يجب أن يُبنى من الخلف، وإلا فأنت تبني فريقك على رمال متحركة وذلك لا يجدي نفعًا."

  

 
بالعودة للوراء يلخص برنارد جوي لاعب أرسنال بين عامي 1935 و1947 (أي شاهد على فترة جورج أليسون بكاملها) بما نقل عنه في الكتاب الشهير(8) "الهرم المقلوب: تاريخ تكتيك كرة القدم" لجوناثان ويلسون ما يمكن القياس عليه بأنه تاريخ أرسنال قبل أرسين فينغر.

 

"السر ليس في الهجوم بل في الهجمة المرتدة. خططنا للحصول على الاستفادة الكاملة من كل فرد لذلك كنا دائمًا ما نملك رجلًا خاليًا في منطقتي الجزاء. السيطرة على منطقة الجزاء لم تكن هدف اللعبة بل اللعب في الوسط. نحن في أرسنال حققنا أهدافنا بتعمد سحب الخصم من مناطقه عن طريق التراجع والانكماش إلى مرمانا وإيقاف الهجمات على حدود منطقة الجزاء، ثم نندفع سريعًا بإرسال التمريرات الطويلة للأجنحة."

 

البقية للتاريخ، فقد جاء مدربٌ فرنسي من الدوري الياباني مباشرةً عام 1996، وبعد أن سخر منه السير أليكس فيرغسون أسطورة مانشستر يونايتد ناصحًا إياه بالاحتفاظ بأفكاره للكرة اليابانية، اضطر في النهاية لمجاراته بعد أن حطم فينغر نمطية الإنجليز مرة أخرى وحقق لقب البريميرليغ الخالد بلا هزيمة.

 

(Boring, Boring Chelsea) أو "تشلسي الممل"، هتاف تغنت به جماهير أرسنال(6) وغيرهم ضد البلوز خاصةً في حقبتي مورينيو، ولكن في واقع الأمر هذا الهتاف محرف من أصله حيث تناوبت كافة الجماهير على استخدامه ضد الغانرز أنفسهم حتى محى فينغر ذلك الواقع، وعلى الرغم مما يفعله تلك الأيام أو على مدار الأعوام الأخيرة، قد لا يبدو استمرار تعلق بعض جماهير النادي به أمرًا غير مفهوم.
  

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار