انضم إلينا
اغلاق
دي فرانشيسكو.. لأنك لا تحتاج أن تكون جوادا

دي فرانشيسكو.. لأنك لا تحتاج أن تكون جوادا

محمد علاء

محرر رياضة
  • ض
  • ض

قبل شهرٍ واحد فقط من ولادته، قرر الأب أرنولد أن يحمل ابنه اسم معشوق شبابه "إيزيبيو" الأسطورة البرتغالية في القرن الماضي(1).  وعلى الرغم من أن إيزيبيو الصغير الذي وُلد في بيسكارا، إيطاليا في الثامن من سبتمبر لعام 1969، لم ينجح في أن يحقق النجاح -كرويًا- الذي أمله فيه أبوه قبل ولادته، لكن يبدو أن الحياة أعطته فرصة عظيمة لكي يكتب تاريخًا مُغايرًا كأحد الأساطير التدريبية التي ما زالت في طور الإنشاء.

 

إيزيبيو دي فرانشيسكو المُدير الفني الحالي للثعالب الإيطالية، روما، والذي يُكمل في العاصمة ما كان قد بدأه من ثورة نشبت أطرافها الأولى في ساسولو، حاز كافة الأنظار في إيطاليا، بالفحص والدراسة، كأحد أبرز المرشحين لأن يُعيد مجد روما الضائع منذ حوالي العقدين، أو أن يقود زمام السيدة العجوز التي تُعاني التخبط مؤخرًا.

 

 

ولكن تؤخذ الدُنيا غلابًا

بدأت مسيرة دي فرانشيسكو كلاعب وسط ملعب دفاعي في فريق الشباب لنادي مدينة إمبولي، وتم تصعيده إلى الفريق الأول بداية من موسم 88/89. خاض تجارب خالية من التفاصيل في بياتشينزا ولوكيزي قبل أن ينتقل إلى العاصمة ليمثل ألوان الجيلاروسي في أربعة مواسم كاملة بداية من موسم 97 وانتهت في 2001 بعد أن فازت الثعالب بلقب الدوري الأخير في خزائنهم. بعد رحيله عن روما، عاد مرة أخرى إلى بياتشينزا واستمر في تجارب خافتة حتى أعلن اعتزاله في بيروغيا عام 2005 لتبدأ مسيرة المدرب الشاب في ربيعه(2) الـ36. كون مسيرته الكروية كلاعب كرة قدم لم تشهد النجاح المطلوب، فإن بداية دي فرانشيسكو كمدرب لم تُفرش بالورود من البداية، بل أن كافة الإدارات كانت لا تقبل أن يستمر في الفريق أكثر من موسم واحد أو موسم ونصف على أقصى تقدير. بدأت المسيرة كمدرب لفريق الشباب في بيته روما بالتعاون مع لوتشيانو سباليتي -على رأس الفريق الأول- ولمدة عام كامل(3).

 

من ثم حدث تحول في نوعية عمل إيزيبيو وبدأ عمله كمدير رياضي لفال دي سانغرو ولمدة قاربت من 6 أشهر، لكنه سرعان ما عاد كمدربًا لفيرتوش لأنشيانو من منتصف موسم 09/2008 وحتى نهايته، قبل أن يبدأ رحلته الحقيقية كمدرب يحقق نجاحات طفيفة، لكنها ملحوظة، في مسقط رأسه بيسكارا، مع فريق الشباب وبعدها الفريق الأول.

 

مع تصعيده للاعب الوسط الإيطالي "ماركو فيراتي" للفريق الأول، نجح دي فرانشيسكو في أن يرتقي بفريق بيسكارا من الدرجة الثالثة من الدوري الإيطالي إلى الثانية منه. لكن ولسوء الحظ، تغيرت إدارة النادي وقرر الملاك الجدد استبدال المدرب الشاب بملهمه التدريبي الأول "زدينيك زيمان"، الخبير بالكرة الإيطالية؛ فرحل إلى تدريب ليتشي منذ يونيو 2011 وحتى الرابع من ديسمبر لنفس العام.

  

انتقل دي فرانشيسكو إلى قيادة الزمام في ساسولو بداية من منتصف موسم 12/2011. من هناك بزغ نجم المدرب الشاب، وتمكن من قيادة الفريق للحصول على الدوري الإيطالي للدرجة الثانية(4)، وارتقى بهم إلى الدرجة الأولى الإيطالية. الأمور هناك لم تكن على ما يرام وساءت النتائج في البداية حتى صدر القرار من الإدارة بإقالته ولكن لمدة شهور قليلة، اكتشفت فيها الإدارة أن الفريق من بعده لما يعد كما كان، فقرروا عودته مرة أخرى، مارس 2014.

  

بعد عودة إيزيبيو على رأس الإدارة الفنية تمكن من الوصول إلى الدوري الأوروبي للمرة الاولى في تاريخ الفريق، بعدما أنهى الدوري الإيطالي في المركز السادس(6)، كأقصى إنجاز حققوه خلال منافسات السيري أ. خلال تلك الفترة الناجحة رفقة فريق بلا اسماء كبيرة على مستوى اللاعبين، جذب أداء الفريق كافة الأنظار المُحللة نحوه بعدما قدموا نسخة تكتيكية منضبطة، وكرة جميلة ونجاعة تهديفية عظيمة وميل دائم للهجوم حتى ولو أمام أعتى الفرق كيوفينتوس. من ذلك المنطلق تحديدًا، تم ربط دي فرانشيسكو بالمدرب التشيكي زيمان.

 

 

نسخة ليست طبق الأصل

تدرب دي فرانشيسكو تحت ولاية زدينيك زيمان في فريق روما قبل حوالي 20 عامًا ولمدة موسمين كاملين. خلال تلك الفترة كوّنَ رؤيته التكتيكية أو يمكن أن نفترض أنها كانت أحد أكثر الحقب إلهامًا له في مسيرته التالية كمدرب(7). يميل دي فرانشيسكو لتطبيق 4-3-3 التي يفضلها زيمان، تلك هي أعظم نقط التشابه بينهما لكنها ليست الوحيدة.

 

زيمان ودي فرانشيسكو يتفقان في الموضع الذي يرتكز عليه التركيبة التكتيكية، وهو الطرف. كلاهما يفضل بداية الهجوم من جوانب الملعب بمشاركة الأجنحة والأظهرة الدفاعية وثنائي خط الوسط(5). تعتمد 4-3-3 الخاصة بزيمان وإيزيبيو على متوسط دفاعي واحد وثنائي يتشارك في الهجوم مع الأجنحة بالتبادل في مواضع الملعب. يصل العدد الهجومي في تشكيلتي زيمان ودي فرانشيسكو إلى 7 لاعبين في أحيانٍ ليس بالقليلة، وهو ما يحدث بعد مشاركة ثنائي الأظهرة في النصف الأخر من الملعب.

 

حين تتحرك الكرة من الطرف الأيمن -على سبيل المثال-، يتقدم الظهير الأيمن ليتخذ موضعه في وسط الملعب الهجومي مع ترك مساحة لتحرك متوسط الميدان إلى الطرف الدفاعي من ذات الجهة واخلاء العمق لدخول الجناح الأيمن إما في منطقة الجزاء وإما من المنطقة التي تسبقها. التدوير الذي يتم بين كل ثلاثي على كل طرف هو العملية التي يرتكز عليها بناء اللعب في كل فرق دي فرانشيسكو والتي استنبطها في الأصل من زيمان(5).

 

مقطع فيديو يوضح الحركية والتدوير بين لاعبي فريق ساسولو تحت أوامر دي فرانشيسكو لبناء الهجمة

 

تلك الحركية ليست مجرد روتين أو عملية تمويهية لغرض أسمى، بل هي وسيلة أساسية من أجل الغاية العظمى وهي إخلاء مساحة في دفاع الخصم من أجل نهاية أفضل للهجمة وفي وقت أقصر من المستغرق في التمرير العرضي الذي يتم في ظل ثبات اللاعبين.

 

 فعالية التدوير الذي يتم بين لاعبي ساسولو في خلق مساحة في دفاع الخصم

 

تلك العملية لا تتم على الجانبين في الوقت ذاته. إذا تحرك الجانب الأيسر بالشكل السابق شرحه، يظل الجانب الأيمن في موضعه الدفاعي بلا حراك، وذلك تحسبًا للهجوم المضاد من الخصم. وهنا يكمن الفارق بين زيمان ودي فرانشيسكو وهو فارق في صالح واقعية الأخير.

 

هناك تشابه كبير بين زيمان ودي فرانشيسكو في تفضيل عملية الإندفاع الهجومي واللعب المباشر من طرفي الملعب، لكن دي فرانشيسكو طور النسخة الدفاعية عن زيمان كثيرًا. دي فرانشيسكو يفضل الدفاع من عمق الميدان مع تضييق المساحات بين كل خطوط الملعب. وبالرغم من أن الشكل الهجومي للوكا ثابت لا يتغير تقريبًا باختلاف الخصم، لكنه يتمتع بمرونة كبيرة في الجانب الدفاعي.

 

يعتمد دي فرانشيسكو في الغالب على 4-5-1 في الحالة الدفاعية. يرتكز الفريق في العمق ويتحرك في أي جانب وفقًا لتحرك الكرة ولكن ككتلة واحدة. عند السؤال عن الضغط فإن دي فرانشيسكو يحسن الإجابة معتمدًا على المعطيات القادمة من الفريق الخصم وكذلك نوعية اللاعبين التي يملك. أحيانًا يفضل ضغط متأخر وارتكان دفاعي بـ10 لاعبين خلف وسط الملعب منتظرًا الوقت المناسب للانقضاض على الخصم، وغالبًا ما يكون ذلك أمام الفرق الكبيرة، وفي أحيان أخرى يختار الضغط المبكر وسرعة استرجاع الكرة في نصف ملعب الخصم.

  

 اختلاف نوعية الضغط في الحالة الدفاعية وفقًا لنوع لعب الخصم

  

 

الثعلب عاد للافتراس

كما يتردد دائمًا، الشكل الذي يطبقه المدرب ويفضله دائمًا هو عبارة عن حمضه النووي الخاص، لا يجب أن يتغير مهما وصف بالمرونة والقابلية للتطوير. تلك هي صفات المدرب الكبير وهي صفات تبدو واضحة بالنسبة لتجربة دي فرانشيسكو. في المؤتمر الأول له لإعلانه مدربًا لروما أعلن أنه لن يغير من نظامه التكتيكي برباعي في الخلف وثلاثي في كل خط(8). لم يتأثر بكونه في فريق كبير مطالب بالبطولة لأول مرة في مسيرته، وهو المطلوب.

 

حافظ إيزيبيو على طريقة لعبه واسلوبه مع روما. نقل فكره للاعبين سريعًا وسرعان ما ظهر روما بالشكل الذي يفضل دي فرانشيسكو. دي روسي، ناينغولان وستروتمان يرسموا ثلاثي خط الوسط، دي روسي ثابت دفاعيًا وحركية كبيرة للثنائي الأخير في الجانب الهجومي. دزيكو يتحرك كثيرًا خارج المنطقة ويتشارك أكثر مع بيروتي أو الشعراوي داخلها. الشكل ظل واضحًا أن الهجوم يعتمد على الأطراف(9).

 

روما يبني أغلب هجومه على طرفي الملعب (هوسكورد)

 

النتائج تظهر جليًا بالتزامن مع أداء روما خلال دوري أبطال أوروبا، الصعود إلى دور الـ16 على رأس مجموعة بها تشيلسي وأتلتيكو مدريد. ومحليًا، روما يتربع في المركز الرابع بـ35 نقطة وعلى بعد 5 نقاط فقط من المتصدر إنتر ميلان، في نسخة من أكثر نسخ الدوري الإيطالي تنافسية(10). وفي حال انتهى الدوري على الترتيب الحالي فإن الإدارة لن تنزعج كثيرًا من ذلك خصوصًا أن الفريق في موسمه الأول مع المدرب الشاب والذي أوضح قدرات كبيرة على المنافسة في المستقبل.

 

================================================

 

الهوامش:

*They said it: Arrigo Sacchi - FIFA.com

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار