انضم إلينا
اغلاق
كانتونا.. جنون العظمة أم عظمة الجنون؟

كانتونا.. جنون العظمة أم عظمة الجنون؟

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

علامتين فارقتين في تاريخ مانشستر يونايتد بينهما 6 سنوات، مدرب اسكتلندي نجح مع "أبيردين"، ومشاغب عائد لتوه من الاعتزال، هكذا كُتبت وصفة التتويج بالدوري الإنجليزي للمرة الأولى منذ 26 عاماً.

 

لم يفز الشياطين الحمر باللقب المحلي منذ عام 1967، وبعد فترات وعصور متقلبة تم الاستقرار على تعيين أليكس فيرجسون مدرباً للفريق عام 1986، وعلى الجانب الآخر تماماً وقعت موهبة شابة على عقدها الاحترافي الأول مع نادي أوكسير الفرنسي في العام ذاته، لترتسم الخطوط الأولى في مسيرة أبعد ما تكون عن الاستقرار. في كهف أشيع استخدامه كموقع مراقبة لصالح الجيش النازي في الحرب العالمية الثانية ولد إريك دانييل بيير كانتونا في الرابع والعشرين من مايو عام 1966.
 

بينما تنحدر عائلة والده من سردينيا الإيطالية، وتتألف عائلة والدته من جد كتالوني انفصالي وأحد المقاتلين ضد جيوش الجنرال الإسباني فرانكو في الحرب الأهلية عام 1938، وقادته ظروف الإصابة إلى الانسحاب باتجاه فرنسا قبل الاستقرار بمارسيليا. مهاجرون إيطاليون وانفصاليون من كاتالونيا، فمن أين له بالهدوء؟

 

وبدأت المعركة


عام واحد فقط مضى على توقيع العقد الاحترافي وكان كانتونا قد بدأ لتوه، حيث تعرض لغرامة مالية عام 1987 للكمه زميله برونو مارتيني في وجهه، وفي العام التالي سدد أول ركلة "كونج فو" في حياته عبر عرقلة ميشيل دير زاكاريان لاعب نانت ليتم إيقافه لثلاثة أشهر.


لاحقاً في العام ذاته انتقل كانتونا إلى مارسيليا برقم قياسي فرنسي آنذاك قدره 22 مليون فرانك، ولكن عام 1989 وخلال مباراة ودية أمام توربيدو موسكو قام بركل الكرة في مدرجات الجماهير ممزقاً قميصه وملقياً به على الأرض عقب استبداله ليقرر النادي إيقافه شهراً، لم تكن تلك العقوبة مقنعة بما فيه الكفاية لإريك فقام بسب هنري ميشيل مدرب المنتخب الفرنسي آنذاك عبر شاشات التلفاز ليتم إيقافه دولياً لمدة عام!

 

بعد أن عانق لقب الدوري لأول مرة في مسيرته مع مارسيليا، أعير كانتونا إلى بوردو ثم إلى مونتبلييه. استراحة قصيرة نالها المحارب قبل أن يقذف حذاءه في وجه زميله جان كلود لومولت! 6 لاعبين يطالبون بطرده من الفريق ولكن دعم أسماء بثقل لوران بلان وكارلوس فالديراما ساهم في إخماد النيران بإبعاده لـ10 أيام فقط عن التدريبات، ليستعيده مارسيليا لاحقاً عقب مساهمته في فوز مونتبلييه بكأس فرنسا.

 


إقالة الأسطورة الألمانية فرانز بيكنباور من تدريب مارسيليا كانت نقطة فاصلة في مسيرة كانتونا، فهو لم يتفق أبداً مع بيرنارد تابي رئيس النادي، ولم يتفق أيضاً مع ريمون جوثال المدرب الجديد، ورغم الفوز بالدوري الفرنسي مرة أخرى، انتهت الحكاية ببيعه إلى نيم عام 1991.. انتهت؟! لا ففي ديسمبر من العام ذاته قام بضرب الحكم بالكرة اعتراضاً على قرار لم يرُق له!
 

لم يمر ذلك الأمر بسلام حيث قرر الاتحاد الفرنسي بطبيعة الحال إيقافه لمدة شهر، وكما اتفقنا سابقاً فإن شهراً واحداً لا يكفي هذا المجنون، فقرر أن يرد على طريقته ذاهباً لكل فرد من أعضاء لجنة الاستماع والتحقيق على حدة ليخبرهم بأنهم "أغبياء" الواحد تلو الآخر! تم تغليظ العقوبة إلى شهرين ليعلن كانتونا اعتزاله في السادس عشر من ديسمبر عام 1991، انتهت تلك المرة؟ ليس بعد.

 

إياك ورفض الملك!
إعجاب الأسطورة ميشيل بلاتيني مدرب منتخب فرنسا آنذاك كان بمثابة قبلة الحياة لكانتونا من جديد، حيث أقنعه بالعودة إلى كرة القدم، وبناءً على نصيحة المحلل النفسي ارتحل لخوض غمار التجربة الجديدة في إنجلترا.
 

بادر بلاتيني بعرض خدماته على جرايمي سونيس مدرب ليفربول آنذاك ولكنه رفض رغبةً في الحفاظ على "تناغم غرفة ملابسه"، أو استقرارها بمعنى أدق، ومن هنا حصل على تجربة في شيفيلد وينيسداي لمدة يومين بفضل صداقة بلاتيني بمدرب الفريق تريفور فرانسيس الذي طلب تمديد التجربة لأسبوع آخر وهو ما رفضه كانتونا، (لاحقاً في 2012 أرجع فرانسيس المشكلة إلى عدم قدرة النادي على تحمل نفقات التوقيع معه في ذلك الوقت.) انتقل إريك إثر ذلك إلى ليدز يونايتد غريم شيفيلد حيث فاز معه بآخر نسخة من دوري الدرجة الأولى الإنجليزي الذي تم تحويله إلى الدوري الممتاز "البريميرليج" عام 1992، وفي نوفمبر من العام ذاته تقاطع طريقي الرجلين أخيراً.
 

بدأت الأمور بمكالمة من بيل فوذربي رئيس ليدز لمارتن إيدواردز رئيس مانشستر يونايتد بغرض الاستفسار عن موقف ظهير الشياطين الحمر دينيس إيروين، وهو ما رفضه السير أليكس فيرجسون الذي كان يبحث عن مهاجم أيضاً بعد الفشل في التعاقد مع عدد من أبرز مهاجمي تلك الحقبة وعلى رأسهم مات لوتيسييه وديفيد هيرست، لذلك طلب السير من إدواردز الاستفسار عن موقف كانتونا، وفي السادس والعشرين من نوفمبر عام 1992 ارتدى الفرنسي المجنون القميص الأحمر.
 

من عاشر الترتيب قبل وصوله إلى بطل أول نسخة من حقبة البريميرليج، هكذا بدأ كانتونا مسيرته مع الشياطين الحمر ليصبح أول لاعب يفوز بلقب الدوري الإنجليزي مرتين على التوالي مع فريقين مختلفين، فقط زيارته لملعب فريقه السابق ليدز لم تمر بشكل ودي حيث بصق على مشجع لهم وتم تغريمه 1000 جنيه استرليني.
 

موسمه الثاني (1993-1994) شهد التتويج بالثنائية المحلية الدوري والكأس بعد أن تخلله واقعة طرد في تركيا خلال مباراة شهدت إقصاء اليونايتد على يد جالاتاسراي عقب اتهامه للحكم "بالغش" أعقبها شجار مع الشرطة التركية ثم عقوبة بالإيقاف لأربع مباريات أوروبية، كما تعرض للطرد مرتين في مباراتين على التوالي خلال 4 أيام أمام سويندون (لدهسه لاعبه جون مونكور) ثم آرسنال للإنذار الثاني، وهو الأمر الذي ترتب عليه إيقافه لـ5 مباريات.
 

"ما أتذكره بوضوح هو أني رأيته يجتاز خط التماس بطريقه للخارج، انطلقت المباراة من جديد وهذا ما يجب علينا مشاهدته، ولكن إريك من النوع الذي لا يمكنك إبعاد عينيك عنه، كان حضوره طاغياًأتذكر أني فكرت بأن شيء ما سيحدث وأن الأمر لن ينتهي بمجرد طرده."

 - نايجل رودينج - مشجع لمانشستر يونايتد وشاهد عيان على ركلة كانتونا لمشجع كريستال بالاس.


موقعة سيلهورست بارك
حين بدا أن مانشستر في طريقه لتحقيق اللقب الثالث على التوالي، تغيرت الأمور للنقيض تماماً بسبب ما حدث في ملعب سيلهورست بارك ليلة الخامس والعشرين من يناير عام 1995، حين كان الفريق الأحمر في ضيافة كريستال بالاس وقام ريتشارد شو مدافعه بجذب كانتونا من قميصه، بكل ما سبق ذكره يسهل استنتاج أنه قام بركله وتلقى البطاقة الحمراء!

 

هل انتهى الأمر هنا؟ لا، فأثناء خروجه كان هناك مشجعاً يدعى ماثيو سايمونز، ركض مجتازاً 11 صفاً من المقاعد ليواجه كانتونا ويسبه بألفاظ نابية مطالباً إياه بالعودة إلى فرنسا، فقفز كانتونا موجهاً له ركلة الكونج فو الأشهر في مسيرته قبل أن يتبعها بسلسلة من اللكمات! مرة أخرى ألقت الشرطة القبض على كانتونا وأُدين بالاعتداء ليصدر ضده حكم بالسجن لمدة أسبوعين، قبل أن تتحول العقوبة إلى 120 ساعة من الخدمة المجتمعية قضاها يدرب الأطفال في ملاعب اليونايتد. عوقب بالإيقاف لثمانية أشهر وعمم الفيفا العقوبة كي لا يتفاداها بالرحيل عن إنجلترا، خسر مانشستر يونايتد البريميرليج لصالح بلاكبرن روفرز، خسر إريك شارة قيادة فرنسا ولم يعد إلى المنتخب أبداً، وكان على حافة الرحيل لولا إقناعه بواسطة السير أليكس.

 

واحدة من أشهر لقطات كانتونا سجلها مؤتمر صحفي عقب تلك الواقعة أمام حشد من الصحفيين المتلهفين لسماع ما لدى الملك المجنون ليقوله، ولكنه فقط قال: "عندما تتبع طيور النورس سفن الصيد، فإنها تعتقد أن سمك السردين سيُلقَى به في البحر.. شكراً جزيلاً لكم." ثم رحل!


"
قررت علاج الأمر بتلك الطريقة: سأتحدث معه كل يوم طوال الوقت عن كرة القدم، لقد أحب ذلك ولذلك قال اللاعبون الآخرون أنه ابني الضال! ولكني أعتقد أنه كان بحاجة لمعاملة مختلفة وطرق مختلفة، حيث كان شخصاً مختلفاً عن الجميع، إنه إنسان رائع. شيء بداخلي أخبرني أنه يجب الوقوف إلى جواره لأن العالم بأسره ضده، لا أحد هناك ليساعده لذلك يجب أن يكون من يساعده هو أنا لأني مدربه." - سير أليكس فيرجسون عن كانتونا بعد واقعة كريستال بالاس.

 

حتى لا ينام مبكراً!

في الموسم التالي حين آن للملك أن يعود إلى عرشه الأخضر في ليلة الفاتح من أكتوبر 1995 صنع هدفاً بعد دقيقتين لنيكي بات وسجل الآخر من ركلة جزاء لينتهي ديربي الشمال الغربي بالتعادل 2-2.

 

بطبيعة الحال عانى كانتونا لفترة من آثار ذلك الغياب الطويل، وعانى معه مانشستر بعد تقدم كبير لنيوكاسل يونايتد وصل لفارق 10 نقاط في ديسمبر 1995، ولكن في مارس من العام التالي عاد يونايتد إلى الصدارة ولم يتركها لنهاية الموسم محققاً لقبه الثالث للدوري، حتى ليلة العودة للملعب المشئوم "سيلهورست بارك" في الثالث من فبراير شهدت تسجيله لهدفين في شباك ويمبلدون، وكما كانت خير بداية أمام ليفربول، كان خير ختام أمام الريدز أيضاً في نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي والذي سجل هدف الفوز به في الدقيقة 86 ليرفع الكأس بصفته القائد نظراً لغياب ستيف بروس بسبب الإصابة.


رحيل بروس إلى بيرمنجهام سيتي مطلع الموسم التالي (1996-1997) منح كانتونا شارة القيادة الدائمة، توقفت المشاكل المعتادة لبرهة، وحقق يونايتد لقب البريميرليج الرابع في غضون خمس، ليفاجئ "المجنون" جماهيره بقرار الاعتزال في سن ثلاثين عاماً فقط.

 

"عندما بدأنا التدريبات مجدداً انتظرت ظهورك كالعادة ولكني أعتقد أنه كان أملي وليس الواقع، فقد علمت من عينيك عندما التقينا في موترام أن وقتك في مانشستر يونايتد قد انتهى. على الرغم من ذلك لا زلت أشعر أنه كان يجب أن تستمع لنصيحتي ونصيحة والدك بأخذ عطلة قبل اتخاذ قرار كبير مثل هذا." "إذا ظهرت فجأة لشرب كوباً من الشاي، فقط للحديث كأصدقاء، هذا سيعني لي أكثر من أي شيء. أنت تعلم أين أنا وإذا احتجتني وأنت الآن لم تعد لاعباً لي، فأتمنى أن تعلم أن لديك صديقاً." - سير أليكس فيرجسون في رسالته لكانتونا عقب اعتزاله.


لماذا؟ يجيب بتلقائيته المعتادة في 2003 أنه ببساطة "لم يعد لديه الشغف الكافي للنوم مبكراً!" فكرة القدم التي عشقها ويُعد واحداً من أساطيرها تمنعه عن الخروج رفقة أصدقاءه وعن شرب الخمر وأشياء أخرى يحبها في الحياة على حد قوله. تجربته مع الكرة الشاطئية كلاعب ومدرب لم تغيره، تجربته مع السينما لم تنجح في ذلك أيضاً، وأخيراً تجربته كمدير رياضي لنادي نيويورك كوزموس الأمريكي لم تنجح في ذلك أيضاً حيث أقيل من منصبه لقيامه بضرب مصور في لندن عام 2014. تم القبض عليه قبل إخلاء سبيله وتحذيره فقط حيث أنه ولحسن الحظ لم يتعرض المصور لإصابات تستوجب الرعاية الطبية! بهذه البساطة حقاً كان الشخص الأكثر تعقيداً ربما في تاريخ البريميرليج، فقط لا تحاول إغضابه!


لا يوجد مَن يُفسر كانتونا أفضل مِن كانتونا نفسه، بعد أن "نصَّب نفسه مفوضاً لكرة القدم" عبر "يوروسبورت" وأعلن عن ترشحه لخلافة روي هودسون في تدريب منتخب إنجلترا في أعقاب فضيحة وداع يورو 2016 على يد أيسلندا.

 

عرض الملك كان مقنعاً للغاية، حيث تعهد بعدم الخسارة أمام "جزيرة متجمدة حارس مرماها مخرج أفلام ومدربها المساعد طبيب أسنان"، وبأنه لن يطلب من العملاق هاري كين لعب الركنيات والركلات الحرة بل التواجد على الناحية الأخرى للعب الرأسية خاصةً، إلى جانب عدم وضع يده على فمه أثناء الحديث في المباريات وكأنه (يملك سراً كبيراً لا يجب لبقية العالم معرفته - يغني بعض سطور "الراب" لرفاقه - لديه مشكلة كبيرة مع رائحة أنفاسه - جميع ما سبق).

 

للأسف ورغم أن نتائج استفتاء يوروسبورت  أظهرت موافقة 302 ألف شخص مقابل 288 فقط من الرافضين، وقع اختيار الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على سام آلاردايس قبل إقالته لتورطه في فخ صحفي دفعه لطلب 400 ألف جنيه استرليني سنوياً مقابل منح رجال أعمال نصائحه عن طرق للتحايل على قواعد الاتحاد. في أعقاب ذلك استغل كانتونا صلاحياته كمفوض مجدداً ترشحه للمنصب بالمزيد من الأسباب المقنعة: "هذه الفوضى ما كانت لتحدث لو اختاروني، لماذا؟ لأنه ما كان يمكنني أبداً أن أنصح بطرق للالتفاف حول قواعد الاتحاد الإنجليزي، أنا لا أعرف القواعد من الأساس!"

تقارير متصدرة


آخر الأخبار