انضم إلينا
اغلاق
أكثر من مجرد نهائي.. ما خسرته مصر بجانب الكأس

أكثر من مجرد نهائي.. ما خسرته مصر بجانب الكأس

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
لعلها المرة الأولى التي يدخل فيها المنتخب المصري بطولة الأمم الأفريقية ويخرج منها خاسرًا ما هو أكثر من البطولة نفسها، كيف تخسر ما لم تفز به بعد؟ الإجابة عند هيكتور كوبر، ومن خلفه الاتحاد المصري، والمتطوعون بالتنظير والتبرير لكل ما فعله الرجل دون تدقيق أو تفنيد.


دخل المنتخب المصري البطولة وهو يحمل إرثا عريقا من التفوق الأفريقي، صنعه الرجل الذي يؤمن السابق ذكرهم بأنه محظوظ ليس أكثر، وأن نجاح منتخبه يعود لنجاح مانويل جوزيه المدير الفني للنادي الأهلي آنذاك، متناسين الفارق بين أن تواجه إيتو وجيريمي ودروجبا وتوريه ومارتينز وتايوو وسط منتخبات متخمة بالمحترفين، وبين أن تواجه بيترو أتليتكو وإينوجو رينجرز ومازيمبي، وأن الأخيرة مهما فعلت ستظل فرقًا محلية بلا إمكانيات تفقد نجومها موسميًا لتصنع المزيد من المحترفين، جاعلة مهمة شحاتة وفريقه أصعب في كل مرة.

دخل المنتخب المصري البطولة وهو يحمل تاريخا مجيدا صنعه بطريقة لعب متوازنة وجريئة فاجأت الجميع بما فيهم المصريين أنفسهم، بذكرى فريق شحاتة المرعب الذي مزق شباك كبار القارة مرارًا بنتائج ثقيلة، ولكنه دخلها بعقلية الفريق الأضعف، الأحوج لمراكمة لاعبيه أمام المرمى وانتظار الخصم، ثم تبرير كل ذلك الخوف بالواقعية والعبقرية التكتيكية، وبالحديث البائد عن الدفاع الذي يجلب الحسنات والهجوم الذي لا يجلب إلا السيئات، والذي يحمل بين طياته خيارًا إجباريًا بين الأداء والنتيجة، وكأن هناك تعارضًا بين الاثنين، فخرج منها خاسرًا كل شيء؛ شخصيته التي تكونت على مدار ثلاث بطولات سابقة، وروحه المغامرة المبادرة ومناطحته للكبار بجرأة يُحسد عليها، وبالطبع كأس البطولة التي ضحى من أجلها بكل ذلك في المقام الأول.

قماش وأثواب

الحقيقة أن انتصار كوبر الأبرز حتى الآن هو نجاحه في إقناع 100 مليون مصري بأن المنتخب الحالي أقل وبكثير من منتخب 2006.

رويترز
 

يقول كونتي؛ أحد أبرز مدربي العالم الذين يمكن وصفهم بالواقعية فعلًا، دون أن تحتاج للَيّ عنق الواقعية لتعني شيئًا آخر غير معناها الأصلي، أنه يصنع ثوبه من الأقمشة المتاحة له أيًا كانت، المشكلة أن تلك الحجة كانت هي نفس الحجّة المفضلة لأنصار طريقة المدرب الأرجنتيني، والفارق الوحيد هنا أننا نعلم أن كونتي جرب عدة طرق ليصل لثوبه الحالي مع تشيلسي وكان مصيرها الفشل، لذا فهناك سبب منطقي لاعتبار الطريقة الحالية الأفضل والأنسب للقماش المتاح فعلًا، ولكن كوبر لم يخبرنا متى حاول أن يقدم أي شيء مختلف عما اعتاد تقديمه طيلة حياته، سواء مع المنتخب المصري أو غيره، ولماذا قرر الجميع فجأة أن هذا أفضل ما يمكن الحصول عليه من القماش الحالي؟ كيف تصل لتلك الدرجة من اليقين والجزم بأفضلية شيء ما وأنت لم تجرب غيره من الأصل؟

الحقيقة أن انتصار كوبر الأبرز حتى الآن هو نجاحه في إقناع 100 مليون مصري بأن المنتخب الحالي أقل وبكثير من منتخب 2006، وأن فريقًا يضم أفضل مجموعة من المحترفين في تاريخ مصر هو بالطبع أقل خبرة وإمكانيات من فريق مكون من عناصر الأهلي والإسماعيلي والزمالك والمحلة، وأن منتخبات أفريقيا البائسة الحالية قد توضع في مقارنة مع الغيلان التي واجهها منتخب شحاتة، ورغم أن 90% ممن شاهدوا المباراة لا يعرفون لاعبًا واحدًا في تشكيل منتخب الكاميرون، إلا أن كوبر لم يبذل جهدًا كبيرًا في إقناعهم بما سبق، بل ربما لم يبذل أي جهد على الإطلاق، لأنهم أرادوا تصديقه من البداية.

بالطبع ساعدت كوبر ذاكرة انتقائية قيّمت منتخب شحاتة باعتبار ما حدث لاحقًا، واعتبرته جيلًا استثنائيًا قُدِّم له على طبق من ذهب، ونسيت أن نفس الجيل بكامل نجومه؛ أبو تريكة وحسني عبد ربه ووائل جمعة وغيرهم، كان قد قاسى الأمرّين قبل تعيينه بشهور مع سلفه الإيطالي ماركو تارديللي، ولم يقدموا شيئًا يُذكر في تصفيات كأس العالم..

ولو كانت الأزمة أزمة لاعبين لما نجح المعلّم بنفس المجموعة، ولما نجح في تعويض أبو تريكة نفسه والذي يعتبر من أفضل لاعبيه عندما أصيب في عام 2010، لذا فالمقارنة المنطقية هنا ستكون مع نفس الجيل ولكن إبان فترة تارديللي، لأن الفارق بين هذا وذاك لم يكن وليد الصدفة، ولأن شحاتة لم يتنبأ بالمستقبل عندما بدأ مسيرته، ولم يتوقع أن نفس الفريق سيمطر شباك الكاميرون وكوت ديفوار والجزائر بالأهداف، ولكنه عمل من أجل ذلك، آمن بلاعبيه ومنحهم الثقة، وهو الشيء الوحيد الذي لم يفعله تارديللي ولا كوبر.

جرينتا، تنظيم دفاعي، وأشياء أخرى

النتيجة هي منتخبٌ لم يستحق اللقب، وجمهورٌ يتحجج بالظروف رغم أنها لم تفعل سوى أنها خدمته طوال البطولة. (رويترز)


الآن أدرك الجميع أخيرًا أن التنظيم الدفاعي لم يكن في واقعه تنظيمًا، ولم يكن دفاعيًا كذلك، ولكنه كان أقرب للمراكمة من كونه أي شيء آخر، لأنه من المستحيل الحكم على جودة أي تنظيم دفاعي - بداهة - دون وضعه في مواجهة المساحات، وهو ما فشل فيه المنتخب المصري بامتياز أمام الكاميرون، بل وفشل فيه أمام بوركينا فاسو رغم غياب المساحات من الأصل واحتفاظه بوضعيته الدفاعية طيلة المباراة تقريبًا، ولكن قرر الجميع إدارة رؤوسهم للجهة الأخرى متظاهرين أن ركلات الترجيح كافية للتدليل على التفوق، ولو كانت كذلك لما وضعتها قواعد اللعبة كحل أخير لفض النزاع.

دعك من الحديث المستهلَك عن الروح القتالية التي لم تظهر في مباراة النهائي رغم الأداء الجيد في شوطها الأول، ورغم أن المنتخب المصري قضى أغلبها متعادلًا في النتيجة وحظوظه قائمة، لكن كوبر فشل في تحفيزه بالشكل الكافي، وبالطبع أتت باقي التفاصيل المتكررة من تأخر التغييرات والفشل في السيطرة على وسط الملعب وسد الثغرات الدفاعية رغم وضوحها، أو حتى إنتاج جملة تكتيكية واحدة تسمح باستغلال المساحات الشاسعة خلف خطوط الخصوم المندفعين، تفاصيل أصبحت معتادة ولكن الفوز كان له مفعول السحر فيما سبق.

النتيجة هي منتخبٌ لم يستحق اللقب، وجمهورٌ يتحجج بالظروف رغم أنها لم تفعل سوى أنها خدمته طوال البطولة، ويلوم غياب التوفيق رغم أنه لم يحاول إلا نادرًا، ويتحدث عن أرضية الملعب السيئة رغم أن الأبحاث العلمية أثبتت أن تأثير الملعب يكون متساوٍ على الطرفين، لأن الطرفين - للمفاجأة -  يلعبان على نفس الملعب، بل ولا مبالغة إن قلنا أن خصوم المنتخب المصري تعرضوا للضرر الأكبر مع المساحات النادرة التي مُنحت لهم، ناهيك عن جرأة البعض في تعليل أداء الشوط الثاني المزري بالإرهاق، مع أن المنتخب المصري حظي بيوم إضافي للتعافي من المباراة السابقة مقارنة بنظيره الكاميروني.

من رحم الأزمة



الصورة النهائية قد تكون قاتمة فعلًا، ولكنها لا تختصر كل شيء؛ فالمنتخب المصري يمتلك عناصر واعدة لا ينقصها إلا حسن الإدارة والتنظيم، ومدربٌ متنوعٌ قادرٌ على تقديم حلول مختلفة ويمتلك مرونة تكتيكية تسمح له بالتأقلم مع عشوائية فرق القارة ومفاجآتها المستمرة.

الأهم من كل ذلك أن ينضج إيمان حقيقي بأن المصريين مثلهم مثل أي جمهورٍ للعبة في العالم، يستحق ما هو أفضل، لأن الحقيقة المطلقة الوحيدة هي أن المبررات سهلة، والحجج متاحة للجميع، وأن أحدًا لم يكن ليلوم شحاتة لو كان قد قرر اتباع خطى كوبر، متعللًا بمجموعة من اللاعبين المحليين الذين لا يملكون أي خبرة في البطولات الأفريقية ولم يسبق لهم النجاح بها، ولا تضم صفوفهم مجموعة المحترفين الحاليين، وهو الخطأ البديهي الذي يرتكبه أصحاب محاولات تحليل أداء المنتخب المصري الآن..

هذه التحليلات التي ترتكز على اعتبار المشكلة في اللاعبين لا المدرب، لأنها لم تعالج تجربة شحاتة بالطريقة التي تستحقها، ولم تمنح الرجل حقه من الإشادة والتقدير، واعتبرت أداء منتخبه مجرد صدفة أو هدية من البرتغالي مانويل جوزيه أو توفيق أو أي شيء غير كونه عمل جاد ومجتهد من مدربه، بينما سارع الكثيرون لإسباغ صفات العبقرية والدهاء على رجل انحصرت كل خبراته التي جاوزت ربع القرن في تقديم أقبح منتج كروي وتكتيكي شهدناه منذ فترة طويلة، فقط بحجة النتائج.

المفارقة الساخرة القاسية هنا أن الشيء الوحيد الذي يجعل الجميع يجزم الآن بتفوق جيل 2006 على الجيل الحالي هو نفسه الشيء الوحيد الذي أصرت الجماهير المصرية على التسفيه منه طيلة الأسابيع الماضية، والشيء الوحيد الذي لا يجوز نسب الفضل فيه لأحد سوى المدرب؛ الأداء.

والمشكلة أن الجميع ينسى أنه أداءٌ لم توحي به تشكيلة 2006 في بدايتها، ولا توحي به التشكيلة الحالية للوهلة الأولى كذلك، ولو كان كوبر هو من تولى المسؤولية في 2006، لما علمنا بقدرة المصريين على تقديمه أبدًا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار