انضم إلينا
اغلاق
مباراة الأهداف الثمانية.. مانشستر سيتي يتخطى موناكو بقمة مثيرة

مباراة الأهداف الثمانية.. مانشستر سيتي يتخطى موناكو بقمة مثيرة

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

قبل اللقاء، بدا وكأن كل شيء مجهز من أجل مباراة ممتعة؛ فريق كهربائي شاب يريد إثبات نفسه على الساحة الأوروبية، يمتلك أقوى خط هجوم في القارة ويقوده مدرب صاعد بقوة، وآخر مُسن في أغلب عناصره، يتمتع بفنيات هائلة، ويحاول التمسك بمجده السابق، بقيادة مدرب مجنون يسعى لنفس الهدف.
 

ولكن تلك المعطيات لم تكن تعني أي شيء فيما سبق، لأنها طالما أحبطتنا عبر السنوات القليلة الماضية، خاصة في مباريات دوري الأبطال، فباستثناءات بسيطة، لا يمكنك أن تتذكر مباراة واحدة بهذا القدر من الندية والسرعة والمتعة في نفس الوقت، أو يقودها مدربان على هذه الدرجة من المغامرة، والتي كثيرًا ما حرمتنا منها الضغوط الجماهيرية التي تزداد يومًا بعد الآخر، والتي لا تطالب إلا بالتتويج والتتويج فقط، ناسية أو متناسية الأسباب التي من أجلها عشقنا تلك اللعبة، والتي يملك الفضل في تذكيرنا بها كل من "ليوناردو جارديم" و"بيب جوارديولا"، كما ذكرنا بها من قبل "فيرجسون" في ملحمة 4-3 أمام الملكي المدريدي.
 

حيلة بيب

دخل "جارديم" مباراته بتعديل واحد شهد إخراج شريك "فالكاو" التقليدي في الهجوم "فاليري جيرمين" لصالح "مبابي المراهق السريع، لاستغلال جهده الوافر  في غلق منطقة الوسط أمام السيتي، واستغلال انطلاقاته المكوكية لمباغتة خصمه كلما أمكن، بينما بدأ "بيب" بتشكيلته المثالية، والتي لم تخلُ من حيلة "فيرناندينيو" التقليدية، بإشراكه في مركز الظهير الأيسر، ثم نقله لمجاورة توريه في الوسط إذا سمحت ظروف اللقاء، وهي حيلة لم تخدع "جارديم"، لأن تعديلات الكتالوني المستمرة عودت الجميع على توقع تغييرات مشابهة، والحيلة الحقيقية كانت أن يشترك "زاباليتا" منذ بداية اللقاء، ولعل سبب إحجامه عن ذلك يرجع لضعف لياقة الأرجنتيني العجوز.

 

خطة الفريقين والتشكيل وإحصائيات المباراة - المصدر Whoscored.com

 

بناءً عليه، عمد الداهية "جارديم" للضغط على جبهة "فيرناندينيو" نفسه من بداية المباراة، لأنه شاهد مباريات السيتي الأخيرة وتوقع حيلة "بيب"، وهو الأمر الذي منحه جملة من المكاسب؛ كان أهمها استغلال قلة خبرة البرازيلي في هذا المركز، والتي أظهرها الضغط في هدف "مبابي" الثاني شديد المباشرة والسذاجة، بالإضافة لارهاق "سيلفا" في المساندة الدفاعية في تلك الجبهة، وحرمان "فيرناندينيو بالتبعية من الانضمام لـ"توريه" في وسط الملعب.
 

بل وحتى الدقيقة 70، بدا وكأن المدرب البرتغالي لم يكتفي بضرب كل العصافير في جبهة السيتي اليسرى بحجر، بل حجز بطاقة الصعود بالفعل بعد أن أضرم النيران في الشجرة كلها، مستعينًا بحيوية "سيدي بيه" ومجهوداته الخرافية، وإبداعات برتغالي رائع آخر هو "برناردو سيلفا"، بل وكاد ينجح لولا الحالة البدنية الاستثنائية التي ظهر عليها الثلاثي "ساني" و"سيلفا" و"توريه"، والتي لا تتناسب مطلقًا مع عمر الثنائي الأخير، بالإضافة لتصحيح "بيب" لخطئه وإخراج صاحب الثغرة لحساب "زاباليتا"، متفاديًا مزيد من الأخطاء فيما تبقى من المباراة.

الخريطة الحرارية للفريقين تظهر تركيز موناكو على الضغط على جبهة فيرناندينيو طيلة المباراة - المصدر Whoscored.com 
شعرة جارديم

ولكن الفارق الحقيقي بين التشكيلتين، كان التنوع الشديد الذي حظي به السيتيزنز  في وسط الملعب، خاصة في الرباعي الذي يتقدم "توريه"، والذي أصبح علامة مسجلة لتشكيلات جوارديولا منذ حقبة البايرن، بوجود ثنائي في العمق وثنائي على الأطراف؛ جناحين وصانعي لعب يتيحوا للمهاجم الوحيد كل الطرق للمرمى، ما بين العرضيات والبينيات وحتى الاختراقات القُطرية.
 

وهو ما لم تمتلكه تشكيلة جارديم، التي نزعت لاستبدال البينيات الصعبة وثنائيات المساحات الضيقة، بالتسديد المباشر على المرمى كلما أمكن، واستغلال فقرات أوتامندي وستونز الكوميدية التي يصر الثنائي على تقديمها كل مباراة تقريبًا.
 

ورغم افتقار تسديدات موناكو (15/6 على المرمى) للدقة اللازمة مقارنة بالسيتي (10/6 على المرمى)، فإن واحدة منها صنعت أحد أفضل أهداف البطولة هذا الموسم، والذي أظهر من خلاله "فالكاو" شخصية استثنائية بعد إضاعته لركلة جزاء كانت كفيلة بإنهاء المباراة، ما أثبت صحة النظرية التي تعتبر الإعداد النفسي أكثر  من نصف وظيفة المدرب، بل ويتضاءل أمامها الجانب الخططي والتكتيكي في بعض الأحيان، خاصة عندما يتعلق الأمر  بمهاجم كالنمر الكولومبي الذي كان من الأفضل في العالم، وأعاده "جارديم" من الموت الكروي ليكون كذلك.

رغم أن موناكو حظي بالعدد الأوفر من التسديدات إلا أن فرص السيتي كانت أخطر وأكثر عددًا - المصدر Whoscored.com

شخصية السيتي

حتى وقت قريب كان هذا المصطلح يستخدم للسخرية أكثر من أي شيء آخر، وربما لازال كذلك، خاصة أن الفريق أظهر انهزامية شديدة في الدوري هذا الموسم، لم يعتدها أحد مع الفرق التي تولى قيادتها مدربه الإسباني، ولكن الشخصية ليست بالقيمة التي يمنحها التاريخ، والدرجات الثانية والثالثة في كل بلد تعج بالفرق التي كانت يومًا ما.
 

بل تُكتسب الشخصية وتُصنع بعروض مشابهة، وهو ما أظهرته بوضوح أصعب فترات المباراة في العشر دقائق بين هدف موناكو الثالث المُدمر (61") وهدف التعادل لأجويرو (71")، والتي شهدت ضغطًا كبيرًا للسيتي استبدل مشهد الرؤوس المحنية المعتادة والمتوقعة مع هذه الظروف، فنتج عنها أكبر عدد من محاولات استرجاع الكرة والتدخلات للسماوي، وأعلنت انهيار فريق "جارديم" بدنيًا رغم كونه الأكثر شبابًا وسرعة، وعجزه عن الاستمرار في مواكبة ضغط السيتيزنز  لتسعين دقيقة متواصلة.

 

إحصائيات الفريقين في العشر دقائق ما بين تسجيل موناكو لهدفه الثالث وتعادل أجويرو - المصدر - Whoscored.com


بل إن أفضل ما في عودة السيتي هو أن من قادها كان أجويرو، بأداء مغاير تمامًا للساعة الأولى، التي قضاها في إفساد هجمات فريقه برعونة شديدة وأنانية مبالغ فيها، سيتعين على بيب وأجويرو نفسه معالجتها مستقبلًا، إن أرادوا استغلال المرتدات التي تُتاح في حالة ضغط الخصوم أو تنفيذهم لركنية أو كرة ثابتة يصعد معها أغلب مدافعيهم، والتي تتكفل بها تمريرات الأرجنتيني الخاطئة وتعرض الفريق لعكسيات خطيرة بدورها، لأنه ليس من طراز المهاجمين الذين يمكنهم العمل كمحطة للهجمات في نصف ملعب الخصم، وإن كان يجيد تسلم الكرة تحت الضغط فهو بالتأكيد لا يجيد إخراجها إلا في اتجاه واحد فقط هو المرمى.
 

التقييم الرقمي يظهر التباين الفج بين أداء المهاجم الأرجنتيني في الساعة الأولى وأدائه في النصف ساعة الأخيرة؛ إذ حصل على أقل تقييم بين لاعبي الفريقين في الأولى وأعلاهم في الثانية - المصدر Whoscored.com
في عظمة الصراع

ذات مرة قال "خوليت" أن بإمكانه مشاهدة 10 مباريات بين فريقين يلعبان للهجوم، بينما لا يمكنه مشاهدة مباراة واحدة بين خصمين دفاعيين متحفظين، لأن الكرة لعبة قائمة على الفرجة والمتعة، وقبل كل ذلك؛ الصراع.
 

من هنا تكتسب مباراة "جارديم" أهميتها، لأنه أحد المدربين الذين تجرعوا ما يسمى بالواقعية حتى الثمالة، فحتى الموسم الماضي كان موناكو يغلب عليه التحفظ والتراجع واللعب على رد الفعل بدلًا من صناعته، وهو ما يتناقض بشدة مع مشهد المدرب الذي أجرى ثلاثة تغييرات هجومية أمام خصم قوي يلعب على أرضه، بينما كان بإمكانه اللجوء للدفاع عقب الهدف الثالث وقتل المباراة تمامًا بالمزيد من المدافعين ولاعبي الارتكاز، وإذا كنت من أنصار تلك المدرسة، فلن تجد وصفًا أنسب من السذاجة أو الغباء لما فعله البرتغالي.
 

ولكن "جارديم" هو أنسب من يخبرك أن الأمر ليس كذلك، لسبب بسيط جدًا هو أنه جرّب تلك المدرسة عبر موسمين ولم توصله لأي شيء، رغم أن تشكيلته السابقة ضمت أسماء أفضل بكثير من الأسماء الحالية؛ مثل "أيمن عبد النور" و"لافين كورزاوا" و"جيفري كوندوجبيا" و"كاراسكو" و"مارسيال" و"برباتوف".
 

ليوناردو جارديم مدرب موناكو

ليوناردو جارديم مدرب موناكو.

رويترز
 
الإجابة الصحيحة قد تكون الطموح، أو الرغبة في الصراع ومقارعة الكبار  وحب الشجاعة، لأن فكرة أن تجلس في منطقة جزائك تتلقى الضربات واحدة تلو الأخرى كشوال من الرمل ليست بالإثارة التي يتخيلها البعض، حتى وإن عَنَت تتويجًا مضمونًا في نهاية المشوار، وحتى وإن فشل خصمك في التسجيل بمرماك، بل هي أشبه بمغازلة شجرة كما وصفها "فالدانو".

 

في كتابه "لعبة الأرقام"، يقول "ديفيد سالي" أن كرة القدم لم تكن أبدًا متعلقة بالأهداف، بل بالصراع، لأن معدل الأهداف لكل مباراة قد انخفض للنصف تقريبًا في المئة عام الأخيرة، بين الـ4.7 هدف المعتادة في مطلع القرن الماضي للـ2.6 هدف المقررة في أغلب المباريات الحالية، ورغم ذلك انتشرت اللعبة لأضعاف الفارق بين هذا وذاك، وشملت شرائح لم تكن من محبيها فيما مضى.
 

والسبب هو أن جمهور الكرة يأتي لمشاهدة الصراع، وهو ما منحه لنا "جارديم" بالأمس بدلًا من مشهد المباراة التقليدية المعتادة التي تسير في اتجاه واحد، ورغم أن الأهداف تمثل أهم عناصر المتعة في اللعبة، إلا أن الإثارة تأتي بالأساس من أهمية تلك الأهداف وتأثيرها في مسار اللعب، فما بالك بمباراة جمعت بين هذا وذاك.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار