انضم إلينا
اغلاق
المصارعة في زمن الوصاية الأبوية

المصارعة في زمن الوصاية الأبوية

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض
في مجال المصارعة الترفيهية لا صوت يعلو فوق صوت WWE، فهي المنظمة الأقوى في مجالها منذ إنشاءها في خمسينيات القرن الماضي، ومهما كانت المنافسة التي تواجهها فهي في النهاية ستظل صاحبة الصوت الأعلى والشعبية الجارفة، قياساً على الوطن العربي.

 

يجب أن تكون متابعاً جيداً للعبة حتى تكتشف وجود منظمة أخرى تدعى TNA تقوم بالعمل ذاته رغم أنها الثانية عالمياً، ستمر لاحقاً بـ ROH (Ring Of Honor) ثم New Japan Pro Wrestling ولكن دورهم يقتصر في النهاية على تصدير أفضل المواهب للمنظمة الأكبر أو الحصول على الفائض منها.

 

تلك الحالة تم ترسيخها منذ مطلع القرن الحالي وحتى يومنا هذا وربما إلى الأبد بعد نجاح المنظمة المملوكة لعائلة مكمان في القضاء على أصعب تحدٍ واجهته في تاريخها متمثلاً في WCW، المنظمة الوحيدة التي تفوقت على WWE (أو WWF آنذاك) في التسعينات بقيادة تيد ترنر وجيم كروكيت، صانعةً نجومها الخاصة ومستفيدة من كل نجم يترك الجهة الأخرى، ويتجلى ذلك الصراع في واقعة "خيانة مونتريال" الشهيرة عام 1997.

 

من مونتريال إلى الانفراد


تعود الجذور إلى الكندي بريت "ذا هيتمان" هارت والذي كان في تلك الفترة برأي العديد من المتابعين أكبر نجوم اللعبة، ورغم توقيعه لعقد يمتد لـ20 عاماً، تسببت معاناة  WWF المادية في تلك الفترة.

وفي خضم الصراع بطلب فينس مكمان من نجمه الأول أن يبحث عن عقد جيد له في WCW، متجاهلاً رغبته في البقاء واستعداده لإعادة التفاوض حول عقده الحالي معهم، في النهاية رضخ بريت ووقع عقداً للانتقال إلى الجهة المنافسة، وكان من المفترض أن يخوض آخر مبارياته على اللقب ضد شون مايكلز -وللثنائي تاريخ عدائي داخل وخارج الحلبة- في عرض Survivor Series بمونتريال مسقط رأس هارت، مما دفعه لرفض الخسارة أمام مايكلز هناك مهما كلف الأمر.

 

كان أكثر ما يخشاه فينس مكمان هو أن يأخذ هارت حزام البطولة ويتجه به إلى الغريم، وهو ما تعهد الكندي بعدم فعله واقترح أن يسلم اللقب بعد تلك المباراة بأي طريقة يرتضيها المالك سواء بالتنازل عنه في عرض Raw التالي مباشرة أو خسارة أي مباراة أخرى بعد أسابيع قليلة، وهو ما وافق عليه مكمان أيضاً، ولكن أثناء المباراة استخدم مايكلز حركة إخضاع فأمر فينس بإنهاء المباراة واحتساب الفوز لمايكلز رغم أن هارت لم يستسلم أبداً، تلك الواقعة فتحت بوابة ضخمة من الكراهية والانتقادات ضد فينس ولكنها كانت إحدى أهم الخطوات النهائية في طريق تأسيس الحقبة الأروع برأي العديد من المتابعين في تاريخ WWE وهي المعروفة باسم Attitude Era.

 

أجاد مكمان استغلال تيارات الكراهية مدشناً شخصية "مستر مكمان" المالك المكروه والذي يضع العراقيل في وجه معشوقي الجماهير، ويتلفه المتابعين لرؤيته يتعرض للضرب، فحين يتعلق الأمر بتحويل أي شيء إلى أموال لا يوجد الكثير من الرجال أفضل من مالك WWE في تلك المسألة.

 

وفي حقبة تألق خلالها D-Generation X الفريق المكون من تريبل اتش وشون مايكلز وتشاينا، وتسيدها ستيف أوستن أبرز أعداء الرئيس على الحلبة إلى جانب ذا روك، وشهدت استحضار شخصية "كين" ووضعه في سيناريو أخوة وعداوة مع أندرتيكر والتي كانت أبرز عداوات تلك الفترة، عاش WWE فترة مزدهرة أسفرت عن شراءه في النهاية لـ WCW بكل ما تملكه من حقوق بث إلى جانب عدد كبير من نجومها.

 

بعد نهاية المنافس الأقوى عام 2001، تم تأسيس TNA وROH عام 2002 ولكن لم ينجح أحدهما أبداً بمقارعة الرأس الأكبر، ربما حظي TNA بالقليل من التفوق في بعض العروض، ولكنه لم يكن أبداً منافساً بقوة WWE، ففي النهاية حصل مكمان على "إيه جي ستايلز" بطل TNA الكبير وأكثر وجوهه الخالصة شعبية، وحتى "ستينج" الذي كان أسطورة المصارعة الوحيدة التي لم تظهر في WWE أبداً، حيث انتقل من WCW إلى TNA، في النهاية نجح الإتحاد الأقوى في الحصول عليه عام 2014.

 

زمن الـPG.. مكاسبه وأضراره

اعتماد نظام TV-PG للبث قاد لمكاسب مادية خرافية عبر تحويل مصارعة المحترفين لبرنامج عائلي يصلح لجميع أفراد الأسرة باجتذاب المزيد من الأطفال وبالتالي ذويهم

رويترز

 تلك الأجواء تركت WWE ينافس نفسه بشكل مطلق، حتى قرر السير باتجاه جديد بدأ عام 2008 بتصنيف العروض تبعاً لتقييمات نظام TV Parental Guidelines أو الإرشاد الأبوي لتحديد الفئات العمرية المتابعة، والتي تضم 6 فئات على النحو التالي:

TV-Y: صالح لكل الفئات العمرية.

TV-Y7: للأطفال من 7 سنوات.

TV-G: معظم الآباء سيجدونه مناسب لأطفالهم.

TV-PG: بعض محتوى البرنامج قد يجده الآباء غير مناسب للأطفال الصغار.

TV-14: لمن فوق 14 عاماً.

TV-MA للبالغين فوق 17 عاماً.

 

وبذلك دخلت عروض المنظمة تحت الفئة الرابعة للتصنيف، وهو ما قاد لبعض التعديلات الجوهرية تقيداً بما يمكن تقديمه للفئات العمرية الأقل، الأمر الذي عنى القضاء بشكل شبه كامل على الألفاظ غير اللائقة، وعدم استخدام أي دماء غير حقيقية، والتخفيف من حدة وخطورة النزالات والمشاهد الخطرة.

 

منذ عام 2008 وحتى الآن -ورغم أن الاتجاه العام بدأ يبشر بالخروج من العصر الحالي- لا يوجد ما يضاهي فترة الـ Attitude Era وما تلاها حتى ظهور الـPG، فلن نرى ميك فولي يسقط على يد أندرتيكر من أعلى القفص فوق مسامير مجدداً! ولن نشاهد نزالات تدور في حلبة تحيطها النيران، لن نرى دماء في القتال أبداً إلا إذا سالت الدماء الحقيقية للمصارع خلال النزال عن طريق الخطأ.

 

اعتماد ذلك النظام قاد لمكاسب مادية خرافية عبر تحويل مصارعة المحترفين لبرنامج عائلي يصلح لجميع أفراد الأسرة باجتذاب المزيد من الأطفال وبالتالي ذويهم، وهو ما تبينه الأرقام (حيث حطم ريسلمينيا 28 عام 2012 الرقم القياسي لأرباح عروض المصارعة مسجلاً 67 مليون دولار قبل أن يعيد ريسلمينيا 29 في العام التالي تحطيمه بـ72 مليون دولار)

 

أضف إلى ذلك ارتفاعاً كبيراً في نسبة بيع المنتجات الخاصة كالقمصان وتذكارات النجوم التي يحبها الأطفال، وزيادة ضخمة في أرباح الإعلانات مع اتساع الفئات المشاهدة، وبما أن WWE قد تحولت منذ عام 1999 إلى شركة مساهمة تملك فيها عائلة مكمان النسبة الأكبر ويحتفظ فينس مكمان لنفسه بنسبة 52%، إلا أن ذلك يعني دخول أموال مستثمرين آخرين على الخط، ما يعني اجتذاباً أكبر لتلك الفئة أيضاً.


ميزة جديدة تضاف لتوسيع القاعدة الجماهيرية هي بيئة أكثر أماناً للعمل، فمنع الضربات والتحديات الخطرة وأبرزها ضربات الكرسي على الرأس يضمن سلامة المصارعين ونسبة أقل للإصابة وبالتالي حاجة أقل للمسكنات والمنشطات، التاريخ يروي حوادث بشعة كوفاة أوين هارت عام 1999 نتيجة لسقوطه خلال دخوله من أعلى القاعة إلى الحلبة بواسطة الحبال، والعثور على إيدي غيريرو عام 2005 فاقداً للوعي في غرفته بفندق ثم إعلان وفاته بواسطة المسعفين والذي تحوم المنشطات وخاصة "الستيرويد" حوله، وأخيراً أبشعهم على الإطلاق بانتحار كريس بينوا عام 2007 عقب قتله لزوجته وطفله.

 

على النقيض الآخر تماماً، تسبب ذلك الأمر في عزوف عدد لا بأس به من المتابعين القدامى، وهبوط نسب المشاهدة التليفزيونية والتي تقاس بنظام التقييم للعروض الأسبوعية بعكس النسب المرتفعة للعروض الشهرية، (حيث انحدر تقييم عرض RAW لـ2.1 فقط للمرة الأولى منذ قرابة العقد بأقل من3 مليون مشاهد، بالمقارنة مع عرض رو التالي لريسلمينيا عام 2000 الذي أتى تقييمه مسجلاً 6.23)

 

في الوقت ذاته وتحت قيود الـPG ظهرت أضرار انعدام المنافسة، بظهور فقر الإبداع في معظم السيناريوهات وتكرر سير الأحداث وسهولة توقع ما سيحدث في سير عداوة ما بالنسبة لأي متابع منتظم، كما بات اعتماد المنظمة على ماضيها كبيراً، الأمر الذي دفعها لاستدعاء ذا روك أكثر من مرة وسياسة استقدام القدامى والمعتزلين لرفع شعبية الحدث سواء بأدوار رئيسية أو ثانوية كأحد حلول كسر رتابة الأجواء، وآخر تلك الأمثلة هي الحدث الرئيسي لعرض Survivor Series في نوفمبر الماضي والذي تم استعادة جولدبرج ليواجه بروك ليسنر خلاله.

 

ركزت WWE على الجيل الجديد من المتابعين بينما أهملت الجيل الجديد من المصارعين، لذلك واصلت استغلال أساطير الماضي عوضاً عن صنع أساطير جدد، تتعدد الأمثلة لنجوم حصلوا على دفعات كبرى في بدايتهم وصوروا كأبطال خارقين ووضعت عليهم آمال المستقبل، ثم نكتشف في النهاية أنهم ليسوا سوى فرائس يتم تسمينها جيداً لتغذية جون سينا! أو يتم رفع أسهمها بواسطة سينا ثم التخلص منها بلا سبب.


القائمة تطول، فريق "نيكسوس" بدأ باحتلال رو بالكامل بينما لم يفز قائده ويد باريت بلقب العالم واتجه للمنافسة على الألقاب الأقل لاحقاً، وبالمناسبة قضى عليه سينا بالكامل في ليلة واحدة في عرض سماك داون. يأتي أيضاً ذا ميز الذي فاز بالحدث الرئيسي لريسلمينيا 27، عام واحد قبل مشاركته في رسيلمينيا 28 كمجرد جزء من فريق في مباراة أقيمت ختاماً لعداوة بين مديري رو وسماك داون.

 

أيضاً هذا الوحش المسمى "رايباك" والذي قيل عن خليفة جولدبرج أين هو الآن؟ كرتيس أكسيل الذي دخل صراعاً مع أسطورة بحجم تريبل إتش وانتصر؟ ألبرتو ديل ريو؟ بيج إي لانجستون؟ كل هؤلاء الذين تم تصديرهم ليصبحوا الأوجه الرئيسية للمنظمة لفترات قصيرة للغاية أين هم الآن؟

 

في ضوء كل العوامل السابقة، يخبرنا الواقع بأنه لا عودة إلى ما مضى، ولكن هناك فرصاً لتحسين المتاح، فهي تظل المنظمة الأقوى وصاحبة القدرة الانفاقية الأكبر ولا يوجد من يدنو منها حتى يقارعها، ولكن إن ظلت تقلب في دفاترها القديمة فإلى متى ستعيش؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار