انضم إلينا
اغلاق
تقاليد كروية أوشكت على الانقراض!

تقاليد كروية أوشكت على الانقراض!

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

لا شيء قد يلخص تطور اللعبة عبر العقد الأخير؛ مثل محاولة تخيل "بيكام" كجناح عكسي؛ يتلقى الكرة ثم بدلًا من الركض على الخط، وإتقان العرضية لرأس "آندي كول" أو "فان نيستلروي" يحاول المراوغة القطرية جهة العمق، ثم يسدد في الزاوية البعيدة، أو تخيل محاولات "فينجر" لإقناع "بيركامب" باللعب في وسط الملعب كصانع لعب متأخر أمام محور الارتكاز؛ لأنها الطريقة الوحيدة التي يمكن الاستفادة بها من قدرته على التمرير وصناعة اللعب؛ خاصة أنه ليس سريعًا بما يكفي للعب على الطرف في 4-3-3 ولا هو مهاجم صندوق بالمعنى التقليدي، تخيل لو كان الثنائي أتى متأخرًا 10 سنوات فقط؛ على الأغلب كان سيتحول "بيكام" لموديل رائع؛ بينما يتعرض "بيركامب" لانتقادات حادة لفشله المستمر في المساندة الدفاعية.


كرة القدم تطورت بشكل لا يمكن حصره، ربما لا نلاحظ ذلك بالدرجة الكافية؛ لأننا نشاهدها موسما تلو الآخر، ولكن مقارنة سريعة بين العقد الأخير وسابقه ستخبرك أننا بصدد لعبة مختلفة تمامًا، لدرجة أن أهم أساطير اللعبة القديمة قد لا يجدوا مكانًا لهم اليوم. مراكز كاملة انمحت من الوجود بعد أن كان اللاعبون يُعدون لشغلها فيما مضى.!

الليبرو - لوران بلان


حتى الفِرق التي تلعب بخط دفاع ثلاثي؛ لم تعد تعتمد على "الليبرو" بمفهومه القديم، ببساطة لأن الهدف من وجوده لم يعد نفسه، لا يوجد فريق في العالم الآن بإمكانه الاستغناء عن مصيدة التسلل ولو لبضع مباريات أثناء الموسم، لذا حتى في "يوفي ألليجري" و"تشيلسي كونتي" يتكون الخط الخلفي من ثلاثة قلوب دفاع تقليدية؛ وإن اختلفت قدراتهم وإمكانياتهم، دورهم فتح عرض الملعب لمنح الحارس احتمالات أفضل للتمرير في حالة الاستحواذ، وخلق زيادة عددية في العمق في الحالة الدفاعية؛ لمواجهة الأجنحة العكسية المندفعة جهة المرمى؛ والتي تُعد -بدورها- تقليدا جديدا ميّز العقد الأخير من اللعبة.


في عالم "نوير" و"برافو" و"شتيجن" لم يعد وجود "الليبرو" بهذه الأهمية، خاصة مع دفاعات تلعب على خط واحد في أغلب الحالات لكشف مصيدة التسلل؛ لذا كان -منطقيًا- أن تتم التضحية بهذا المركز لصالح لاعب إضافي في الوسط أو الهجوم، وتوزيع مهامه من التغطية وبدء الهجمة على حارس المرمى ومحور الارتكاز.


مهاجم الصندوق - بيبو إنزاجي

بيبو إنزاجي لاعب إي سي ميلان السابق.

رويترز
 

إحدى أبرز الإحصائيات الصادمة التي ذكرها "جوناثان ويلسون" في كتابه الأشهر "الهرم المقلوب" هو انخفاض عدد الأهداف المُحرزة من المرتدات للنصف تقريبًا في آخر 10 سنوات من البطولة الأوروبية.


السبب الرئيس في نظر "ويلسون" هو ارتباط العقد الأخير بتكتيك الضغط العكسي أو الـ"Counter Pressing"، واعتماد أبرز مدربي العالم الحاليين على مجهودات خط الهجوم والوسط في استرجاع الكرة سريعًا عند فقدها في الثلث الأخير، في محاولة لمنع الخصم من بدء هجمته بالشكل السليم، ومباغتته -مرة أخرى- في مناطقه بمجرد استعادة الاستحواذ، فيما يُعرف الآن بالارتداد على المرتدة أو" Countering the Counter Attack".


كل ما سبق يصب في مبدأ الشمولية؛ السمة الأبرز للعبة اليوم، إذا امتلك "أوتاميندي" المهارات الكافية لإيقاف "كوستا" فعلى الأخير أن يتحلى باللازم لمنعه من بدء هجمته، التقهقر لجانبك من الملعب، أو محاولة الركض للحاق بالعكسية، لم يعد مجديًا؛ لأن الكرة أسرع منك في 99% من الحالات، والحل هو نقل الصراع لكافة أرجاء الملعب، دعك من أن تعقيد اللعبة ووصولها للدرجة الحالية من الصعوبة صار يتطلب مهامًا إضافية من المهاجم الوحيد؛ كالنزوع للطرف لتفريغ منطقة العمليات من المدافعين والسماح للأجنحة ولاعبي الوسط بالانطلاق للعمق دون رقابة، كل هذا لن يتم إلا بمزيد من السرعة، ومزيد من اللياقة، وقدر لا بأس به من المراوغات؛ لذا لم يعد مدهشًا أن تجد تشكلة لا تحتوي على مهاجم واحد صريح بالمعنى التقليدي؛ لأن التهديف لم يعد مهمة لاعب بعينه.


أضف لما سبق حيَل المهاجم الوهمي، وتنويعاتها التي لا تنتهي؛ لتدرك أن مهاجم الصندوق الكسول انقرض بالفعل، وحتى عباقرة التهديف كـ"تريزيجيه" و"باتيستوتا" كانوا سيصابون بالدوار قبل أن يدركوا الفرق بين الـ9 والنصف والـ10 إلا ربعا.

الظهير الدفاعي - كاخابير كالادزي

كاخابير كالادزي

مواقع التواصل الاجتماعي


أبرز مثال في هذا الصدد قد يكون ثنائية اليونايتد الحالية دارميان - فالنسيا؛ حتى مدرب متحفظ يغلب عليه الحذر الدفاعي كـ"مورينيو" لن يضحي بدور ظهير الطرف في صناعة الفرص والمساندة الهجومية، لذا قد تكون فرصة "دارميان" الوحيدة هي اللعب كمدافع ثالث في 3-4-3 أو 3-5-2، لأن كفاءة الظهير العصري أصبحت تقاس بقدرته على التقدم والمراوغة، وإرسال العرضيات المتقنة؛ بينما تعتبر الواجبات الدفاعية مجرد ميزات إضافية، أو مكملات للدور الأساسي.

هل يبدو ذلك مألوفًا؟ بالتأكيد، لأن الوصف السابق كان التعريف الأمثل للجناح التقليدي فيما مضى، مركز آخر لن تجده في خطط اليوم؛ تخيل أنه مر على اللعبة وقت ما؛ كان الجميع يلعب فيه بـ442 المسطحة، من إسبانيا جنوبًا، وحتى إنجلترا شمالًا؛ الكل يضع خط دفاع رباعي أمامه لاعبي ارتكاز، وجناحين مهمتهما تزويد الثنائي الهجومي بالعرضيات والكرات الطولية خلف المدافعين. تخيل أن قدم الجناح القوية كانت تلك الأقرب للخط؛ كرة القدم كانت بهذه المباشرة وهذا الوضوح، ووجود مهاجم متأخر كـ"واين روني" أو جناح غير تقليدي كـ"ديل بييرو" كان كفيلًا بقلب خطط المنافسين رأسًا على عقب.!

سمة أخرى تميز العصر الحالي هي التنوع؛ الآن كل جبهة عليها توفير نوعين من الفرص، والاختراقات المباشرة من الجناح العكسي وفرت مساحة كافية للظهير للصعود، وتمويل المنطقة بسيل مستمر من العرضيات، وليس أدلّ على ذلك من تحول فالنسيا جناح "ويجان" الكلاسيكي لظهير في العالم الجديد، ربما لم يكن "بيكام" ليضطر للبحث عن عمل آخر في النهاية.!

البديل الخارق - أوليجونار سولشاير


هنا يمكننا إلقاء اللوم -بالكامل- على المال والتظاهر بأن العالم كان أجمل فيما مضى عندما كان الجميع يلعب بلا مقابل، ومن أجل الشغف فقط؛ ولكننا نعلم أن هذا ليس حقيقيًا، لأن "سولشاير" لم يُعرض عليه أن ينتقل لأي نادٍ كبير آخر طوال مسيرته مع اليونايتد. "أوليجونار" كان يمثل حالة نادرة من الاتفاق العالمي، هو يعلم أنه أساسي سيء، والجميع يعلم أنه بديل رائع، وهو يعلم أن الجميع يعلم؛ وفي نفس الوقت هو راضٍ بما منحته الكرة إياه.

ولكننا في نفس الوقت لن نخطىء كثيرًا إن قلنا إن قيم الولاء والوفاء في اللعبة تراجعت فعلًا، وصار من الصعب الآن أن تجد "مالديني" أو "بوجول" أو "جيجز" آخر، تقليد آخر انقرض ولكنه الوحيد الذي يمكننا الندم عليه فعلًا، وبغض النظر عن ذلك فإن نجاح "سولشاير" كبديل هداف لم يكن الوحيد في عصره؛ بل زامنها عدة تجارب شبيهة كـ"باتريك كلويفرت" و"لارس ريكن" و"أوليفر بيرهوف" و"تيم كيهيل" والأشهر على الإطلاق؛ "هنريك لارسون". ولكن لعبة اليوم المعقدة لم تعد تسمح باندماج البدلاء بهذه السرعة وهذه البساطة.

تجربة البديل الخارق يمكن حصرها الآن في أسماء قليلة أبرزها "خافيير هيرنانديز تشيتشاريتو"، والذي تحول لأساسي ناجح هذا الموسم مع "باير ليفركوزن"، ما يبقى اسم واحد في القائمة هو "أندريه شورله"؛ بديل هداف في تشيلسي، ثم بديل هداف في فولفسبورغ، قبل أن يقرر "توخيل" إيقاف كل هذا العبث ومنحه الفرصة أخيرًا؛ ليكون بديل هداف في دورتموند.

"شورله" سجل 96 هدفًا، وصنع 39 آخر في 332 مباراة لم يكمل منها سوى 136 فقط، والمثير أن أفضل معدلاته التهديفية كانت أثناء لعبه كمهاجم في العمق؛ بدلًا من مركزه الأصلي كجناح، غالبًا لأنه أحد القلائل في عالم الكرة الذين فهموا الفارق بين الـ9 ونصف والـ10 إلا ربع.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار