انضم إلينا
اغلاق
صنع في الصين.. هل يستهدف التنين غزو أوروبا؟

صنع في الصين.. هل يستهدف التنين غزو أوروبا؟

(الجزيرة)

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض
كلنا نعرف رتابة سوق انتقالات الشتاء، فعادةً لا تجد سوى الأندية صاحبة الوضع المتأزم أو التي لديها ثغرة نتجت إما عن سوء التدعيم الصيفي أو الإصابات، فقط تلك النوعية هي من تندفع بقوة حقيقية بحثاً عن اللاعبين، ويليها هؤلاء الذين يسعون لإكمال الصفوف أو تٌتاح لهم فرصة ذهبية، والملاذ معروف، إما المغضوب عليهم في أنديتهم الكبرى (مورجان شنيدرلين وممفيس ديباي من مانشستر يونايتد إلى إيفرتون وليون على الترتيب)، وإما نجوم الفرق الأقل (روبرت سنودجراس من هال سيتي إلى وست هام يونايتد)، أو نجوم الفرق المقاربة في جدول الترتيب ولكنك تمتلك المزيد من الأموال (جوزيه فونتي من ساوثامبتون إلى وست هام أيضاً).

 

ولكن هذا الشتاء حل ضيف كريم وثقيل في آن واحد محطماً خط السير المعتاد في أوروبا، تلك الرياح العاتية القادمة من آسيا متمثلة في الدوري الصيني، الذي افتتح يناير بالحصول على صانع الألعاب البرازيلي أوسكار من تشيلسي مقابل 60 مليون يورو، ثم التعاقد مع النيجيري جون اوبي ميكيل من نفس النادي مجاناً، وشهد الطريق صفقات أخرى مثل أدريان راموس مهاجم بوروسيا دورتموند السابق وأخيراً -وبالتأكيد ليس آخراً- ألكساندر باتو من فياريال ليواصل الدوري تدعيم صفوفه بالسُلالة البرازيلية.
 

تابعنا مؤخراً أزمة دييجو كوستا مهاجم تشيلسي وابتعاده عن التدريبات لفترة وما أشيع عن شجار بينه وبين مدربه أنتونيو كونتي انتهى بقول الأخير له "اذهب إلى الصين"، خرج كوستا من قائمة مباراة ليستر سيتي وكاد الجميع أن يُسلم بقبوله للعرض الخرافي بالتزامن مع وجود وكيله خورخي مينديز مع مالك نادي تيانجين كوانجيان، ولكنه استمع لصوت المنطق في النهاية: لا أحد يترك موقعه الأساسي في فريق على قمة البريميرليج ويُنتظر تتويجه بنهاية الموسم.
 

السؤال هنا، كيف يمكن لدوري آسيوي مهما كان حجم الأموال التي ينفقها أن يوشك على زعزعة استقرار متصدر الدوري الإنجليزي؟
 

الدوافع؟

لن يمتلك أحد موهبة رونالدينيو إمبراطور المتعة شحيحة الفاعلية، ولا روبينيو الذي قال عنه بيليه أنه خليفته.

رويترز
 
من المفهوم للغاية أن يبحث اللاعب عن الأموال فقط في نهاية مسيرته الكروية تأميناً لمستقبله، خاصةً إن فقد موقعه في التشكيل منذ زمن شأن ميكيل مثلاً، ولكن لا ينطبق الأمر ذاته على كوستا، ليس فقط لأن الأموال التي يتلقاها ليست قليلة بل لأنه في السادسة والعشرين من عمره وفي قمة عطائه ومستواه، التقارير الصحفية تواصل إشاعة رحيله عن البلوز في نهاية الموسم لوجهات أوروبية متعددة وقد نراه في الصين فعلاً، فهل لأصوله البرازيلية دور في ذلك؟

 

بالحديث عن الأصول البرازيلية تبدو مسيرة الغالبية الأعم من أبناء السامبا متشابهة، فبين البحث عن الشهرة أو المال أو المتعة أو جميع ما سبق تضيع الموهبة، لهذا يسهل بشدة على أمثال ريناتو أوجوستو وأليكس تيكسيرا ومن قبلهم هالك الذي ترك بورتو إلى زينيت الروسي ومنه إلى الصين اتخاذ ذلك القرار.
  

ولذلك أيضاً كان من السهل على أوسكار في سن الـ 25 أن يُفضِّل المال وراحة البال على محاولة إعادة إحياء مسيرته التي ترنحت مع تشيلسي في الآونة الأخيرة، فلن يمتلك أي منهم موهبة رونالدينيو امبراطور المتعة شحيحة الفاعلية، ولا روبينيو الذي قال عنه بيليه أنه خليفته.
 

ولكن دوافع اللاعبين ليست واحدة، ولا يمكن أن يكون الجميع باحثاً عن المال فحسب، على سبيل المثال كارلوس تيفيز -32 عاماً- ترك أوروبا في 2015 راغباً في العودة لبوكا جونيورز الأرجنتيني، وترك بوكا مرة أخرى في يناير 2017 فقط لأن 10 ملايين يورو قيمة انتقاله ستُفيد الفريق الذي سيعود إليه ربما أقرب مما نتوقع.

المعايير؟
ميدان ، ماليك إيفونا (رويترز)


نتابع تلك الثورة الصينية منذ ما يزيد عن العام، بل وكان لها بداية من شنجهاي شينهوا الذي تعاقد مع نيكولاس أنيلكا في يناير 2012 ثم ألحقه بالأسطورة ديدييه دروجبا بنهاية الموسم، وكانت تلك هي نهاية رحلتيهما مع نفس النادي الذي تكرر ذكره كثيراً هنا (تشيلسي)، كان الأمر واضحاً وقتها: فريق ضم نجمين في الأعوام الأخيرة من مسيرتهما الكروية، طريقة للفت الأنظار والانتباه إلى النادي تحديداً وإلى الدوري ككل بالإضافة لأرباح دعائية ضخمة إلى جانب الاستفادة الفنية.

 

غرفة ملابس تمتلك دروجبا بطل دوري أبطال أوروبا وما يفوق العقد من الزمان في الملاعب الأوروبية، تمتلك الرحالة أنيلكا وكم الأندية الذي لعب له، خبرات يمكنها أن تفيد الزملاء بل ومدربيهم أنفسهم، ولكن إن هي إلا 6 أشهر حتى رأينا دروجبا يطير إلى جالاتاسراي التركي، وقبله بيومين يخرج أنيلكا معاراً ليوفنتوس ثم ينتقل مجاناً لوست بروميتش والسبب: شنجهاي لم يدفع الرواتب!

 

هدأت الأمور لوهلة حتى برزت الأسلحة من جديد في يناير 2016 بصفقة انتقال الكولومبي جاكسون مارتينيز من أتلتيكو مدريد إلى جوانجزو إيفرجراند الصيني مقابل 42 مليون يورو، بعد 6 أشهر فقط من انتقاله للأتلتي قادماً من بورتو البرتغالي مقابل 37 مليون يورو، كيف تُنفق تلك الأموال في مهاجم فشل لديك (3 أهداف في 22 مباراة) ثم تربح من وراءه 5 ملايين إضافية؟، نعتقد أنهم يبحثون عن الترويج بأسماء قوية ثم نفاجأ بجعلهم الإيطالي جرازيانو بيلي واحداً من ضمن الأعلى أجوراً في عالم الكرة، لاعب أكبر إنجازاته هي السخرية من مانويل نوير بإشارة "بانينكا" قبل أن يطيح بركلة الجزاء إلى جوار القائم الأيسر!


نعتقد حينها أنهم يبحثون عن الخبرات الأوروبية، فقط لنسمع خبر انتقال المهاجم الجابوني ماليك إيفونا من الأهلي المصري إلى تيانجين تيدا مقابل 7.25 مليون يورو يليه لاعب الوسط الكوري كيونج وون من الأهلي الإماراتي إلى تيانجين كوانجيان مقابل 10.5 مليون يورو، الأمر ليس محيراً فقط فيما يتعلق بمعايير انتقاء اللاعبين بل بمعايير الإنفاق ذاتها حين نتعرض لصفقة انتقال لاعب الوسط البلجيكي أكسيل فيتسل، سؤال يجب توجيهه لمالك نادي تيانجين كوانجيان: ما الذي يدفعك لإنفاق 20 مليون يورو في يناير من أجل لاعب سيصبح متاحاً بالمجان في يونيو؟

 

الهدف؟



كل تلك الأمثلة تأتي في محاولة للبحث عن الهدف الحقيقي مما يحدث، فمهما فعل الدوري الصيني سيظل عاجزاً عن اقتحام السوق الأوروبي ومناطحة دورياته الكبرى سواء على المستوى العالمي أو داخل القارة العجوز ذاتها، ولكن من قال أن هذا هو الهدف من الأساس؟

 

تمتلك الصين قرابة مليار و400 مليون نسمة من السكان، لقد ازدادوا 20 نسمة خلال كتابة هذا السطر! لماذا يترك أحد تلك البيئة التسويقية الضخمة ويتجه لما يزيد قليلاً عن نصف ذلك العدد هم مجموع سكان أوروبا الذي لم يجتاز 750 مليون نسمة بعد؟! الأوروبيون أنفسهم فكروا بذلك الأمر منذ أعوام مضت ولهذا السبب يتمتع مانشستر يونايتد بتلك الشعبية الضخمة في آسيا، ولهذا السبب أيضاً رأينا تنيناً على قميص ريال مدريد الاحتياطي والأمثلة تكثر.

 

الأمر لا يتوقف عند الأغراض التسويقية، بل هو اتجاه عام بالدولة للنهوض بكرة القدم يخدمه المستثمرون الأثرياء، فعلى سبيل المثال نادي جوانجزو إيفرجراند تمتلكه بنسبة 60% مجموعة إيفرجراند التي تُعد واحدة من أكبر شركات الإنشاءات بالصين، ونادي جيانجسو سونينج تملكه مجموعة سونينج التجارية واحدة من الأكبر في مجال البيع بالتجزئة، وأيضاً تمتلك مجموعة CITIC المملوكة للدولة النسبة الأكبر من نادي بكين جوان.


لا يوجد منافس قوي لكرة القدم في الصين من الناحية الرياضية، ولا يوجد الكثير من المنافسين على الصعيد القاري، ولا تنوي تلك الأندية مقارعة الأوروبيين بل الاستفادة مما زرعوه: أي استغلال الشغف الكروي الذي غرسته أوروبا في بلاد "المملكة الوسطى" في ترويج اللعبة داخل الحدود واجتذاب تلك الجماهير إلى متابعة اللعبة المحلية.

 

تلك الطفرة النوعية ليست وليدة الصفقات الخرافية فحسب بالنظر لنوعية وأسماء المدربين مثل أندريه فيلاس بواش وفيليكس ماجاث ولويس فيليبي سكولاري ومؤخراً مانويل بيليجريني، ولا يزال البحث عن المزيد مستمراً فقد رفض البرتغالي جوزيه مورينيو عرضاً منهم قد يقبله في وقت لاحق، ولن تنتهي مطاردتهم لمواطنه كريستيانو رونالدو الذي رفض عرضاً خرافياً قد يقبله أيضاً مع تقدم العمر، هذان الاسمان يعنيان ملاعباً ممتلئة المقاعد وملايين متراصة أمام الشاشات وهذا هو بالضبط ما يريدونه.

 

صحيح أن وجود رأس المال العملاق حالياً بات كابوساً مزعجاً للعديد من الأندية الأوروبية، فهو مصدر تهديد لفقدان النجوم تارة، ووسيلة للضغط تارة أخرى، ومنافس مرعب على الصفقات أيضاً، ولكن لا يبدو أن تلك الأيام ستطول بعد تعديل اللوائح من جانب الاتحاد الصيني لكرة القدم بتقليص عدد الأجانب المسموح بهم داخل الملعب إلى 3 فقط بدلاً من 4+لاعب آسيوي وفي الطريق أيضاً لإيجاد وسيلة لتقييد الإنفاق.

 

كل تلك العوامل ستشجع الشعب الصيني ككل وخاصةً الأطفال والشباب للاقتراب أكثر من اللعبة وممارستها والتدرب عليها، إلى جانب تواجد ذلك الكم من الخبرات والمستويات التي سترفع بدورها من مستوى اللاعب المحلي، أمور ستقود حتماً لمشاهدة منتخب صيني قوي في الأعوام القادمة وهو المشروع الذي يتولاه الإيطالي المحنك ليبي في الوقت الحالي، بعد أن قاد جوانجزو (بطل الدوري لآخر 6 نسخ على التالي بالمناسبة) لـ 3 منهم بالإضافة لدوري أبطال آسيا 2013.

 

لا يزال غول التسويق يجتاح الأخضر واليابس، ولكن لكل شيء سبب، من الصحيح أن هنالك إنفاقاً جنونياً وغير مبرر في بعض الأمثلة ولكنه ليس اعتباطاً أو كما قيل "غسيل أموال"، فالظهير الشعبي يمتلك كثافةً عالية والمردود يزداد يوماً بعد يوم، وإن استمر سير الأمور في ذلك الاتجاه، يمكننا القول بكل ثقة أن الصين لا تخطط لغزو أوروبا بمسابقتها.. بل بلاعبيها.

 (الجزيرة)
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار