انضم إلينا
اغلاق
القوة السوداء: رجال سود أشداء في الأولمبياد

القوة السوداء: رجال سود أشداء في الأولمبياد

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض
سوف يتذكر العالم "مايكل فيليبس" لفترة طويلة جدًا من الزمن، حتى يأتي سبّاح آخر يستطيع أن يحقق أكثر من 39 رقمًا عالميًا جديدًا، وحتى يأتي رياضي آخر يستطيع أن يحرز ما يزيد عن 23 ميدالية ذهبية في المسابقات الأوليمبية. ولكن العالم لم ينس حتى الآن العدّاء الأمريكي "جون كارلوس"، صاحب رقمٍ عالمي واحد، وميدالية برونزية واحدة لسباق 200 متر في المكسيك عام 1968، لأن دقائق قليلة شديدة الصدق والملحمية، وصورة واحدة وثقت تلك الدقائق؛ كانت عوامل كافية كي يبقى الموقف خالدًا للأبد.

 (مواقع التواصل الإجتماعي)


الركض من هارلم إلى ميكسيكو سيتي
 
"إن فزت، سوف يعتبرونني -حينها- أمريكيًا، ولن يقولوا أمريكي أسود. أما إن أخطأت، حينها أصير عندهم زنجيًا! نحن سود، ونفتخر بذلك. وكل أمريكي أسود سوف يفهم ما فعلته هذه الليلة".

"جون كارلوس" عقب نزوله من منصة التتويج بعد الفوز ببرونزية 200 متر بالمكسيك 1968
 

عاش "جون كارلوس" طفولة كلاسيكية تمامًا؛ يسهل توقعها في حي "هارلم" أحد أشهر أحياء السود في نيويورك في خمسينيات القرن العشرين. وكان من الطبيعي -حينها- ألا تتحقق رغبته الطفولية في ممارسة السباحة؛ لأن أحواض السباحة الأوليمبية لا توجد إلا في أندية الأغنياء، التي لا يرتادها إلا البيض، ولا مكان فيها لطفل أسود فقير؛ فقرر -ببساطة- أن يتجه للسرقة، وأن يمطر "مالكوم إكس" بالأسئلة. لتتكون لدى الطفل قناعتان؛ الأولى أن السود يأتون في طبقة اجتماعية أدنى من البيض، والثانية كانت قناعته بأن الشرطة لن تستطيع اللحاق به عندما يسرق الطعام من قطارات الشحن، ويعود بها ركضًا إلى "هارلم" كي يوزعها بينه وبين أصدقائه هناك.
 

لكن هذه الصورة شديدة الكلاسيكية سوف تأخذ انعطافًا حادًا عندما يختفى الطريق نحو "هارلم"، ويجد الطفل الراكض نفسه في السباق نصف النهائي لسباق 200 متر بالاستاد الأوليمبي في مكسيكو سيتي، ويجد نفسه فائزًا ومؤهلاً للسباق النهائي؛ من أجل الحصول على إحدى الميداليات الثلاث. لابد أن "كارلوس" واجه -حينها- سؤالاً شديد الوضوح؛ ماذا يعني الفوز في السباق؟ وماذا تعني الميدالية الذهبية؟

فيديو محمد علي في روما 1960
 

الميدالية الذهبية لم تنقذ محمد علي ذاته من الاحتقار في مجتمع البيض في الولايات المتحدة. فقبل ذلك السباق الأخير  بثمانية أعوام فاز محمد علي بذهبية أولمبياد روما 1960، وعاد بها إلى الولايات المتحدة؛ متوهّما أنه قد جاء بوثيقة الاعتراف به كإنسان كامل، ومواطنٍ أمريكي لا يقل شأنًا عن غيره. لكن أمريكا استقبلته بوجه مغاير لتوقعاته. نعتته بعض الصحف حينها بـ"الزنجي الأوليمبي". ورفضت العديد من المطاعم استقباله؛ لأنه -وإن كان قد فاز بذهبية أوليمبية- ليس إلا زنجيا. غيّرت هذه الحادثة حياة محمد علي إلى الأبد؛ وها هي على وشك تغيير حياة "كارلوس" أيضًا.

 

في نهاياة المضمار؛ تنتظرك القوة السوداء:
 

"البداية ليست مهمة، وكذلك النهاية؛ ويأتي المعنى كله مما نفعله بينهما. إنه ذلك الاستعداد لتحمل كل صعوبة تمكنك من إحداث الفارق. وعندما تموت تشعر أنك قد أديت مهمتك في التوقيت المناسب لها من تاريخ الأرض"

جون كارلوس

 

استوعب "كارلوس" درس محمد علي جيدًا. وبدلاً من انتظار طويل لاعتراف لن يأتي؛ قرر أن قيمته تأتي من اختلافه كأسود، وأن لونه هو موطن قوته. وقرر مع زميله "تومي سميث" الاستماتة على الفوز. وفي نهاية المضمار سوف تعلو قيمتهم كـ "قوة سوداء".
 

فيديو السباق الأخير
 

بدأ السباق الأخير مسافة الــ 200 متر؛ وبدلاً من الجري 200 متر نحو الذهب، انطلق "كارلوس" و"سميث" نحو بطاقة الاعتراف بهما. وانتهى السباق وقد اقتنصاه. جاء "سميث" في المركز الأول 19.83 ثانية، وجاء "كارلوس" ثالثًا 20.10 ثانية. وبينهما فاز الأسترالي "بيتر نورمان" بالفضيّة 20.06 ثانية. واتجه الثلاثي نحو منصة التتويج، وقد اتفقوا على رسم المشهد الخالد في تاريخ الأوليمبياد؛ "كارلوس" و"سيمث" يرتديان جوارب سوداء دون أحذية، علامة التضامن مع كل فقير أسود. وقفاز أسود علامة الإعلاء مما يعتبره البيض في مجتمعهم العنصري كسبب للضعف. ووقفا بقامتين منتصبتين، ورأسين منكسين أثناء عزف السلام الوطني الأمريكي؛ بينما ترتفع قبضتاهما بـ "تحية القوة السوداء". وعلّق الثلاثة على صدورهم علامة المشروع الأوليمبي لحقوق الإنسان.
 

ثارت جماهير الاستاد عليهما حينها؛ ولم تنقطع أصوات الاستهجان. وجُنّت اللجنة الأوليمبية الأمريكية في ذلك الحين، وطردت "كارلوس" و"سميث" من البعثة الأمريكية في المكسيك، وأرسلت اعتذرًا إلى اللجنة الأولمبية الدولية تقول فيه:

"تعبّر اللجنة الأوليمبية بالولايات المتحدة عن بالغ ندمها إلى اللجنة الأوليمبية الدولية وإلى اللجنة المكسيكية المنظمة، وإلى شعب المكسيك عن التصرفات الفظة التي بدرت من عضوين في البعثة الأوليمبية. تلك التصرفات الخارجة عن التقاليد أثناء مراسم توزيع الميداليات بالاستاد الأوليمبي في تاريخ  16 أكتوبر. كما تتخطى تلك التصرفات المشينة الغير معتادة كل بديهيات الرياضة والأخلاق القويمة التي تقدرها الولايات المتحدة. وبناء على ما سبق، فقد تم إيقاف هذين العضوين فورًا من المشاركة مع فريقهم، وإجبارهما على مغاردة القرية الأوليمبية، واعتبار هذا التصرف الطائش كحادثة فردية.."

17 أكتوبر 1968




يسهل علينا -نوعًا ما- أن نفهم تضحية "كارلوس" و"سميث"، كرجلين أسودين أدركا أن الفوز لن يغيّر شيئًا في حياتهما. ويسهل علينا -كذلك- أن نفهم أنّ الصورة الأيقونية التي رسماها، تفوق في أهميتها أي فوز رياضي كان يمكنهما تحقيقه. ويصعب جدًا -بالمقابل- أن نفسّر موقف "بيتر نورمان"، الرجل الأبيض الثالث في الصورة الأيقونية Three proud people، والذي لا يتذكره أحد.
 

لم يكن "نورمان" جزءًا من تخطيط "كارلوس" و"سميث" لإخراج المشهد، يومها ظن "كارلوس" أن "نورمان" ربما لا يتحمس -كثيرًا- لإظهار تضامنه؛ لكنه لم ير في عينيه -وقتها- سوى المحبة والتضامن دون تردد. وقرر أن يستعير إشارة المشروع الأوليمبي لحقوق الإنسان من أحد أعضاء بعثة الولايات المتحدة ووضعها على صدره؛ دلالة على دعمه لزميليه. واقترح كذلك على "كارلوس" أن يرتدي القفاز الأيسر  لـ"سميث" بعد أن كان قد نسي إحضار قفازه إلى مضمار السباق في ذلك اليوم. وهو مايفسر الشكل الشهير لـ"كارلوس" بقبضته اليسرى في الصورة؛ بينما يرفع "سميث" قبضته اليمنى.
 

في ذلك اليوم انتهت حياة "كارلوس" و"سميث" كعدائين؛ لكن ما صنعاه تخطى أهمية أي إنجاز رياضي؛ لقد جلبا المشكلة العنصرية الأمريكية إلى قلب الأوليمبياد، ليعلنا للعالم أن الأمورليست على ما يُرام كما يدعي البعض. ومع مرور السنوات، ونجاح حركات الحقوق المدنية في تحقيق انتصاراتها للأقليات والملونين، تحولت حياة الثنائي، وصار المشهد الذي أخرجاه محل تقدير الجميع.
 

أما "نورمان" -على الناحية الأخرى- فلم ينته دوره في مشهد ثلاثي الفخر؛ لكنه استكمله بالتنديد ضد بعض القوانين التي تمنع هجرة غير البيض إلى بلاده أستراليا. وبدأت ضده حالة من التجاهل بلغت ذروتها عندما تجاهلت اللجنة الأوليمبية الأسترالية دعوته في أوليمبياد 2000 في "سيدني"، وهو حامل الرقم الأسترالي في سباق 200 متر، والذي لم يُكسر حتى الآن.
 

لا تقف الدراما عند هذا الحد؛ لكنها تكتمل بعد سنوات طويلة، عام 2006 في مشهد جنازة العداء الأسترالي، ويبلغ الأمر سقفًا جديدًا من الشعرية عندما نرى "كارلوس" و"سميث" في هذه الجنازة يحملان نعش زميلهما الذي تضامن معهم قبل 38 عاما. الرجل الذي وصفه "سميث" يوم جنازته قائلاً: "كان رجلاً لا يمكنه أن يرى الصواب خطأ". وأضاف: "إن ما تركه لنا "بيتر" من إرث قيميّ، يشبه الصخرة. ويجب علينا جميعًا أن نقف على هذه الصخرة؛ لقد كان صديقي، وروحه سوف تسود".
 

محمد علي كلاي (مواقع التواصل الإجتماعي)

 

والآن، ونحن في عام 2016، يجب أن نقف لنفكر؛ ما هي أهمية ما فعلوه؟ وهل انتهى التحدي الذي قاتلوا من أجله؟ وفي اللحظة التي يقترب رأينا فيها نحو نجاحهم، نرى مشهد أنصار "دونالد ترامب" في معهد السياسة القومية يوم 19 نوفمبر يرفعون التحية النازية، هاتفين: Heil Trump بوضوح شديد، ودون تلميح مفتخرين بعنصريتهم. ليتضح لنا أهمية المشهد الآخرالذي رأيناه قبل قرابة النصف قرن، وأنه سوف يستعيد أهمية مضاعفة خلال الأيام القادمة. ومفسرًا لنا كلمات "جون كارلوس" عندما قارن بين محمد علي و"مايكل جوردن"، فقال:

"إن محمد علي لن يموت أبدًا. وهذا هو الفارق بينه وبين" مايكل جوردن". لقد استخدم علي مهاراته من أجل أن يقول الكثير عن العلل والأمراض في حياتنا الاجتماعية. لقد كان ملاكمًا ممتازًا بالطبع، لكنه تكلّم عن مشكلاتنا وناقشها، ولأنه تكلم، فلن يموت أبدًا. يومًا ما سوف يأتي لاعبٌ آخر يستطيع تجاوز أرقام "مايكل جوردان"، حينها سوف يتوارى اسمه، أما نحن فمازلنا نتحدّث عن محمد علي حتى الآن."

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار