انضم إلينا
اغلاق
في زيارة لما تبقى من ميلان!

في زيارة لما تبقى من ميلان!

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

لسبب ما؛ لم يظهر أنصار "الروسونيري" مقنعين، وهم يلعنون زمن المال عبر خمس سنوات كاملة شاهدوا فيها "باريس سان جيرمان" يتسوق بين صفوف ناديهم بأريحية وقحة، دون احترام لاعتبارات التاريخ والمجد القديم، لم ينالوا الكثير من التعاطف وهم يسخرون من مليارات الخليج التي أوصلت "السيتي" إلى نصف نهائي بطولتهم المفضلة، أو ملايين الروس التي منحت "تشيلسي" كأسه الأولى بينما كان لاعبو الميلان يشاهدونها من منازلهم؛ ربما لأن صعود هؤلاء كان سريعًا وسهلًا لدرجة الاستفزاز فعلًا، الدرجة التي واجهتنا جميعًا بالحقيقة التي نخشى الاعتراف بها دائمًا؛ وهي مدى تأثير المال في اللعبة، أو ربما لأن أغلبهم لم يكن ليسمع عن الميلان نفسه لولا رجل أعمال آخر هو "سيلفيو بيرلسكوني".

الأمر لا يخلو من عنصرية فجة كذلك؛ بإمكان "بيرلسكوني" ارتكاب الفضائح الجنسية مع القُصّر، التهرب من الضرائب، تقديم رشاوى لسياسيين وأعضاء الأحزاب المنافسة لحزبه، أمّا أن يكون روسيًا أو خليجيًا فهذا غير مقبول تحت أي ظرف؛ لأن ذلك قد يثير شبهة غسيل الأموال كما تعلم، بالإضافة لأنه يقطع الشعرة بين أندية المال والأندية العريقة في قاموس المشجعين.

ولكن لماذا اعتبرنا تلك الأندية العريقة، عريقة؟ هل لأنها فعلت نفس الأمر مبكرًا؟ هل لأننا هكذا وجدناها ولم نرهق أنفسنا بالسؤال كيف؟ ما هو تعريف أندية الأموال حقًا؟ هل هي الأندية التي حظيت بملاك أثرياء بعد عام 2000؟ ولماذا عام 2000 تحديدًا؟ هل لأن أغلب مشجعي اللعبة الحاليين قرروا أنه نهاية التاريخ؛ فقط لأنهم بدأوا مشاهدة كرة القدم قبله؟

إل باراديسو ديل كالتشيو

حديث المال دائمًا مكروه؛ لأنه قادر على إفساد أي أسطورة مهما بلغت عظمتها وملحميتها، ونحن نحب أن نصدق أن أعظم منح الحياة مجانية فعلًا، ولفترة من الزمن كان "الكالتشيو" هو أعظم منح كرة القدم للعالم؛ التاريخ يحكي عن تلفزيون إنجليزي يتجاوز كبرياءه وعنجهيته، ويعيد ترتيب عرض برامجه؛ لتتوافق وجدول مباريات "السيري إيه" التي تعرض على القناة الرابعة. يحكي عن "بول جاسكوين" أعظم لاعبي جيله الإنجليز على الإطلاق، وهو يوقع للاتسيو مقابل 5 ونصف مليون يورو؛ لينال شرف مجاورة عظماء اللعبة، عن 22 رقما قياسيا، للانتقالات للطليان 18 منها.


بعدها بعشرة أعوام، وتحديدًا في سبتمبر 2009 أعلن "ميشيل بلاتيني" رئيس الاتحاد الأوروبي -آنذاك- أن الوقت قد حان لوضع قيود على المبالغ التي تنفقها أندية القارة سعيًا خلف النجاح وتحقيق البطولات؛ أكثر من 50% يحققون خسائر سنوية، هكذا كانت الإحصائية الصادمة التي خرجت من أفواه ملاك ضاقوا بمتطلبات المشجعين؛ التي تدفعهم دومًا لتخطي حدود المعقول، وتهدد استمرار أنديتهم في التواجد؛ ناهيك عن المنافسة.

وعلى عكس المعلومة الدارجة، فالقانون لم يخرج للنور بسبب أندية كـ"باريس، وتشيلسي، والسيتي" فتلك الأندية عمليًا غير مدينة لأي جهة في ظل حالة من التماهي مع ملاكها ربما لا يُستثنى منها إلا بلوز لندن؛ بعد إنشاء شركة أم ضمت النادي ضمن ملكياتها، لكن كان السبب الرئيس لوضع القانون هو هيستيريا الإنفاق الإيطالي في التسعينيات وبداية الألفية، والتي حولت أندية عريقة كـ"بارما، ولاتسيو، وفيورنتينا" إلى أندية مهددة بالإفلاس، ولحق بها مؤخرًا عملاقي ميلانو.

سوربريزا

فجأة؛ اكتشف الجميع أنه رغم أن أعظم منح الحياة قد تكون مجانية فعلًا، إلا أن تلك الأقل عظمة بقليل ستكلفك الكثير قطعًا؛ زمن الكالتشيو الجميل لم يكن أكثر من مجموعة أخرى من "الأبراموفيتش" على رؤوس أنديته، مع فارق جوهري واحد هو أن أغلبهم كانوا مشجعين أصليين لتلك النوادي؛ فارق عنى الكثير وقتها؛ ولكن لم ينجح في تغيير الكثير كذلك.

بعضهم كان ثريًا بما يكفي لتمويل ناديه مباشرة، كـ"ماسيمو موراتي" الذي كان أول المؤيدين للقانون؛ سعيًا لإلزام مشجعي "النيراتزوري" بتقبل الوضع الجديد، والكفّ عن الحلم برونالدو جديد تبتاعه أموال عملاق الطاقة الإيطالي الذي خسر ما يفوق المليار يورو بين 1995 و2011، بينما استنفذ آخرون سلطتهم ونفوذهم في الحصول على قروض مهولة من البنوك لتمويل هذه الصفقة أو تلك؛ كيف -إذن- ستتمكن من شراء "فييري" بـ45 مليون يورو أو "كريسبو" بـ55؟ ليس من اشتراكات الأعضاء بالطبع.

ماسيمو موراتي.

رويترز
 

النتيجة أن الجميع يشتري، الجميع يستدين، وفي النهاية يحصل واحد على البطولة والمجد والمال الكافي بالكاد لتسديد جزء من ديونه؛ مفاجأة أخرى يدركها الطليان في نهاية كل موسم، ثم يذهب الجميع للاقتراض مرة أخرى وكأن شيئًا لم يكن! لأن أصعب أنواع الإدمان هو إدمان المراهنات، والجميع في إيطاليا كان يراهن على النجاح؛ مفتونًا بتجارب كـ"بارما ولاتسيو وفيورنتينا"؛ كانت لعنة على الكالتشيو بقدر ما كانت إنجازًا لأصحابها.

الأمر لم يبد بهذا الجنون وقتها؛ ربما لأن المراهنة كانت سمة دولة بأكملها؛ إيطاليا أنفقت الملايين على تجديد الملاعب لمونديال 1990 رغم علمها أن عجز ميزانية التطوير وصل لـ84%، ثم فوجئت هي الأخرى بأن عوائد السياحة والترويج والتسوق لن تغطي كل ذلك، فبدأت في إجبار الأندية على دفع إيجارات باهظة لاستخدام الملاعب، نسيت إخبارك أن فترة الكالتشيو الذهبية بكل ملياراتها المنفقة على التعاقدات تركت أندية إيطاليا بلا ملاعب، والاستثناء حتى اللحظة يقتصر على يوفنتوس، أودينيزي وساسوولو فقط بين 20 نادٍ في السيري إيه، وبالطبع لم يساعد الكالتشيوبولي على تحسين الأوضاع؛ لا أحد يريد حضور مباراة ليتساءل طيلة التسعين دقيقة ما إذا كان قد تم التلاعب بها أم لا.!

كل ما سبق ترك للطليان حلًا واحدًا؛ الاعتماد على أكاديميات ناشئيهم الشهيرة لتمرير العاصفة، فقط ليكتشفوا أنهم لا يمتلكون أكاديميات ناشئين من الأصل، على الأقل بالمعنى الحرفي؛ بل شبكة واسعة معقدة من الكشافين تحتاج مزيدا من الأموال بدورها للعمل.. من يريد أكاديمية؛ بينما يمكنه جلب أي لاعب يريده؟ الطليان قليلو الصبر كما تعلم.

فيكيو جراندي ميلان

وسط كل ذلك، كفلت أموال أغنى رجل في إيطاليا للميلان استقرارًا عزّ على الباقين، كل شيء كان على ما يرام حتى انفجار فضيحة اليونيبول في 2012؛ عن تنصت صحيفة مملوكة لأخي "برلسكوني" على اجتماعات منافسيه السياسيين، المهم أنه نال حكمًا بالسجن لمدة عام، بعدها تراجع عن الإنفاق على النادي؛ لأن مستشاريه السياسيين نصحوه بالابتعاد عن الحياة العامة، ورأوا أن إنفاق المبالغ المعتادة (والبلد يمر بحالة من التقشف) سيسيء لصورته، "سوربريزا" أخرى للميلان وجماهيره؛ بيرلسكوني هو الميلان، فضائحه فضائح للميلان، وبطل السكوديتو سيضطر لبيع أفضل لاعبيه؛ لأن أخا بيرلسكوني وضع جهاز تنصت في قاعة ما منذ سبع سنوات.

بيرلسكوني(رويترز)


تلك هي مشكلة الرجال من طراز بيرلسكوني؛ أنهم عاطفيون للغاية، حياتهم سلسلة من الإخفاقات المدوية والنجاحات المدوية المتتالية؛ انخفضت قيمة الميلان ليتم بيعه للصينيين مقابل 628 مليون باوند، في وقت تتجاوز فيه قيمة مانشستر يونايتد أو ريال مدريد أو برشلونة ضعف هذا الرقم؛ لأن بيرلسكوني ترك الميلان بلا ملعب أو أكاديمة بدوره، رافضًا عرض طيران الإمارات منذ عامين لتمويل الملعب الجديد لسبب وجيه جدًا هو أنه يحب "السانسيرو" لدرجة لا يستطيع معها تركه، الأسهل هو ترك الميلان نفسه.

بالطبع طفت للسطح المناظرة الشهيرة عن عراقة الميلان وشخصيته في مقابل أموال الصينيين المشبوهة، لكن مشجعي الفريق كانوا قد حسموا أمرهم بالفعل واتجهوا للتظاهر عند منزل بيرلسكوني نفسه لإجباره على البيع؛ لأن أي شيء سيكون أفضل من المزيد من زاباتا وبونيرا،لا داعي لذكر أن الصينيين استغلوا الوضع بأسوأ طريقة ممكنة؛ بداية من التلويح بالعرض، ثم إطلاق بالونات الاختبار المتتالية، نهاية باختبار صبر بيرلسكوني نفسه ومن خلفه مشجعي الفريق، هكذا تحصل على ما تريد في عالم الأعمال، الوقت يتكفل بكل شيء، وما يبدو للجميع أسخف فكرة في العالم الآن سيتقبلونه بعد فترة؛ بل ربما يطالبون به راضين بمبلغ أقل، صفهم بالانتهازية أو الجشع؛ ولكنهم صاروا السبيل الوحيد لعودة ميلان القديم.

بمناسبة ميلان القديم، صدق أو لا تصدق؛ هي نفس الطريقة التي استحوذ بها بيرلسكوني على الروسونيري في المقام الأول.

سكاندالي

في نهاية السبعينيات، وبعد الكأس الأوروبية الثانية والسكوديتو العاشر، مر الميلان بظرف مفاجئ؛ فضيحة مراهنات أودت به رفقة "لاتسيو" لغياهب الدرجة الثانية، كل قصص إيطاليا المثيرة تبدأ بفضيحة ما، أنت صرت تعلم ذلك الآن.

نجح الروسونيري في الصعود في الموسم التالي مباشرة، فقط ليهبط مجددًا، بمجهوده الخاص تلك المرة، صعود أخير ثم 4 سنوات من منتصف الجدول، ومداعبة الهبوط على استحياء انتهت بمجيء بيرلسكوني بارون المقاولات الذي استغل شبح الإفلاس في شراء النادي بثمن بخس، الباقي للتاريخ بالطبع؛ 8 سكوديتو، 5 كؤوس أوروبية، ومئات الملايين أنقذت اللومباردي من مصير نوتنجهام فورست وأستون فيلا.

بيرلسكوني.

إيطاليا
رويترز
 

كل تلك المفارقات العجيبة، والصدف السعيدة؛ هي في حقيقتها مستفزة للغاية؛ لأنها تخبرنا أن العالم أقبح بكثير مما نظنه، وأن أعظم منح الحياة لا تكتفي بكونها مكلفة للغاية، بل إنها -كذلك- مهددة طيلة الوقت بجهاز تنصت هنا أو فضيحة مراهنات هناك، رغم ذلك يبدو الجميع في "ميلانو" راضيًا عن النهاية السعيدة؛ متظاهرين أنه لم يكن أمامهم حل آخر؛ الصينيون وعدوا بملعب جديد و300 مليون يورو على ثلاث سنوات، والآن يمكن للميلان أن يبني أكاديميته الخاصة ومنشآته، ويبتاع ما يريد من اللاعبين، ويتخلص من أعباء إيجار السانسيرو كل عام أين كان الميلان ليجد ملاكًا بهذا الكرم؟ 

حتى المجتمع الكروي يريد أن يطوي الصفحة سريعًا، ويتوقع عودة قريبة للكالتشيو مع وعود مشابهة على الجانب الأزرق من المدينة مع صينيين آخرين، لذا إن لم تكن تملك حلًا أفضل من البكاء على أطلال الميلان بدورك فلتصمت؛ فلتنس أن بيرلسكوني أنفق أربعة أضعاف هذا المبلغ بالفعل، وكان بإمكانه بناء 4 ملاعب و4 أكاديميات واصمت؛ قلنا لك إنه كان يحب السانسيرو جدًا.

فين                                 

عبر تقرير مطول للتليجراف في أكتوبر الماضي، تحدث "روب باجي" عن أهمية التخطيط في طفرة السيدة العجوز؛ فمنذ تولى "أندريا أنييلي" رئاسة اليوفي في 2010، تضاعفت أرباح النادي حرفيًا في 4 سنوات فقط لا غير، تم هدم الديللي ألبي بالـ69 ألف مقعد التي لم تكن الجماهير تشغل نصفها عادة، لتشييد اليوفي ستيديوم بـ41 ألف مقعد فقط لا غير، بالطبع أُلغي مضمار الركض؛ لتوفير مقاعد أقرب للملعب، ومن ثم أجواء أفضل، النتيجة أن اليوفي جاء في صدارة أندية إيطاليا في قائمة "ديلاويت" للأندية الأكثر ربحًا في 2016 بـ323 مليون يورو، تلاه الميلان بـ199، بعد أن تصدر الروسونيري القائمة في 2013 بـ260 مليون يورو مقابل 195 لليوفي، المدهش أن كل ذلك لم يكلف عملاق تورينو إلا 110 مليون يورو أنفقها لإعادة بناء ملعبه، ربما لأن "أنييلي" لم يكن يحب الديللي ألبي بهذا القدر.!

رئيس نادي يوفينتوس "أندريا أنييلي" (وكالة الأنباء الأوروبية)


مزيد من الحقائق المؤلمة المستفزة، أكثر إيلامًا واستفزازًا من "زاباتا" و"بونيرا" وكل من مروا على السانسيرو مؤخرًا، ورغم ذلك أتى رد الفعل من خارج ميلانو؛ الوحيد الذي يغضبه كل ذلك بشدة هو "بوفون" الذي خرج منذ أسابيع بتصريحات قاسية عن الهزيمة الكبرى للكرة الإيطالية التي يستحقها أبناء بلده المتقلبون؛ يطالبون بالهوية الإيطالية ثم يتخلون عنها إذا مروا بخمس سنوات صعبة بعد 30 عامًا من النجاحات، تحدث عن انعدام الإحساس بالانتماء والمسئولية، وعن التاريخ الذي طالما أثبت ذلك.

بالطبع أدار الجميع رؤوسهم للجهة المقابلة؛ متظاهرين أنهم لم يسمعوه، رغم أنه ليس بالضبط هذا النوع من اللاعبين الذي قد يخرج بتصريح مشابه للمكايدة فقط لا غير، وهو ليس من محبي البكاء على أطلال الميلان كذلك، في الواقع هو ليس من محبي البكاء على أي أطلال؛ لأن كل أموال باريس وتشيلسي والسيتي لم تمنعه من الفوز بالسكوديتو من جديد بعد 5 سنوات فقط من الكالتشيوبولي، ولأنهم شاهدوا اليوفي يتحول من نادٍ ينفق 42 مليون يورو لضم "تورام" في 2001، لآخر يخوض نهائي دوري الأبطال في 2015، بخط وسط قيمته أضعاف الـ12 مليون التي تكلفها؛ شاهدوا اليوفي يثبت أن المال ليس كل شيء، سواء أتى من روسيا أو الخليج أو حتى أرصدة بيرلسكوني نفسه، ثم شاهدوه ينفقه بسفه وكأنه لا يعنيه.

صحيح أن الجلوس على قمة إيطاليا والحكم على الجميع قد يكون سهلًا؛ الأسهل منه هو الحديث عن الانتماء والوفاء وأنت تستعد للسكوديتو السادس على التوالي، وغارة جديدة على أوروبا قد تأتيك بذات الأذنين أخيرًا، ولكن هذه ليست الحالة هنا؛ الجميع تجاهل تصريحات "بوفون" لأنه محق، ولأنه ليس الشخص الأنسب للمزايدة عليه، ولأن نفس الخمس سنوات التي قادت الميلان لأحضان الصينيين قادت اليوفي لمصير مختلف تمامًا، ولأن التاريخ الذي تحدث عنه بوفون لا يبدأ بعد عام 2000 بكل تأكيد.

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار