انضم إلينا
اغلاق
جولة في عقل زيدان.. تشافي.. بيرلو وآخرين

جولة في عقل زيدان.. تشافي.. بيرلو وآخرين

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"- كيف تستعد لأي مباراة؟
= لا شيء يختلف عن الباقين، أحاول الحفاظ على هدوئي والبقاء مسترخيًا قدر الإمكان.

- البعض يقول إن أسلوب لعبك فطري؛ لا يحتاج لأي مجهود أو تفكير.

- حقيقة، لا أعلم مدى صحة هذه النظرية؛ أنا أحاول دائمًا البحث عن القرار الأفضل في الملعب، أحاول مخالفة توقعات خصمي كلما أمكن."
 

تلك الإجابات المحبطة كانت كل ما ناله "آندرو موراي" محرر مجلة 442 Four Four Two من محاولته اليائسة للدخول لعقل "ميسي"، هذه هي الخطوات التي يتعين عليك اتباعها إذا أردت أن تلعب مثل البرغوث؛ حافظ على هدوئك وستحرز ثنائية في "بايرن ميونيخ" في 5 دقائق، أما إذا أردت مراوغة 4 أو 5 لاعبين من "بلباو" ثم إحراز ما وصفته الـ"ESPN" الأمريكية بمعجزة فيزيائية فعليك بالاسترخاء، الأمر بسيط؛ فقط تذكر أن تجد القرار الأفضل، ولا تنس أن تحاول مفاجأة خصمك من آن لآخر، حظًا سعيدًا.
 

كيف يسجل "كريستيانو" 78-60-90 هدفًا كل موسم، كيف يتواجد "مولر" في المكان الصحيح كل مرة، تلك أشياء لا تكتسب بالتدريب والحظ الحسن.

رويترز

 

البعض قد يظن الأمر بهذه البساطة فعلًا، مرتكبًا الخطأ الشائع الذي يفترض أن حياة لاعبي الكرة سهلة؛ لأنهم يتقاضون أطنانًا من الأموال، لكن الأموال لا تنزل إلى الملعب، لا شك أنها تجعل كل ما يقع خارجه سهلًا لدرجة مستفزة، لكنها قطعًا لن تجعل المرور أمام "جودين" أو "بيبي" أقل صعوبة، ولن تفيدك إذا ما أضعت ركلة الترجيح الحاسمة، أو تسبب خطؤك في تلقي هدف أطاح بهذه البطولة أو تلك.
 

لحسن الحظ؛ لم تكن تلك المقابلة هي المحاولة الوحيدة للإجابة على أعظم أسرار اللعبة؛ كيف يفعل لاعبو الكرة ما يفعلونه؟ في أي مقابلة تقليدية لا يتجاوز الحديث العبارات التقليدية المملة عن الحظ الحسن، والاجتهاد في التدريبات، ومساعدة الزملاء، والنظر لما هو قادم.. إلخ.

 لا بأس، كل هذا جميل ورائع، وجرّبه الجميع تقريبًا؛ ورغم ذلك لم ينجح أحدهم في التمرير كـ"أوزيل" أو "تشافي" أو "بيرلو".. بعضهم فاز باليانصيب، ولم يفهم كيف يحافظ زيدان على هدوئه المستفز، كيف يسجل "كريستيانو" 78-60-90 هدفًا كل موسم، كيف يتواجد "مولر" في المكان الصحيح كل مرة، تلك أشياء لا تكتسب بالتدريب والحظ الحسن، ولا يوجد أي كم ممكن من مساعدة الزملاء سيمنحك إياها، كل هذا ولم نصل بعد لـ"رونالدينيو" و"رونالدو".
 

فيثاغورث


ربما كان "ميسي" بخيلًا بما عنده، وربما هو لا يعلم تفسير ما يفعله في الملعب فعلًا؛ ولكن مهما بدت الأشياء معقدة عسيرة على الفهم والتخيل، ففي بعض الأحيان تقع تفسيراتها في آخر مكان يمكننا توقعه، محرك "جوجل" سيخرج لك آلاف النتائج إذا قررت البحث عن تحليل تكتيكي أو تقني لطريقة لعب "بيرلو" على سبيل المثال، ولكن هل جربت البحث في
مذكرات بيرلو نفسه؟
 
 

في كتابه "أفكر ثم ألعب" يقول "بيرلو" إنه لم يكتشف الفرق بينه وبين الآخرين إلا في مرحلة متأخرة من مسيرته؛ لاعب الوسط التقليدي يتلقى الكرة ثم يرفع عينه ليحدد مكان المهاجمين والأجنحة، "بيرلو" يبحث عن الفراغات بينهم بدلًا من ذلك، ثم يضع سيناريو مسبق لكيفية نقل الكرة بشكل يسمح بالمزيد منها، وصولًا للتمريرة الأخيرة والتي لا يشترط أن تكون للمهاجم نفسه، بل غالبًا لأحد هؤلاء الذين سمحت لهم تحركاته بفرصة لعرضية متقنة، أو موقف 1 على 1، الأمر لا علاقة له بالتكتيك، أو طريقة اللعب؛ بل هو أشبه بالهندسة الفراغية، إلا إذا حانت الفرصة لواحدة من تمريراته الطويلة بالطبع؛ شاهد الهدف أولًا ثم حلّل لاحقًا.
 

نفس الشيء أكده "تشافي" في مقابلته الأشهر مع "سِيْد لو" محرر الجارديان؛ هذا ما أفعله طيلة اليوم، مساحة مساحة مساحة.. أحاول البحث عن المساحات في كل شيء؛ وكأنني ألعب على الـ"بلاي ستيشن"، المدافع يغلق تلك الزاوية فلا بد من البحث عن أخرى، ولا مانع من الدوران، أو ثنائية مع "إنييستا" بين هذا وذاك؛ يتحول الأمر مع الوقت إلى فطرة أو طبيعة؛ هَوَس.


حتى "توماس مولر" الذي يصف نفسه كـ"مترجم للمساحات"
يتحدث عن نفس الأمر، لكنه لا يراه بهذه الاستثنائية والندرة، فلا سبيل لتخيل اللعبة الحالية بلا لاعبين يمتلكون حسا عاليا بالمساحة والزمن، وحتى مع مهاجم كـ"مولر" يستمر الحديث عن فائدة المساحات للزملاء لا لنفسه فقط. لا شيء يعبر عن ذكاء "مولر" مثل نجاحه في إيجاد مساحة خالية لا تقع في نطاق التسلل خلف المدافعين مثل هدف "كلوزة" في البرازيل.


المشترك بين الثلاثي هو أنهم تجاوزوا خطوة البحث عن زملائهم، وتحدثوا عما يقع لاحقًا، باعتبار الجزء الأول من المهمة بديهي، ولو كان كذلك لصار هناك العديد من "المولر" و"التشافي" و"البيرلو"؛ بينما الواقع أن الثواني التي يستغرقها الآخرون في البحث عن المهاجمين يستغلها "بيرلو" في وضع محاكاة سريعة للهجمة بأكملها، ولا تشغل حيزًا من وقت "تشافي" و"مولر"؛ لأن العملية بأكملها تتم في مؤخرة الرأس، بالضبط كتطبيق التنظيف الذي تحتويه الهواتف الجوالة؛ يعمل في الخلفية، يعمل طول الوقت، استهلاكه لطاقة المعالج أو الـProcessor  صفر تقريبًا، ويخبرك كلما حانت فرصة لتنظيف الذاكرة وإيجاد المزيد من المساحة.


"آبرا كادابرا"
واين روني (الأوروبية)


بالطبع لا يفكر الجميع بنفس الطريقة، "روني" يملك
حيلته الخاصة؛ يذهب لمُعد الملابس ليلة المباراة ويسأله عن الألوان التي سيرتديها الفريق؛ قميص أبيض أم أسود أم أحمر؟ وعندما يخلد للنوم يقضي بعض الدقائق في تخيل نفسه يراوغ لاعبي الخصم، ويسجل أهدافًا رائعة بنفس الطاقم بالضبط، في محاولة لتخزين بعض الذكريات السعيدة في مؤخرة رأسه لاستخدامها أثناء المباراة، لا مجال هنا لفيزياء الكم ونظريات "فيثاغورث"، الأمر فطري تمامًا؛ ولابد وأنك جربته مرارًا بنفسك، "روني" يفعله منذ كان صغيرًا ولم يتوقف عنه يومًا، وكان أشبه بالسحر للـ"جولدن بوي".
 

طبقًا لـ"برادلي بوش" أخصائي العلوم النفسية والعصبية الذي يعمل مع عدد من أندية البريمييرليج كـ"توتنهام" و"ويست هام"، فإن حيلة "روني" علمية تمامًا؛ بل وليست إلا واحدة من قائمة طويلة يعكف على تدريب لاعبيه عليها؛ مثل الحوارات الذاتية التي يحاول بها اللاعب تحفيز نفسه وزرع الثقة فيها، وطرق معينة للتحكم في نوبات الغضب أو استعادة التركيز سريعًا بعد أي خطأ؛ أشياء لن تلاحظها على التلفاز، ولكنك ترى أثرها في الملعب؛ إذا كنت تتساءل كيف سجل "كوسيلني" بعد أن أحرز هدفًا بالخطأ في مرماه؟ فالجواب في تلك القائمة.
 

وعلى عكس تطبيقات "تشافي" و"بيرلو" التي تعمل في الخلفية، فإن الجزء المسئول عن اتخاذ القرارات هو الفص الأمامي من المخ، وأثبتت دراسات "بوش" وزملائه أن الأحاديث الإيجابية الفردية أو الجماعية تفرز الـ"دوبامين" المسئول عن الشعور بالثقة واليقين، والذي يساعد الفص الأمامي على العمل بأفضل صورة ممكنة، أحد لاعبي "بوش" كان يستخدم حيلة أخرى للسيطرة على غضبه؛ وهي ترديد كلمة "ثلج" Ice كلما شعر أنه على وشك الانفجار، آخر كان يمتص أفكاره السلبية ويحولها لأخرى إيجابية، كأن يُطمئن نفسه برؤية القلق في عيون خصمه؛ بدلًا من التركيز على خوفه الشخصي؛ فيما يعرف بتقنية "سحق النمل" أو "Squashing ANT's"، والـ"ANT"  هنا تشير لـ "Automatic Negative Thaughts" أو الأفكار السلبية ذاتية النشوء، وهو ما لا يختلف كثيرًا عما نفعله نحن بشكل فطري أحيانًا، حتى لو كنا نسميها "صراصير".
 

تيك - تاك


لا بد وأنك جربت Ice عدة مرات الآن، ولم تشعر بأي فرق، ربما لأنها أسهل مما يجب، الآن حاول أن تجلس لدقيقة دون أن تتخيل أي شيء إلا دقات الساعة المنتظمة، حاول الركض دون الإخلال بالإيقاع، ثم تخيل نفسك بالكرة، تتفادى قدم "جاتوزو" الغاضبة وذراع "كانّافارو" وسباب "ماتيراتزي"، كل ذلك دون أن تتسارع الثواني أو تتباطأ، الآن بإمكانك أن تفتح عينيك، ستجد نفسك محاطًا بالطليان المتحمسين في نهائي مونديال 2006 في "الأوليمبيا شتاديون"، برلين، في رأس زيدان للدقة.
 

وسط هذا السيرك وأمام 69 ألف متفرج
لعب "زيزو" على إيقاع الساعة كما كان يفعل طيلة حياته، هذا هو سره للحفاظ على هدوئه؛ يَعد الثواني واحدة تلو الأخرى بنفس إيقاعها الحقيقي، لا يتوتر حتى عندما يتسارع اللعب لدرجة تجعل الفرق بين الخطأ والصواب أقل من الثانية، لأن الساعة لا تعترف بالمشاعر البشرية، ربما لهذا كان يمنحنا الإيحاء الخادع بأنه أبطأ من اللازم، وأن إيقافه ممكن، ولأن الساعة لا تقف شاهده الجميع يمضي كل مرة، ولو اجتمع عباقرة الأرض لما أدركوا أن سره بهذه البساطة، وأن كل هذه المراوغات والتمريرات المستحيلة والأهداف المثيرة تأتي من فكرة بهذا الملل، بالضبط مثلما يتحكم الـ Ice  في الغضب، بالطبع هذا لا يعني أن بإمكانك فعلها، فحتى "زيزو" فشل في Ice لاحقًا مع "ماتيراتزي".

 

الأمر محبط جدًا، لا مجال لإنكار ذلك؛ تخيل أن "رونالدو" لم يكن يستمع للمهرجانات البرازيلية الراقصة، وهو يعذب مدافعي "السيري إيه" بمراوغاته الخزعبلية، وتخيل أن "رونالدينيو" كان يفكر في أي شيء غير "البيتزا" وقوس قزح و"سانتا كلوز".. حاول استبدال كل ذلك بـ"ميرتساكر" أو "فيلايني" أو اجتماعات مجلس الأمن وستدرك كم هو محبط.

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار