انضم إلينا
اغلاق
مورينيو وغوارديولا.. عن الحظ والقدر وآلهة كرة القدم

مورينيو وغوارديولا.. عن الحظ والقدر وآلهة كرة القدم

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

سواء كنت أحد المتابعين لصراع الرجلين في أسبانيا أم لا فأنت تعلم أن لقاءهما غالبًا ما يحمل الكثير من كل شيء؛ الكثير من التفاصيل، والكثير من التكتيك، الكثير من العداء، والكثير من الدراما بالطبع. الفارق الوحيد هنا أن الابتكارات التكتيكية المعتادة قد غابت، لذا يصعب الحديث عن سؤال بيب الذي يتغير كلما عرف مورينيو إجابته، لأنه فيما بدا أن الأول لم يملك سؤالًا جديدًا لطرحه هذه المرة، ربما لأن أحدًا لم يجب السؤال الحالي حتى الآن، والأهم هو أن الثاني لم يبدو قادرًا على إجابته حتى لو ظهر.

 

تلك المرة كانت الدراما هي البطل الأوحد، وبدأ الفيلم مبكرًا بمشهد الحرب النفسية المعتاد الذي يزداد مللًا مع الوقت، المشهد الذي يستخدم فيه مورينيو كل أسلحته ليحاول الفوز بالمباراة قبل انطلاقها؛ بدءًا من التساؤل البريء حول قانونية الشارة الصفراء التي يرتديها بيب دعمًا لاستقلال كتالونيا، (1) ومرورًا بالحديث عن مخالفات السيتي التكتيكية، (2) وانتهاء بالاتهام الذي يوجهه لكل خصومه تقريبًا وهو التحايل على الحكام، واصفًا لاعبي السيتي بأنهم في علاقة غرامية مع عشب الملعب ولا يحتاجون إلا قليلًا من الرياح ليسقطوا مطالبين بركلات جزاء. (3)

 

كما ترى، فهي حيلة عبقرية نادرًا ما تفشل لأنها تمنحه عذرًا جاهزًا في حالة الهزيمة، فإن فاز فالسبب هو أن الحكم لم يستجب لتمثيليات الخصوم، وإن خسر فهي فرصة لأداء مشهد "ألم أقل لكم؟" الذي يتقنه بشدة، ويظل التوقيت هو العنصر الأهم في العملية برمتها، فتوقع الهزيمة بركلة جزاء ظالمة قبل المباراة يختلف كثيرًا عن تبريرها بنفس السبب بعدها، ومورينيو لم يكن ليكرر خطأ مباراة أرسنال مرة أخرى، عندما وجد نفسه مجبرًا على وصفهم بنفس الوصف بعد أن حرمهم الحكم من ركلة جزاء واحدة على الأقل. (3)

 

إنتر يونايتد
في مقاله المعتاد قبل أي مواجهة للثنائي، ذهب جوناثان ويلسون صاحب كتاب الهرم المقلوب إلى أهمية فيلايني وأثره على خطط أصحاب الأرض، فتعافِي البلجيكي من إصابته الأخيرة كان سيغري مورينيو بالدفع به في ثلاثية محورية مع هيريرا وماتيتش، تتقدم ثلاثية أخرى من قلوب الدفاع شبيهة بتلك التي واجهت أرسنال، وتحت عنوان كبير هو الكرات الطولية المباشرة التي سيمثل فيها فيلايني محطة إضافية لإنزال الكرة في وسط الملعب، أو لإسكانها الشباك في الكرات الثابتة. (4)

 

استعرض ويلسون كل الاحتمالات لتعويض بوغبا، ولكنه استبعد احتمالًا واحدًا هو أن يبدأ مورينيو بالـ4-2-3-1 المحببة لقلبه، والسبب بالطبع هو أنها تتطلب إشراك 4 لاعبين دفعة واحدة في الهجوم، الأمر الذي يتناقض مع كم التحفظ المبالغ فيه الذي أظهره يونايتد مورينيو في مثل هذه المباريات عبر العامين الماضيين. (4)

 

لم يكن العكس بالضبط هو ما حدث، بل مزيجًا بين هذا وذاك، فعلى الرغم من بدء مورينيو المباراة بالخطة الوحيدة التي استبعدها ويلسون، إلا أنه أدار المواجهة بنفس التحفظ الذي استبعدها بسببه، وبعد مرور ربع ساعة فقط لا غير كانت المفاجأة من تشكيل الشياطين الهجومي قد تبخرت واستقر الوضع على المتوقع من البداية؛ دفاع محكم من الشياطين وأمواج هجومية متتالية من المواطنين لمحاولة اختراقه.

               

تشكيل الفريقين وخطة اللعب والتقييم الرقمي (هوسكورد)

      

بعد ربع ساعة أخرى بدا وكأننا بصدد مشهد مألوف آخر هو مشهد إنتر مورينيو 2010 مع اختلاف الأسماء؛ فأُسند دور شنايدر لجيسي لينغارد هذه المرة، وأُوكلت له مهام التأخر لمساندة ثنائي المحور في الضغط والافتكاك، ثم الارتداد سريعًا للهجوم استنادًا على لوكاكو كمحطة متوسطة للتخلص من الملاحقين، بالإضافة للقطة الأميز في هذه المباراة وهي لقطة "رجال كانوا أجنحة" الشهيرة، والتي يتحول فيها راشفورد ومارسيال لمدافعين إضافيين على الخط يلعبون والأظهرة سواء.

          

الخريطة الحرارية لثنائي أجنحة الفريقين (هوسكورد)

        

تلك الأصولية في مقاربة مورينيو للمباراة أظهرت حجم الضغط المُلقى على عاتقه، فإذا كان كثير من المحايدين قد تمنوا تعثر تشيلسي كونتي في الموسم الماضي لإنقاذ تنافسية المسابقة والحفاظ على إثارتها حتى النهاية، فإن كلهم قد تمنوا الأمر ذاته مع سيتي بيب في هذا الموسم. فبغض النظر عن تحقيقه لأفضل بداية في تاريخ البريميرليغ وأفضل بداية شخصية له في مواسمه التدريبية الثمانية، فإن مورينيو كان يملك أسبابه الخاصة بدوره؛ فأي هزيمة كانت ستعني ابتعاد المواطنين بفارق 11 نقطة كاملة، بالإضافة إلى نشوء عقدة جديدة للشياطين في مواجهتهم على الأولد ترافورد، وترسيخ العقدة القديمة بين بيب ومورينيو بأسوأ صورة ممكنة بعد أن كان الأول هو آخر من فاز على الثاني في ملعبه قبل أن تبدأ سلسلة اللاهزيمة التي امتدت لـ40 مباراة.

 

فيما يبدو أن تلك الأسباب كانت كافية ليعود البرتغالي في الزمن لسبع سنوات مضت، ولكنها لم تكن كافية لإيقاف سيتي بيب تمامًا، فعلى الرغم من أن التفاصيل التكتيكية لم تلعب دورًا في أي من أهداف المباراة الثلاثة، وعلى الرغم من أن باص مورينيو الدفاعي لم يفتقد للصلابة في المجمل، إلا إن تناغم وسط السيتي وقدرته الفائقة على التخلص من الضغط والتمرير في المساحات الضيقة جعل مهمة محاصرته شبه مستحيلة، خاصة أن دفاع مورينيو عانى من ظاهرة واضحة متكررة في مباريات الكبار هذا الموسم، وهي ببساطة أنه لا يجيد الدفاع.

 

فعلى الرغم من نجاح ثلاثي وسط اليونايتد في اعتراض الكرة 9 مرات - معدل جيد للغاية - إلا إن الإحصائية المخيفة تقول إن نفس الثلاثي فشل في 12 ثنائية من أصل 17 خاضها، وعلى الرغم من قلة الفراغات بين صفوفه، ثم يتحول الخوف إلى رعب عندما تعلم أن نصيب ماتيتش من كل ذلك كان محاولة واحدة، تاركًا 10 محاولات لهيريرا منفردًا، فشل الإسباني في 8 منها.

            

أماكن تدخلات الفريقين الدفاعية (هوسكورد)

       

برسا سيتي
ذلك العجز في احتواء ماكينة صناعة اللعب في السيتي زاد من الضغط على ثنائي القلب روخو وسمولينغ، ووضع الشياطين في عدد لا بأس به من المواقف الحرجة التي أنقذتها التدخلات الأخيرة في منطقة الجزاء، وما زاد الطين بلة أن عودة مورينيو في الزمن أغرت غوارديولا بفعل المثل منذ بداية المباراة.

 

مبدئيًا فإن هناك نمطًا واضحًا من الدفاع يتبعه البرتغالي في المباريات الشبيهة خاصة أمام خصمه اللدود، وهو ما يمكن وصفه بمزيج بين دفاع المنطقة ورقابة رجل لرجل، لذا أصر بيب منذ البدايات على العودة لشكل شبيه ببرسا 2010، أي بمهاجم وهمي في العمق يتحرك عموديًا وعرضيًا باستمرار لخلخلة التكتل ويتقدمه ثنائي هجومي يحاول الاختراق قطريًا جهة المرمى، وهو شكل معاكس لتحركات أجنحته منذ بداية الموسم، والتي عادة ما يضع فيها كل من ستيرلينغ وساني على جهته، أي وقدمه القوية أقرب إلى الخط لاستخدامهما في إرسال العرضيات مباشرة للمهاجم الوحيد أو جناح الجهة المقابلة، وهو التكتيك الذي استخدمه الكتالوني لتعويض أدوار الأظهرة بعد إصابة ميندي.

 

نجح المواطنون في تهديد مرمى دي خيا أكثر من مرة طيلة الشوط الأول، ولكن المشكلة كانت تظهر في كل مرة يتاح لهم قدرًا من المساحات في العكسيات السريعة، فالوضعية الجديدة أخلت بالتفاهم المعهود بين دي بروين ومهاجميه، وتسببت في ضياع عدد من الفرص المحققة نتيجة عدم اعتياده للنمط الجديد من التحركات، بالإضافة بالطبع لظاهرة الرعونة في التعامل مع الكرات أمام المرمى، والتي أهدرت على سيتي بيب 35 فرصة محققة للتسجيل هذا الموسم. (5)

            

خُمس تسديدات السيتي أتت من منطقة الياردات الست (هوسكورد)

       

مع بداية الشوط الثاني وعقب قبول السيتي لهدف التعادل من خطأ مزدوج بين أوتامندي وديلف، كنا على موعد مع مشهد آخر مألوف لبيب وهو مشهد سحب أحد أعضاء الخط الخلفي - كومباني المصاب - لصالح لاعب وسط إضافي يساهم في صناعة اللعب ويدفع سيلفا أكثر نحو مناطق الخطورة. المشهد الذي لم نعتده من قبل كان اقتناع مورينيو بالتعادل رغم كونه لا يغير شيئًا في صراع اللقب، وكأنه يثبت للمرة الألف أنه لن يسعى أبدًا للنقاط الثلاث أمام الكبار، وحتى لو كان ذلك يعني ضياع الموسم.

 

10 دقائق بالضبط كانت هي كل ما يحتاجه أوتامندي ليصحح خطأه ويسجل من تشتيت آخر للوكاكو، وهي نفس ما كان يحتاجه فيرناندينيو ليثبت فشله في موقعه الجديد كبديل للقائد البلجيكي، خاصة بعد أن خسر كل الثنائيات التي خاضها تقريبًا في تلك الفترة وكاد يتسبب في أكثر من هجمة خطرة لولا تألق ووكر في التغطية على أخطائه، وبعد بضع دقائق أخرى كان مانغالا يشق طريقه لقلب الدفاع على حساب جيسوس، محولًا سيلفا إلى مكان البرازيلي كمهاجم وهمي خلف ثنائية ساني وستيرلينغ، والتي عادت لمواقعها المعتادة بعدها.

 

هنا بدأ الجزء الثاني من خطة بيب، والذي طبقه في أكثر من مرة هذا الموسم خاصة في المباريات الصعبة أمام الخصوم اليائسين المندفعين للهجوم، وهو ما يمكن تلخيصه ببساطة في نقل منطقة الضغط وافتكاك الكرة إلى وسط الملعب ثم الانطلاق في عكسيات سريعة جهة مرمى المنافس بأقل عدد من التمريرات المباشرة العمودية، ومع محاولة اليونايتد للتعديل، لم يكن ذلك يعني إلا أن هجمات المواطنين في تلك الفترة كانت أخطر مما سبقها، وهو نفس ما يمكن قوله عن فرصة لوكاكو وماتا المزدوجة التي تصدى لها إيديرسون على مرتين.

         

تدخلات الفريقين الدفاعية في الفترة التي عقبت هدف أوتامندي (هوسكورد)

               

مواقع اعتراض الكرة للفريقين في الفترة التي عقبت هدف أوتامندي (هوسكورد)

      

آلهة كرة القدم
انتهت المباراة بفوز بدا متوقعًا للسيتي قبلها وحزمة إضافية من الأرقام القياسية يزداد حصرها صعوبة مع كل انتصار جديد، ورغم المفارقة الساخرة بكون هيريرا اللاعب الوحيد الذي حصل على إنذار لادعاء السقوط، إلا أن حرب مورينيو النفسية استمرت لما بعد المباراة، فبعد أن فرغ من حكم المباراة مايكل أوليفر توجه لأداء السيتي واصفًا أهدافهم بالـ"مشينة"، وسيطرتهم على مجريات اللعب بالـ"خادعة"، ومسيرتهم بالـ"محظوظة" لأن طبقًا لمورينيو فأن "كل القرارات التحكيمية تأتي في صالحهم" و"آلهة كرة القدم تقف في صفهم". (6) (7) (8)

 

يصعب تذكر آخر مرة تلقى فيها مورينيو أي هزيمة وكان السبب أي شيء غير الحكام أو الاتحاد الانجليزي أو المؤامرات أو خيانة اللاعبين، ويصعب تذكر آخر مرة فاز فيها مورينيو ولم يقلل من خصمه، فالبرتغالي لا يكفيه الفوز حتى وإن كان بطلًا متوجًا للبريميرليغ أو دوري الأبطال، بل يجب أن يخسر الجميع كذلك، وإذا كان إنقاذ إيديرسون يكفيه لإثبات أن الشياطين كان الفريق الأقوى، فمن المؤكد أنه كان سيتفنن في السخرية من نفس المنطق إذا طُرح عليه بعد المباراة السابقة.

 

قيل قديمًا أن إجادتك لابتكار الأعذار تتناسب عكسيًا مع إجادتك لأي شيء آخر، (9) وإن كان هناك طريقًا واحدًا يبدو أن مورينيو عازم على استكماله حتى نهايته فهو طريق الأعذار والمبررات التي لا تنتهي والتي تضع أي نادي يدربه في عداء مباشر مع الكل تقريبًا، وفي ظروف كتلك يصبح التطور مستحيلًا، ويصبح الهم الأول هو العذر القادم والمبرر القادم والتوقيت المناسب لمشهد "ألم أقل لكم؟" الذي يتقنه مورينيو بشدة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار