انضم إلينا
اغلاق
عن ميسي وهيغوايين.. ويمين بيلاردو

عن ميسي وهيغوايين.. ويمين بيلاردو

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض
1986: اليمين ينتصر!

"هناك جناح يميني وجناح يساري في كرة القدم: الجناح اليميني يريدنا أن نؤمن بأن الحياة كفاح، يجب أن نتحلى بالصلابة ونفوز بأي طريقة."  

(سيزار لويس مينوتي)

 

آمن "مينوتي" بما صنفه كـ"يسار كرة القدم"، والذي فسره بأنه يرى الكرة مرآة لمتعة وأحلام الشعوب، مقدماً كرته الهجومية الجذابة؛ ولكنها لقيت نهاية مؤسفة في مونديال 1982 في مجموعات الدور الثاني المكونة من 3 فرق، بعد خسارتين أمام إيطاليا والبرازيل، تصريح المدافع الإيطالي كلاوديو جينتيلي المكلف بمراقبة "مارادونا" لا يزال يدوي في الآذان "كرة القدم ليست لراقصات الباليه!"

 

رحل "مينوتي" وحل "الطبيب" كارلوس بيلاردو بدلاً منه، من قال إن الأطباء ملائكة بالضرورة؟! فمسيرة "بيلاردو" هنا لا تعكس غير واحد من أقذر من لعبوا الكرة في تاريخها، كان ذلك اللاعب الذي يقول أشياء سيئة عن زوجات وصديقات المنافسين لإغضابهم داخل المباراة؛ بل أسوأ، كان يخفي "إبرة" في جيبه لوخز الخصوم ثم يكتفي بالنظر ببراءة تجاه الحكم! حتى المنافس الذي يتعرض للوخز ما كان ليمكنه أبداً أن يتخيل حدوث شيء كهذا!

 

بعد بداية سيئة قبل مونديال 86 شهدت 3 انتصارات فقط في 15 مباراة، ومن ضمنها وداع مبكر لكوبا أمريكا 1983، أخرج "بيلاردو" سلاحه الخاص (3-5-1-1)

نهل "بيلاردو" لاعب استوديانتس السابق كل ما يعلم عن الكرة من نبع "أوزفالدو زوبيلديا" رائد الـكرة الدفاعية (Anti-Football) في الأرجنتين ومدرب فترة استوديانتس الذهبية بين 1965 و1970 التي بدأها بإنقاذهم من الهبوط، ثم تحويلهم إلى أبطال كأس الليبرتادورس لثلاثة مرات متتالية 68 و69 و70، وكان "بيلاردو" هو "رجله التكيتكي" في أرض الميدان.

 

وكما كان "مينوتي" هو قائد ثورة اليسار في مواجهة تعاليم "زوبيلديا"، قاد "بيلاردو" الثورة المضادة بوصوله للمنصب عام 1983 لإعادة إحياء تلك المدرسة، وكانت النتائج مذهلة بفوز الأرجنتين ببطولة 1986 ووصافة 1990، كيف تملك "مارادونا" ولا تهاجم؟! سؤال تفوق "بيلاردو" في الإجابة عليه.

 

ببساطة لم يخشَ "مينوتي" من التعبير عن أفكاره اليسارية والليبرالية تحت حكم الديكتاتورية والخونتا؛ بينما رفع "بيلاردو" أسهم اليمين الكروي تحت مظلة الديمقراطية، فكان "مارادونا" ديكتاتوره الخاص، حتى حين يختفي بين انقلابات دفاعات الخصوم لا يمكنك أبداً أن تضمن التخلص منه.

 

بعد بداية سيئة قبل مونديال 86 شهدت 3 انتصارات فقط في 15 مباراة، ومن ضمنها وداع مبكر لكوبا أمريكا 1983، أخرج "بيلاردو" سلاحه الخاص (3-5-1-1)، ثلاثة مدافعين وجناحين وثلاثي في الوسط لتقديم الدعم الهجومي ويتقدمهم مهاجم حر هو "مارادونا" تحت رأس الحربة "خورخي فالدانو".



خلطة "بيلاردو" الجديدة على براغماتيتها قادت بلاد الفضة لمعانقة الذهب مرة ثانية، بدايةً من اجتياز دور المجموعات على الصدارة بالفوز على كوريا الشمالية والبرتغال والتعادل مع إيطاليا، ثم الفوز على أوروجواي 1-0 في دور الـ16، وللأسف لم يمر هذا التتويج خالياً من الشوائب فيد "دييجو" التي زعم أنها "يد الله" لا تزال حية في الذاكرة خاصةً وبعد أن اعتبرها "انتقاماً لما حدث في حرب فوكلاند"، كان ذلك الهدف بطبيعة الحال قبل دقائق قليلة من تلاعبه بالإنجليز فرداً تلو الآخر في هدفه الأشهر.

 

وأخيراً اجتاز التانجو خصمهم البلجيكي في نصف النهائي بهدفين دون رد وإلى النهائي أمام ألمانيا الغربية، خفت "مارادونا" كثيراً؛ ولكن الأرجنتين تقدمت بهدفي "لويس براون" و"خورخي فالدانو"، قبل أن يعادل "كارل هاينز رومينيجه" و"رودي فولر للألمان"، ولكن في الوقت القاتل وتحديداً بالدقيقة 83، تكلم "دييجو" أخيراً مهدياً تمريرة حاسمة لـ"خورخي بوروتشاجا" لم يتردد الأخير بوضعها في الشباك معلناً التتويج.


واصل "بيلاردو" نجاحاته على الورق خلال مونديال 1990 في إيطاليا بعد بداية متخبطة بالتأهل ضمن أفضل الثوالث بعد الخسارة أمام الكاميرون والفوز على الاتحاد السوفييتي ثم التعادل مع رومانيا، تلاه اجتياز العدو التاريخي البرازيل في دور الـ16 بهدف نظيف ثم مرور صعب على حساب يوغوسلافيا بركلات الترجيح في دور الثمانية بعد التعادل السلبي، قبل أن ترتكب اللجنة المنظمة للبطولة أكبر خطيئة ممكنة في حق بلادها بقرار لعب نصف النهائي بين الأزوري والألبيسيلستي على ملعب سان باولو الخاص بنابولي الذي أهداه "مارادونا" حلم الاسكوديتو الخالد، فبطبيعة الحال لم تتردد غالبية جماهير الجنوب الحاضرة التي تشعر باستقلالية وتهميش دائم من الشمال في تقديم العون لمن تنتمي إليه حقاً، "مارادونا" وليس إيطاليا!

 

قد لا يخطر ببالك قيام فريق كرة قدم بالتلاعب بزجاجات مياه الخصم، ولكن مع فريق يقوده "بيلاردو" يمكنك توقع أي شيء!

فازت الأرجنتبن بركلات الترجيح بعد التعادل 1-1، وبلغ "بيلاردو" النهائي الثاني على التوالي؛ حيث واجه ألمانيا بقيادة "فرانز بيكنباور"؛ ليقدما إلينا تحفة من أبشع المباريات وأكثرها مللاً على الإطلاق في تاريخ الكرة ككل وليس نهائي كأس العالم فقط! تم فض اشتباكها المحفز على النوم بركلة جزاء سجلها "أندرياس بريهمي" في الدقيقة 85.

 

بالمناسبة طريق ذلك المونديال أيضاً لم يكن نظيفاً بالكامل؛ بفضل ما حدث خلال الفوز على البرازيل بهدف نظيف في دور الـ16، نعم تلك المباراة التي لا تزال جماهير التانجو تذل بها جماهير عدوها الأزلي إلى يومنا هذا، وكان يمكن سماع ذكرها عبر الهتاف الأرجنتيني الشهير في أراضي السامبا بمونديال 2014 (Brazil decime que se siente) والذي ينتهي بأن "مارادونا أكبر من بيليه".

 

قد لا يخطر ببالك قيام فريق كرة قدم بالتلاعب بزجاجات مياه الخصم، ولكن مع فريق يقوده "بيلاردو" يمكنك توقع أي شيء! رغم نفي الأخير للواقعة إلا أن مارادونا أقر بها عبر التلفاز الأرجنتيني كاشفاً بكل فخر عن إرسال زجاجة مياه تحتوي على مخدر لظهير البرازيل "برانكو" حيث قال: "البرازيل أضاعت 20 فرصة أمام الهدف في ذلك اليوم، لم يكن خطئي أنهم خسروا!"

 

"كرة القدم في غاية الكرم، لقد منعت بيلاردو من أن يصبح طبيباً!"

 (لويس سيزار مينوتي)

 

رحل "بيلاردو" عن تدريب المنتخب بعد مونديال 90، آخذاً تعاليمه وأسطورته "مارادونا" برفقته إلى إشبيلية، قبل أن يكشر عن أنيابه مرة أخرى عام 1992 خلال مباراة ضد ديبورتيفو لاكورونيا، حين هرع "دومينيجو" المعالج الخاص بالفريق إلى داخل الملعب لعلاج "دييجو"، ولكنه -وبعد اكتشافه لسلامة الأخير- انتقل اهتمامه إلى "ريبيرا" مدافع ديبورتيفو الذي كانت دماؤه تسيل من وجهه، لفتة طيبة؛ ولكن المدرب الذي لا يفقه شيئاً سوى الفوز صرخ من موقعه بتلك الكلمات..
 

"دومينيغو! لاعبونا هم من يرتدون الأحمر! الأحمر! بحق المسيح أشعر كأني أموت! أنت لا تمنح حتى مجرد المياه للخصوم. كل ما تفعله للخصوم هو أن تدهسهم! تدهسهم! تدهسهم!"

 

2018: اليمين أم اليسار؟

دييغو مارادونا

مواقع التواصل 

عودة إلى عام 1986 الذي مثلما شهد تخليد الأسطورة المارادونية إلى الأبد؛ شهد أيضاً نشأة انقسام حاد لا تزال الأرجنتين -على وجه التحديد- تعيشه؛ بينما هو دائر في بقاع أخرى مختلفة من الأرض، ولكن ليس لسبب فريد إلى تلك الدرجة التي نجدها بين أنصار "المينوتيزمو" و"البيلارديزمو"، حيث يصعب الفصل بين طرفين يملك كل منهما كأس عالم يلوح به في وجه الآخر!

 

توالت التخبطات إلى أن ظهر "ليونيل ميسي" على الساحة الدولية، ومعه عادت اللعنة الألمانية، فكان لـ"خوسيه بيكرمان" مشهد البطولة في ربع نهائي 2006 بسحب "خوان رومان ريكيلمي" موقّعاً على أحد أسوأ التغييرات في تاريخ الكرة؛ ليعود منتخب الماكينات بالنتيجة إلى التعادل 1-1 ويتأهل لنصف النهائي بركلات الترجيح، ثم شهد مونديال 2010 مجيء الأسطورة بنفسه، دييجو أرماندو مارادونا "الرجل، الخرافة، الأسطورة" كما يقولون..

 

زعم مارادونا أنه أتى بتكتيك الوسط بين المدرستين، ولكنه لم يكذب؛ فقد كانت قيادته خليطاً من مساوئ الاثنين! وكانت تلك الهزيمة المنكرة على يد ألمانيا مرة أخرى في ربع النهائي وتلك المرة برباعية نظيفة.

 

التحكيم قد يخدمك تارة، الحكومة قد تدعمك في الخفاء بطرق غير شرعية في الخفاء تارة أخرى، ولكن إن لم يكن لديك الحد الأدنى من تلك المقومات فلا فرصة لك

وأخيراً على يد "أليخاندرو سابيلا" الذي عانده الحظ وخالفت بعض اختياراته المنطق عاد المنتخب الأرجنتيني مرة أخرى إلى نهائي المونديال عام 2014، ليخسر -للمرة الرابعة على التوالي في المونديال- على يد ألمانيا، وتبقى أسئلة بريئة بلا إجابة مثل: ماذا كان يفعل "بالاسيو" في قائمة البطولة على حساب "كارلوس تيفيز" المتألق مع يوفنتوس في ذلك الوقت؟ أو ماذا كان يفعل "بالاسيو" في قائمة البطولة من الأساس؟

 

سؤال وحيد برع "سابيلا" في الإجابة عليه وهو سر تغييره بسحب "إزيكيل لافيتزي" نجم الشوط الأول للنهائي بين شوطي المباراة لصالح "سيرجيو أجويرو"، فأجاب وليته ما أجاب: "لافيتزي كان يلعب جيداً؛ ولكننا أردنا المزيد من الهجوم ومحاولة الفوز بالمباراة بتلك الطريقة."

 

في ضوء كل ما سبق، بسؤال أنفسنا عما يجمع روايتي 78 و86 مهما حامت الشبهات حول أي منهما وخاصةً الأولى المليئة بتلك القصص، سنجد قاسماً وحيداً واضحاً: منظومة.. تتفق أو تختلف مع أي منهما؛ لا يمكن إنكار أن لكليهما فكر ثابت مبني على قناعات راسخة لا جدال فيها، كلاهما يؤمن بما يؤمن به حقاً ويقاتل لأجله، الحظ قد يخدمك تارة، التحكيم قد يخدمك تارة، الحكومة قد تدعمك في الخفاء بطرق غير شرعية في الخفاء تارة أخرى، ولكن إن لم يكن لديك الحد الأدنى من تلك المقومات فلا فرصة لك؛ ولو تدخلت قوى الأرض جميعاً لصالحك.

إن أردت تجسيداً واقعياً لإرث "بيلاردو" وإن كانت نسخة أكثر تعقلاً فهو "دييجو سيميوني" مدرب أتلتيكو مدريد دون أدنى شك

غيتي


حين يملك منتخب ذلك الأساس سيكون من السهل على مدربه اختيار قائمته، اتفقت مع تلك الخيارات أم اختلفت لا يمكنك القول إنها أتت اعتباطاً، لدينا مثال من الجزء الأول في حالة "مينوتي" مع "أرديليس" و"جي جي" كان هناك سببٌ؛ سواء أقنع الجماهير أم لم يقنعها، لم يترك المتابعين يضربون كفوفهم ورؤوسهم بالحائط محاولةً لفهم سبب استبعاد "تيفيز" في أوج تألقه..

 

لن نصبح بحاجة لسؤال أنفسنا في كل موضع عن سر تراجع مردود لاعب بعينه، ولنأخذ المثال الأكثر تطرفاً: "جونزالو هيجوايين" الذي أضاع 3 أهداف في 3 نهائيات متتالية آخرها جاء ختاماً لموسم حطم خلاله رقم الكالتشيو القياسي في التهديف، ألم يهدر هذا الرجل أهدافاً مع نابولي؟ بالطبع أهدر، ولكن منظومة "ماوريسيو ساري" تمنح المهاجم أكبر قدر ممكن من الفرص وهو ما ظهر على تألق البولندي "أركاديوز ميليك" معوض الأرجنتيني بعد رحيله إلى يوفنتوس، بالمقابل كم فرصة حصل عليها "هيجوايين" خلال تلك النهائيات؟ فقط هي الثلاثة التي أضاعها؛ بالإضافة لفرصة رابعة سجل منها في نهائي 2014 ولكنه كان متسللاً.

 

الآن حان وقت فرصة "ليونيل" الأخيرة، كما حان وقت المصارحة بحقيقة لا أعتقد أنها ستصدم أحداً: هذا اللقب لن يمسه أبداً مدرب مثل "إدجاردو باوزا"، وإن كانت الأرجنتين ترغب حقاً بتحقيق ذلك اللقب فلا غنى عن خيارين لا تُلام أنديتها على التمسك بهما: "مينوتي" و"بيلاردو" من جديد.

 

إن أردت تجسيداً واقعياً لإرث "بيلاردو" وإن كانت نسخة أكثر تعقلاً فهو "دييجو سيميوني" مدرب أتلتيكو مدريد دون أدنى شك، لاعب الوسط الدفاعي المقاتل العنيف والذي يدير كرته كما لعبها تماماً، معترفاً باتخاذه للطبيب الأرجنتيني الشهير كمثل أعلى، وإن كان يبدو أليفاً بجواره فعلى الأقل هو اكتفى بإلقاء كرة داخل الملعب لإفساد هجمة لملقا؛ بدلاً من أن يرسل لهم زجاجة مياه مخدرة!

 

"شرف لي أن يتم مقارنتي ببيلاردو، إنه مثل والدي حين يتعلق الأمر بكرة القدم."

 (دييجو بابلو سيميوني)
 


على الجانب الآخر ومن رحم روزاريو التي جلبت "مينوتي" و"ميسي" أيضاً، أتى "خورخي سامباولي" بكل ما هو مناقض للبيلارديزم، مسيطراً بالمنتخب التشيلي على وسط الميدان أمام المنتخب الأرجنتيني في نهائي كوبا أمريكا 2015، وقائد مشروع إشبيلية الحالي بعد رحيل "أوناي إيمري" إلى باريس سان جيرمان.

 

كل ما له علاقة بالـ4-3-3 ومشتقاتها تجده لدى سامباولي، سواء (3-4-3) أو (3-3-3-1) و(4-3-1-2) دستور "البيلسيزم" الشقيقة المستحدثة لما آمن به "مينوتي" في السبعينيات والثمانينيات والتي تأسست على يد "اللوكو" مارسيلو بييلسا، وإذا كنا بحاجة لمن يمثل "المينوتيزم" في ذلك الصراع فهو حتماً ذلك الرجل. يبدو ذلك واضحاً في حصوله على مباركة "مينوتي" في أكتوبر 2016 حين وصفه بالمدرب الممتاز الذي يحب الفرق التي تلعب، تفوز باللعب جيداً.

 

امتلك "بيلاردو" لاعباً أسطورياً هو "مارادونا"، وهو ما لا ينقص الأرجنتين الآن فلديها "ميسي"، بينما حقق "مينوتي" لقبه بدونه وخسر في وجود شاحب له، فهل تكون لمسة سيميوني "اليمينية" هي وسيلة معانقة الكأس؟ أم أن للمينوتيزم رأي آخر في استغلال خير ما أنجبت روزاريو بعد أن تم صقله بعناية في مدرسة الكرة الشاملة الكتالونية؟ عام وبضعة أشهر بانتظارنا للإجابة.. ففي النهاية قد يرفض إشبيلية والأتلتي التنازل؛ وتنتهي الرحلة مع باوزا في دور المجموعات!

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار