انضم إلينا
اغلاق
مصر في النهائي.. عن الواقعية وما وراء الطبيعة

مصر في النهائي.. عن الواقعية وما وراء الطبيعة

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

بدعوات وتضرع المصريين واشتياقهم للفرحة فقط، منتخب مصر يجتاز المُنعطف الأكثر تعقيداً في بطولة أمم إفريقيا -حتى الآن- وينجو من خسارة شبه محققة أمام بوركينا فاسو بركلات الترجيح في نصف النهائي.
 

ما يميز تلك المباراة عن المباريات السابقة هو انقطاع خدمات الظروف من جهة مع استمرارها من جهة أخرى، ففقد الفراعنة جهود محمد النني (لاعب الارتكاز الممرر الوحيد) ليضطر الفريق للعب بثنائية طارق حامد وإبراهيم صلاح والتي تعرف جماهير الزمالك قبل غيرها كيف تعمل -أو كيف لا تعمل بمعنى أدق- في 4-2-3-1.
 

وكأن إصابة مروان محسن المهاجم الأمثل لطريقة كوبر المرهقة هجومياً بالرباط الصليبي، فجأة أصيب أحمد حسن كوكا الذي ارتضاه الجميع اضطرارياً رغم كل التحفظات، ليجد المنتخب نفسه بلا مهاجم في طريقة لعب متوفية إكلينيكياً على الصعيد الهجومي.
 

قال عصام الحضري بطل المباراة عقب نهايتها أن إحساسه قاده للتصدي إلى الركلتين الرابعة والخامسة على التوالي، أليس من الواضح أن ذلك لم يكن ليحدث ليحدث لو خانه ذلك الإحساس؟
 

يقف الآن الجانب المصري بأكمله أمام خيارين: إما مراجعة النفس لإصلاح الأخطاء قبل خوض اللقاء الأخير وإما ممارسة النشاط المعتاد بكنس التراب أسفل السجاد، لا يختفي هكذا ولكن يخرج من مجال الرؤية!
 

120 دقيقة من الدعاء

فريق يهاجم بضراوة فاقداً التوفيق وجودة الإنهاء أمام فريق يدافع بـ9 لاعبين وفي أسوأ الأحوال بـ8 حين يتقدم صلاح قليلاً، فقط محمود عبد المنعم "كهربا" يمكن القول بأنه امتلك قسطاً ضئيلاً من الحرية في مركز المهاجم الاضطراري.
 

متوسط تمركز اللاعبين يظهر تواجد 4 لاعبين من مصر بالكاد تجاوزوا خط المنتصف في مواجهة رباعي بوركيني، بقية الفريقين في منتصف ملعب الفراعنة -(beIN Sports) 


كابوس عاشه أحمد فتحي في أسوأ مباراة له بالبطولة أمام قطار برتراند تراوري المستمر في الاختراق طرفاً وعمقاً ولكن تواجد محمود حسن "تريزيجيه" دائماً بجانبه قلص أكبر قدر ممكن من الأضرار، لم يكن أحمد المحمدي أفضل حالاً على الجهة الأخرى أمام بريجوس ناكولما مع تقدم أكبر في ظل مساندة أقل من صلاح المُستنزف.
 

(الخريطة الحرارية لظهيري مصر المحمدي وفتحي (يمين) وجناحي بوركينا ناكولما وتراوري (يسار) - beIN Sports)

شوط أول مالت خلاله الكفة لبوركينا بـ10 محاولات منهم 4 على مرمى الحضري، في شوط واحد نجح منتخب بوركينا في معادلة إجمالي التسديدات التي تلقتها مصر طوال دور المجموعات رغم عدم ميل كفة التواجد في الثلث المصري طوال الشوط بل لصالح المنتصف الآخر بفارق 1%، ليتجرأ باولو دوارتي مدرب بوركينا ويزيد من تقدم فريقه بحثاً عن الهدف، الأمر الذي منح المصريين نافذة للتنفس رغم عجز شبه كامل في بناء الهجمة بسبب نوعية لاعبي الوسط أضف إلى ذلك مباراة سيئة من إبراهيم صلاح على وجه التحديد.
 



(مناطق الحركة للشوطين الأول ثم الثاني وشتان الفارق الفادح بين تحول النسب من تفوق ضئيل لتواجد الكرة في الثلث الدفاعي لبوركينا إلى فارق يفوق الضعف في الثلث المصري بالشوط الثاني! - beIN Sports)
 

امتلكت بوركينا 7 محاولات منهم 4 آخرين على المرمى، بينما امتلكت مصر 4 محاولات واحدة فقط على المرمى سكنت الشباك من عملية نقل الكرة الجيدة الوحيدة تقريباً، إبراهيم صلاح يمرر للمحمدي الذي يمرر لكهربا ليعيدها بدوره لمحمد صلاح وبتسديدة رائعة للغاية تسكن الشباك، شيء حدث مرة ولم يكن من الممكن أن تُعلَّق الآمال على مشاهدته مرة أخرى.
 

ما هي إلا دقائق معدودة حتى مرر بلاتي إلى الظهير الأيمن ستيف ياجو من وراء فتحي ليعيدها بالكعب إلى شارل كابوريه الذي لعب عرضية في موقف "مَن يقف أين؟": جبر ذهب وراء فتحي ربما لإغلاق زاوية لعب العرضية من ياجو، حجازي والمحمدي أمام الحضري، إبراهيم صلاح تائهاً في وسط المنطقة يزعم أنه يراقب أريستيد بانسيه، لتجتازه العرضية إلى المهاجم الذي تسلم وسدد فسجل. بالمناسبة كان ناكولما خالياً تماماً من الرقابة وراءه، لم يكن هناك مفر من تلقي الهدف في ظل تلك الوضعية.
 

ما كادت الجماهير المصرية تفيق من صدمة الهدف حتى كشف هيكتور كوبر عن واحد من أكبر إبداعاته، تغييره الذي كان يحضر له قبل الهدف ولم يتراجع عنه بعده: نزول عمرو وردة بدلا من كهربا، قرر كوبر لسبب ما أن وردة يصلح مهاجماً، وبذلك توفيت العملية الهجومية إلى رحمة الله تعالى، وإن حاول رمضان صبحي عقب نزوله على حساب المرهق تماماً تريزيجيه إعادة إحيائها، باءت كل جهوده بالفشل في ظل ضعف وردة البدني أمام دفاع ليس بتلك القوة التي جعلها المنتخب المصري تبدو عليه إطلاقاً.
 

بدأت الأشواط الإضافية ولكوبر هدف وحيد حاول الحفاظ عليه بشتى الطرق والوسائل: الوصول لركلات الترجيح، ويبدو أن المدرب الأرجنتيني كان أكثر ثقة بالحظ وعصام الحضري من خطته ذاتها! تحرك وحيد وأخير بإشراك عمر جابر على حساب المحمدي لتأمين الجبهة اليمنى بعد أن تم استنزاف الأخير أيضاً، ليؤتي ثماره ويمر الفراعنة إلى حيث أراد كوبر.
 

الخلاصة: تفوق وتوفيق وخبرة الحضري ابن الرابعة والأربعين من العمر عبرا بالفراعنة إلى نهائي الكان.
 

رحلة إلى مركز الواقعية!

كل الحُجج المدافعة عن كوبر تسقط واحدة تلو الأخرى عدا النتائج، بطريقة أو بأخرى لا يزال الفراعنة في البطولة بل وفي مرحلتها الأخيرة، بـ4 أهداف فقط في 5 مباريات، كل مرة يتحقق المطلوب بشكل أو بآخر.
 

قيل أن أرضية الملعب الذي استضاف دور المجموعات ومباراة المغرب سيئة للغاية وهذا صحيح، ولكن ذلك الأمر كان في صالح مصر وليس العكس وهو ما ظهر بمجرد مغادرة ذلك المرعى العشبي! الفريق يلعب Anti-Football خالصة وإن كانت اضطرارية أو واقعية أو أياً كان المسمى. تسلل وحيد طوال 120 دقيقة ضد مصر التي لا تتقدم لإسقاط بوركينا في تلك المصيدة ولم تقع في مصيدة بوركينا سوى مرة واحدة لأنها نادراً ما نجحت في الخروج بالكرة إلى مواقع الخطر.
 

لم تكن 4 تسديدات مباشرة على المرمى في مباراة المغرب (ما يساوي كل ما تلقاه المرمى المصري في دور المجموعات: مالي 2 - أوغندا 0 - غانا 2) كافية للإشارة بوجود خلل ما أمام الضغط، فتلقى المنتخب 8 تسديدات دفعة واحدة تلك المباراة أي ما يساوي كل ما تلقاه في جميع المباريات قبل نصف النهائي!

(مسارات التمريرات الخاطئة للمنتخب المصري .. المزيد من الطوليات! - beIN Sports)

النقد ليس موجهاً للنهج الدفاعي في حد ذاته فهو "واقعي"، لكن كل الأنظمة الدفاعية لديها شكلاً ما للعملية الهجومية، فقط فريق كوبر يكتفي معظم الوقت بإلقاء الطوليات وانتظار الفرج، قلما شوهد شكلاً فعالاً لعملية الاستحواذ وفي المرات النادرة التي يحدث بها ذلك ينجح الفريق بالتسجيل أو إحداث الخطر، لماذا لا يتكرر هذا؟ واقعية.. ليت الجميع يٌخلص في عمله إخلاص الأرجنتيني لطريقته!
 

(هدف مصر وعملية نقل الكرة - beIN Sports)

حُجة وحيدة لا تزال صالحة لالتماس العذر وهي الغيابات، القائمة تتضمن مهاجمين فقط وتعرضا للإصابة، قد يُسأل كوبر عن سبب عدم وجود خيار ثالث ولكنها ظروف سيئة بأي حال. ما يٌسأل عنه الأرجنتيني حقاً هو سر اختيار ممرر وحيد في منتصف الملعب يعجز تماماً عن إيجاد بديل له منذ تعرضه للإصابة، لنضطر لمشاهدة ثنائيات مثل "حامد-فتحي" ثم "حامد-صلاح". كما قلنا من قبل طارق حامد دفاعي صريح، لا يبخل بقطرة عرق لمطاردة الكرة، ما دمت اخترته لأداء هذا الدور فيجب أن تمنحه ممرراً جيداً ليجاوره، أين هو منذ غياب النني؟
 

في تحليل الزميل أحمد مجدي رجب لمباراة أوغندا ذكر أن "الجماهير قد تسامح الخاسر الجيد ولكنها لن تسامح أبداً الخاسر السيء"، فقط الحضري أنقذ كوبر من الغضب الشعبي عقب تلك المباراة المأساوية.
 

تأهل المنتخب الكاميروني لمواجهة الفراعنة في النهاية بعد الفوز على غانا 2-0، وهو ليس نفس الفريق الذي اعتدناه، بأسماء أقل ثقلاً وطريقة لعب مغايرة، يمكن القول تقريباً أنه هزم غانا بنفس طريقة الفوز المصري في دور المجموعات. ليسوا بنفس القوة ولا يجدر توقع الحصول على مساحات منهم بسهولة.
 

شاهد كوبر تلك المباراة تحضراً لمواجهة الخصم القادم وكأنه يحاول إقناعنا أنه يمتلك المرونة الكافية للتعامل مع الخصوم أو ما شابه، فهل حقاً يمتلك المدرب الشهير بسوء الحظ في النهائيات حلاً أفضل مما قدم أم سيظل الحظ طريقاً وحيداً للنهاية السعيدة؟

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار