انضم إلينا
اغلاق
عن ميسي وهيغواين.. ويسار مينوتي

عن ميسي وهيغواين.. ويسار مينوتي

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض
حقق ميسي كل شيء ممكن مع برشلونة ولم يحقق مع منتخب بلاده سوى ميدالية أوليمبية، يراه البعض أفضل من مارادونا والبعض الآخر يرى ذلك النقاش محظوراً حتى تمس يداه كأس الذهب.


كان على بعد خطوة وحيدة في يوليو 2014، ولكن ذلك الحلم تحطم على قدم ماريو جوتزه، أو قدم جونزالو هيغواين، أو قدم رودريغو بالاسيو، أو ربما قدمه هو، لكن تبقى الحقيقة قائمة: ليونيل ميسي لم يفز بشيء مع الأرجنتين.

 

الكثير من الأنظار تتجه إلى ما قد يكون فرصته الأخيرة في روسيا 2018، حيث سيبلغ عامه الحادي والثلاثين ومعه سيكون أغلب نجوم الجيل الحالي على مشارف الاعتزال أيضاً، فكيف يمكنه تحقيقها هذه المرة؟ وما الذي ينقص فريقاً يضم نجوم العالم لكي يحقق اللقب الأغلى؟ أين الخلل؟


ألا يجب أن نسأل أنفسنا، كيف يجتاح ميسي العالم مع برشلونة ثم ننظر لمردوده مع الأرجنتين ونقول: إنه لا يقدم المِثل هناك؟ كيف يسجل هيغواين 36 هدفاً كرقم تاريخي في الدوري الإيطالي ثم يعود ليهدر هدفاً حاسماً بمنتهى السهولة؟ كيف يبدو دي ماريا الذي يتألق أينما ذهب -باستثناء مانشستر يونايتد- لاعباً عادياً لا وجود له؟ وهو ما ينطبق أيضاً على سيرجيو أغويرو والقائمة تطول..


لنرى كيف حققت بلاد الفضة لقبيها العالميين عامي 1978 و1986، في محاولة للبحث عن القاسم المشترك بين الشيء ونقيضه الكامل.

احتفال المنتخب الأرجنتيني بفوزه بكأس العالم عام 1978 (غيتي)


1978: الكرة الجميلة تأتيكم برعاية "الخونتا"!

شارك في المونديال وقتها 16 فريقاً، خاضوا دور المجموعات وتأهل منهم 8 أفرقة قسمت إلى مجموعتين يتحدد من خلالهما طرفي النهائي مباشرةً، ونجح المنتخب الأرجنتيني خلال تلك البطولة التي احتضنتها بلاده في تخطي دور المجموعات الأول بالمركز الثاني بعد انتصارين على المجر وفرنسا بنفس النتيجة 2-1 وخسارة أمام إيطاليا 1-0.


وفي دور المجموعات الثاني تصدر الألبيسيليستي بفارق الأهداف عن الغريم البرازيلي، فائزاً على بولندا 2-0 ثم متعادلاً مع السليساو بدون أهداف قبل فوز كاسح على بيرو 6-0 والذي ضمن ذلك الفارق، ليفوز في النهاية على هولندا 3-1 ويتوج باللقب المونديالي الأول في تاريخه وسط أجواء مليئة بالشبهات.


كانت الأرجنتين في ذلك الوقت تحت حكم القبضة الحديدية لديكتاتورية الجنرال خورخي رافاييل فيديلا والمجلس العسكري المعروف باسم "الخونتا"، رفض بعض النجوم وعلى رأسهم أسطورة هولندا يوهان كرويف ونجم ألمانيا بول برايتنر السفر إلى الأرجنتين على خلفية بعض التهديدات، قبل أن يكشف كرويف المزيد في 2008 عن تعرضه وزوجته لمحاولة اختطاف وتهديد مسلح داخل منزله في برشلونة قبل البطولة بأربعة أشهر.


لننظر أولاً إلى الواقع الكروي قبل أن تواصل الصورة المشبوهة اكتمالها، فوصول لويس سيزار مينوتي إلى تدريب المنتخب بعد خيبة أمل مونديال 1974 والتي كانت أبرز علاماتها تلك الهزيمة الساحقة على يد هولندا 4-0 في مباراة جمعت فريقين أحدهما يدير الكرة طولاً وعرضاً كيفما شاء والآخر يكتفي بالمشاهدة، كان علامة فارقة في تاريخ الكرة الأرجنتينية ككل، فمن هنا اكتسبت بلاد الفضة سمعتها كقوة عالمية لا يستهان بها.
 

ما تغير بين نهائيين (1974: هولندا 4-0 الأرجنتين):

(1978: الأرجنتين 3-1 هولندا):

 

وصل الجنرال فيديلا إلى الحكم بانقلاب عسكري ضد الرئيسة إيزابيلا بيرون عام 1976، ويصف تيم فيكيري مدون بي بي سي (BBC) بقاء مينوتي في منصبه مدرباً للأرجنتين في أعقاب ذلك الانقلاب بأنه "أحد ألمع قرارات تلك الديكتاتورية"، حيث شاهد المدرب درس هولندا جيداً وتعلم منه مغيراً مفاهيم كرة القدم في الأرجنتين إلى أقرب صورة ممكنة لتلك الكرة التي تعتمد على الاستحواذ وتبادل التمريرات والمزيد من الحركة في مناطق الوسط.

 

قاد مينوتي ثورة الكرة اللاتينية في مواجهة الطوفان الهولندي الذي جرف البرازيل وأوروغواي أيضاً عام 1974 بمحاكاة كرة الطواحين، وهنا تظهر جرأة قرار مثل الاعتماد على أوسفالدو أرديلس لاعب خط وسط هوراكان آنذاك والذي ما كان أحداً ليختاره على حساب خوان خوسيه لوبيز "جي جي لوبيز" نجم ريفربليت معشوق الجماهير آنذاك، إلا أن الأول كان أساسياً في قائمة مينوتي والثاني خارجها تماماً، فقط لأنه اختار الحركية وسرعة وجودة التمرير على حساب الجماهيرية، فكان أرديليس هو عماد 4-3-3 التانجو تماماً كما كان تشافي هيرنانديز عماد ثورة "برشلونة 2009".

 

في النهاية انتصر رهان مينوتي، وانتقل أرديلس إلى توتنهام هوتسبر بعد المونديال مباشرةً ليصبح واحداً من أساطيره ومديره الرياضي الحالي، كما واصل مسيرته الأوروبية حتى اعتزاله عام 1989، بينما بقي لوبيز في الدوري الأرجنتيني دائماً أبداً.
 

 تشكيل المباراة النهائية لمونديال 1978 بين هولندا والأرجنتين 

 

"يمكنك أن تخسر مباراة، ولكن ما لم يمكنك خسارته هو الكرامة التي تنالها من لعب كرة قدم جيدة"

(لويس سيزار مينوتي)

 

انتصر مينوتي لما آمن به فانتصرت له الكرة، ولكن هل كانت الكرة هي صاحبة الانتصار حقاً؟ عودة إلى انطلاقة البطولة بخطاب الجنرال فيديلا الذي تحدث عن "مونديال لأجل السلام"، وإذا نظرنا لمدى حاجة نظام ديكتاتوري لا يملك سوى السلاح كركيزة أساسية إلى مهدئ شعبي بتلك القوة، تبدو الوقائع التالية ذات منطق في ضوء ما ذكر بكتاب "الموت أم المجد: التاريخ المظلم لكأس العالم" لكاتبه "جون سبرلينج".

 

حملت المواجهة الثانية بين الأرجنتين وفرنسا أحداثاً مثيرة للجدل خلال أفضلية فرنسية على أرض الميدان كان سببها الأول هو ميشيل بلاتيني بطبيعة الحال

يقول ليوبولدو لوكي مهاجم المنتخب الأرجنتيني في تلك البطولة "بدا وكأن الجماهير قد نسوا الفقر والحرمان، معظم الأيام كنا نشاهدهم يركضون بجوار حافلتنا ويصلون لأجلنا، أمكننا رؤية كم يعني لهم ذلك الأمر في أعينهم، لقد كانت مسؤولية كبرى على عاتقنا، كيف لا يمكننا الفوز بكأس العالم من أجل هؤلاء؟"

 

كشف لوكي أيضاً عن تلقيه تهديد شخصي بعد الفوز على المجر في الافتتاح، من أحد رجال الخونتا بأن تلك المجموعة يمكنها بسهولة أن تصبح "مجموعة موت"، حيث بقيت مواجهتين أمام فرنسا وإيطاليا، وهي عبارة تحمل معنيين في غاية الوضوح..
 

يوضح لوكي "قالها بابتسامة على وجهه ولكن لم أملك سبباً للاعتقاد بأنه كان يمزح"

 

حملت المواجهة الثانية أمام فرنسا أحداثاً مثيرة للجدل خلال أفضلية فرنسية على أرض الميدان كان سببها الأول هو ميشيل بلاتيني بطبيعة الحال، بدأت بعدم احتساب ركلة جزاء لمصلحة ديدييه سيس بعد مخالفة من القائد دانييل باساريلا، ثم عدم احتساب مخالفة أخرى ضد لوك نفسه بعد إسقاطه لسيس أيضاً، لقطات تليفزيونية أظهرت حكم المباراة "يغمز" بعينه للمهاجم الأرجنتيني وهو ما نفاه الأخير جملة وتفصيلاً "هذا لم يحدث أبداً، مستحيل."

 

تقدم المنتخب الأرجنتيني بركلة جزاء سجلها باساريلا، بعد تعثر الفرنسي ماريوس تريزور واصطدام الكرة بيده ليزداد الفرنسيون غضباً، تمر الأيام والسنوات حتى أتت مكالمة في 2003 عبر إحدى الإذاعات الفرنسية، تحدث فيها شخص "تم التلاعب بصوته لإخفاء هويته" زاعماً أنه أحد لاعبي منتخب فرنسا في تلك المواجهة، وقالت المواقع الفرنسية لاحقاً أن الشخص صاحب المكالمة هو ماريوس تريزور نفسه ولكن ذلك لم يتم إثباته أبداً.

 

الأرجنتين 2-1 فرنسا (1978):


قيل في ذلك الاتصال أن الحكم بعد تغاضيه عن مخالفة باساريلا الأولى ذهب إليه قائلاً "لا تفعل ذلك مجدداً أرجوك وإلا سأضطر لاحتسابها في المرة القادمة!"، كما قيل أيضاً أن لاعبي المنتخب الأرجنتيني قد شوهدوا يتعاطون حبوباً زرقاء قبل المباراة، لدرجة أنه كان من الممكن سماع أصواتهم يصرخون في غرف الملابس وكانوا بحاجة لساعتين بعد المباراة حتى تزول الآثار.

 

ووفقاً للمتصل ذاته فقد أعفى مسؤولو فيفا لاعبي الأرجنتين من إجراء تحليل المنشطات عقب المباراة، حيث حملت اللائحة اسم نجم أرجنتيني شهير ولكن أحد مسؤولي الفريق الأرجنتيني قام بإهداء ظرف مغلق لمسؤول فيفا وانتهى الأمر بتلك الطريقة، وعندما احتج لاعبَيّن من المنتخب الفرنسي قال مسؤول فيفا لهم "تعرفان كيف تسير الأمور هنا!"

 

على الجانب الآخر نفى لويس جالفان لاعب المنتخب الأرجنتيني في نفس البطولة تورط أي من زملائه بأي عمل خاطئ، مؤكداً أن مسؤولي فيفا لا يمكنهم الوقوع تحت ضغط مشابه سواء من الفريق أو من الحكومة، مؤكداً أن المسؤول عن زجاجات المياه في الفريق ويدعى "أوكامبو" هو من يقوم بتسليم عينات اللاعبين، إلا أنه على الجانب الآخر أكد مفاجأة ضخمة تلقاها أحد مسؤولي فيفا بإظهار نتيجة تحليل أحد لاعبي الألبيسيليستي أنه "حامل"!

 

خاض المنتخب الأرجنتيني المباراة قبل الأخيرة أمام البيرو وهو يعلم أنه بحاجة للفوز بفارق 4 أهداف لضمان التأهل إلى النهائي، وذلك نظراً لفوز البرازيل على بولندا 3-1 قُبيل مباراة الأرجنتين مباشرةً، فاستطاع المنتخب الأرجنتيني إنهاء الشوط الأول بتسجيله لهدفين، قبل أن ينهار المنتخب البيروفي تماماً في الشوط الثاني لتنتهي المباراة بفوز التانجو 6-0.

شاشة العرض في ملعب ريفر بليت تعلن عن فوز المنتخب الأرجنتيني بكأس العالم عقب المباراة النهائية ضد هولندا (غيتي)

لا يبدو أن هناك غبارا على ما جرى في المباريات السابقة، سوى عدم لعب الفريقين للمباراتين الحاسمتين في آن واحد مما يضر بتكافؤ الفرص، كما أن منتخب بيرو لم يملك شيئاً ليقاتل من أجله بعد خسارته أول مباراتين أمام البرازيل وبولندا، إلا أن ذلك لم يمنع شائعات عن بيع المباراة مقابل شحنة من القمح وعد بها الجنرال فيديلا مقابل تخلي بيرو عن المباراة.

 

المزيد من الجدل أثاره السيناتور البيروفي السابق جينارو ليديسما في 2012، حين زعم أن الديكتاتور الأرجنتيني قَبِل اتفاقاً يتضمن أن تستقبل بلاده 13 سجيناً سياسياً معارضاً من مواطني بيرو -من بينهم ليديسما- وذلك لكي يتم تعذيبهم وإجبارهم على توقيع اعترافات كاذبة في الأرجنتين، مقابل أن تتخلى بيرو عن المباراة وتسمح للبلد المضيف بالتأهل، وذلك في إطار ما أطلق عليه "خطة كوندور" والتي كانت بمثابة بروتوكول تعاون بين الديكتاتوريات اللاتينية في السبعينات لقمع حركات المعارضة.

 

ليديسما منح مزاعمه صبغة وحيدة من المنطق بقوله في المحكمة "فيديلا كان بحاجة للفوز بكأس العالم لتنظيف صورة الأرجنتين السيئة حول العالم"، لكن ذلك لم يحدث أبداً فقد توالت الانقلابات في الفترة بين 1981 و1983 وبينهما تلقت الدولة هزيمة منكرة في حرب جزر الفوكلاند الشهيرة على يد بريطانيا العظمى حتى عادت الديمقراطية إلى الأرجنتين.

 

كان ذلك هو الشيء فما هو نقيضه؟ وما المشترك بينهما؟ وكيف يمكن للأرجنتين أن تعانق كأس الذهب؟ هذا ما سنتعرض إليه في الجزء الثاني..

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار