انضم إلينا
اغلاق
أتليتكو مدريد وبرشلونة.. مقاعد إنريكي الموسيقية

أتليتكو مدريد وبرشلونة.. مقاعد إنريكي الموسيقية

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

مدربان يمران بحالة من انعدام الوزن، وفريقان لديهما كل شيء ليخسرانه، في ناديين يواجهان أزمة هوية حقيقية، باختصار؛ كل شيء كان معدا لجولة مثيرة من لعبة المقاعد الموسيقية.

 

فبعد بداية عصيبة للموسم أبعدت أتليتي سيميوني مبكرًا عن المنافسة، تاركًا مقعده المفضل لإشبيلية سامباولي، وفي ظل حالة من تغيير الجلد التي يشهدها الفريق، خاصة فيما يتعلق بطريقة لعبه، دخل الـ"تشولو" (أتلتيكو مدريد) مباراته وهو على بعد نقطة واحدة من سوسييداد ودوري الأبطال في الموسم المقبل، وخرج منها على نفس الحال، وهو السيناريو الذي يواجهه الروخيبلانكوس لأول مرة منذ أربع سنوات، خاصة أنه فقد موقعه المعتاد كأقوى خطوط دفاع الليجا لصالح فياريال (18)، بل أعلنت نتيجة المباراة خسارته المركز الثاني لدفاع برشلونة نفسه (20)، للدهشة، والذي قبل هدفًا واحدًا أقل من دفاع الأتليتي (21) رغم حالته الكارثية هذا الموسم.

 

في المرمى المقابل أراد إنريكي منح كتالونيا مشهدًا ختاميًا مغايرًا لمباراة باريس، في محاولة أخيرة لإنقاذ ذكراه وإرثه قبل الرحيل، وهو الذي دفعه لتغيير خطته، ربما لأول مرة في ثلاث سنوات، أملًا في مزيد من التوازن والسيطرة، ومع ذلك، فلا شيء يعبر عن تراجع البرسا سوى تراجع ميسي نفسه، فرغم حالته الذهنية والبدنية السيئة مؤخرًا، وقلة إنتاجه بشكل واضح، إلا أن الكتلان مازالوا يعتمدون عليه بشكل كلي تقريبًا، في ظل كونه القاسم الرئيسي الأوحد في كل لحظاتهم الصعبة.

خطة اللعب والتشكيل والتقييم الإحصائي للفريقين (هو سكورد)


البداية
لا شك أن مشهد الضغط الهجومي الهيستيري في بداية مباريات الأتليتي قد صار تقليديًا، خاصة على ملعبه، بل وفي عدد لا بأس به من المباريات خارجه، وهو أسلوب اعتاد عليه الـ"تشولو"  في المواسم الماضية، لأنه يمنحهم حزمة من المكاسب دفعة واحدة؛ فالدقائق الأولى هي الوقت الأنسب للمخاطرة بالهجوم، لأن تسجيله لهدف أثناءها، يسمح له بقضاء أطول فترة ممكنة متراجعًا للدفاع وإطلاق المرتدات، وهي وضعيته المفضلة من الأصل، وإن حدث العكس، فهو يمتلك 75 دقيقة على الأقل للتعويض، وهو ما صار يجيده هذا الموسم.

 

الجديد تلك المرة أن الأتليتي استغل حالة التيه بين صفوف الكتلان، واستطاع تمديد ضغطه لنصف ساعة كاملة، كان فيها الأخطر والأفضل، وكأنه يواجه دفاع برشلونة وحارسه منفردين.

إحصائيات النصف ساعة الأولى (هو سكورد)


صداع الجبهة اليمنى
بالطبع كان بديهيًا أن يبني سيميوني خطته كاملة على استغلال ضعف الجبهة اليمنى لدفاع الكتلان، مشركًا كاراسكو كجناح وحيد مع ثنائي هجومي متحرك من جريزمان وجاميرو، يتموقع خلفه الثلاثي المعتاد جابي وكوكي وساؤول، بأدوار تترواح بين المساندة الدفاعية وصناعة اللعب، وهو ما يحول خطته من 4-4-2 الظاهرية، لـ4-3-3 في لحظات الاستحواذ والانطلاق للعكسيات.

 

وهي الثغرة التي حاول إنريكي سدها على خصمه، باللعب بثلاثة مدافعين وتفرغ بيكيه التام لتلك الجبهة، وإضافة رافينيا كلاعب وسط حر، وهي خطة ذكية جدًا لا يعيبها سوى شيء واحد؛ أنها لم تستطع سد تلك الثغرة، ولولا تألق تير شتيجن الذي أصبح معتادًا في المباريات الأخيرة، ورعونة جريزمان وكاراسكو نفسه، لحصل سيميوني على مراده مبكرًا.

نصف هجمات الأتليتي تقريبًا أتت من جبهة الكتلان اليمنى (هو سكورد)

ربع تسديدات أتليتيكو مدريد أتت من نفس الجبهة (هو سكورد)


المشكلة لم تكن في مواجهة الجناح البلجيكي ورفيقه الفرنسي، أو حتى في ضعف مساندة رافينيا الدفاعية، بل في صعود فيليبي لويز المستمر، والذي منح الروخيبلانكوس الزيادة العددية في كل مرة تقريبًا، خاصة مع انضمام جريزمان، والتي مكنتهم من تناقل الكرة بأريحية تامة انتظارًا للخطأ أو لحظة العرضية المناسبة، وهو ما يفسر نجاح الظهير البرازيلي في إرسال أكبر كم من العرضيات مقارنة بباقي لاعبي الفريقين، ولولا نجاح أومتيتي في الفوز بالعدد الأوفر من الثنائيات الهوائية (7) بعد الأول جودين (10)، لتغيرت النتيجة تمامًا، بعد أن احتجز سيميوني جبهة الكتلان اليمنى رهينة في الشوط الأول.

 

أضف إلى ذلك تحركات رافينيا العشوائية تمامًا، والتي كانت نتيجتها واحدة من أسوأ مباريات البرازيلي رغم نجاحه المعتاد في التسجيل.

الخريطة الحرارية لتحركات رافينيا (هو سكورد)


انعكس الأمر تمامًا على الجهة المقابلة، وكأن المدربين قد اتفقا على خطة اللعب قبل المباراة، فخطة إنريكي أحدثت خللًا في جبهته اليسرى، وحتى نهاية المباراة بدا وكأنه لم يشرك ظهيرًا أيسر من الأصل، بل اكتفى بالدفع بإنييستا في موقعه التقليدي، ومن خلفه ماتيو للتأمين الدفاعي، وكأنه يعلم مسبقًا أن سيميوني سيستسلم لطوفان نيمار بلا مقاومة.

 

نحو المزيد من نيمار
رغم فشله في التسجيل أو الصناعة، على الأقل بما يتناسب مع مجهوداته الخارقة، فإن إحصائيات نيمار تبدو مبهرة للوهلة الأولى؛ أكثر من لمس الكرة (44) من الثلاثي الأمامي للكتلان (28 و34)، أعلاهم قدرة على الاحتفاظ بالكرة (5.3 مقابل 4.1 لميسي و3.4 لسواريز)، وبالطبع أغزرهم جهدًا ومشاركة في اللعب، بالإضافة لنجاحه في اتمام 10 مراوغات مقابل 13 لباقي لاعبي الفريقين مجتمعين.

 

كل ذلك يتناقض بشدة مع انتاجه الفعلي في الثلث الأخير، خاصة في المباريات الصعبة كتلك المباراة، فنادرًا ما يستطيع صناعة فرصة محققة للتسجيل، أو حتى تولي تلك المهمة بنفسه، والسبب في ذلك يعود لإنريكي، ونيمار نفسه.

اكتساح تام لنيمار في المواجهات الفردية مقارنة بباقي لاعبي الفريقين ( هو سكورد )


فالأول فشل بجدارة في محاولاته المستمرة لإيجاد بديل واقعي لإنييستا في ظل تراجعه المستمر وتقدم سنه؛ بديل قادر على المشاركة في مهام صناعة اللعب، والارتداد الدفاعي وقت اللزوم، والأهم؛ دفع نيمار إجباريًا للثلث الأخير، وتوفير جهده ومراوغاته لمنطقة عمليات الخصم؛ الأمر الذي زاده سوءًا إصراره على استبعاد دينيس سواريث واشراك أندريه جوميش، الذي لم ينجح بدوره في تبرير مليونًا واحدة من الـ35 التي أنفقها الكتلان لاحضاره من الميستايا.

 

وهو ما يستنزف الجناح البرازيلي بلا هوادة، كما استنزف ميسي من قبله، كونه يضطر للهبوط لما قبل منتصف الملعب لاستلام الكرة وبدء الهجمة، بعد أن أصبح رئة الكتلان الرئيسية، ومتنفسهم الوحيد نحو ملعب الخصم، وتحمله هذا العبء منفردًا بسبب انهيار ميسي البدني مؤخرًا، والذي كان يقوم بهذا الدور منفردًا كذلك حتى نهاية الموسم الماضي، وكأن الثلاثي الهجومي يتم عصره بالتوالي حتى آخر قطرة، كحل مؤقت لانعدام حلول الوسط.

خريطة مراوغات نيمار تظهر الجهد الخارق الذي يقوم به لنقل الهجمة لملعب الخصم ( هو سكورد )


يستكمل ما سبق تركيبة نيمار المعقدة بدورها، والتي تنازعه ما بين الاستغراق في فرديته الشديدة من جهة، واعترافه بثقل ميسي كنجم أبرز للفريق من جهة أخرى، وهو ما استحدث نوعًا من التراتبية بين صفوف الكتلان، لم تكن موجودة فيما سبق، فما بين ألبا، جوميش، ودين، وفي ظل غياب إنييستا المتكرر، لم يجد نيمار من يكافئه "رتبة" ليشاركه اللعب، فالبرازيلي مازال يفضل المراوغة -حتى وإن قلت احتمالات نجاحها- على التمرير لرفاق الجبهة، أو حتى تدوير الكرة صعودًا لتوفير جهده، مستغلًا حالة الفوضى التي ضربت الفريق ومنظومة لعبه.

 

بل ولا تخرج الكرة من قدمه إلا بوصوله لحدود منطقة الجزاء، وحسب توفر ميسي -وميسي فقط- في موقع مناسب للتمرير، وهو ما يختصر كثيرًا من الجهد على الأخير، ويسهل عليه حسم الأمور في اللحظات العسيرة، وينذر في نفس الوقت، بموسم قادم كارثي للثلاثي على المستوى البدني، إن لم يحدث الانهيار فيما تبقى من الموسم الحالي.

 

مقاعد إنريكي الموسيقية
رغم تفوقه في أغلب إحصائيات المباراة الجماعية والفردية، فما زال برشلونة يدفع ثمن اختيارات إنريكي الخاطئة، والتي أطاحت بأسلوب لعبه المعتاد وشخصيته المسيطرة في الملعب، وهو ما يجعل كل مباراة أشبه بجولة جديدة من لعبة المقاعد الموسيقية، يفوز فيها صاحب الفعل الأول، الذي يأخذ مقعد المبادرة من البلاوجرانا، تاركًا مدربهم بلا خطة لمواجهة ما تبقى من المباراة، سوى الاعتماد على فرديات نجومه.

 

رغم ذلك اقترب إنريكي من الخطة الأنسب لإنهاء الموسم، بتحوله لخط دفاع ثلاثي، يمنح ظهيريه مزيدًا من الحرية ويخفف من أعبائهم الدفاعية، ولم يتبق له سوى التحلي بالشجاعة اللازمة لاجلاس إنييستا على مقاعد البدلاء حتى اكتمال لياقته، بل وادخار ميسي نفسه لبعض المباريات دونًا عن غيرها، واشراك ألبا كظهير أيسر في ظل استمرار رافينيا على الجناح، ليمنح ميسي أفضلية التواجد في العمق كصانع لعب حر، مستفيدًا من مهاراته الاستثنائية في التمرير، والتي تنقص نيمار بدوره، وليساعد روبرتو على مواجهة تحديات جبهته مستقبلًا، وهو ما يبدو الحل الأخير لإنقاذ موسم الكتلان، خاصة بعد أن تحول البرسا من الفريق الذي لا ينتصر دون أداء مقنع ممتع، لمجرد فريق كبير آخر، ومن مميزات الفرق الكبيرة أنها تفوز أحيانًا بعروض سيئة.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار