انضم إلينا
اغلاق
برشلونة - باريس.. إعادة تعريف العظمة

برشلونة - باريس.. إعادة تعريف العظمة

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

كان منطقيًا أن برشلونة لم يكن يحتاج للحبكة التقليدية التي تعرّف الجمهور على البطل وهو يسحق خصومه في بداية الفيلم، ليبرهن لهم أنه جدير بالبطولة أولًا، قبل أن تتأزم أموره ثم تعود مرة أخرى لمسيرتها الحتمية المعروفة، لذا تغاضى المخرج عن البديهيات في بداية صادمة لم يتوقعها أحد، مفتتحاً فيلمه من منتصفه تقريبًا، على مشهد البطل وهو يتلقى الضربات من كل حدب وصوب.
 

الفيلم مختلف هذه المرة، ربما لأن الجميع كان قد ملّ برشلونة المكتسح الذي يأتي على الأخضر واليابس، الذي يترك المشهد محترقًا من خلفه كل مرة دون أن يصاب بخدش، الذي يصرع كل خصومه بسهولة شديدة، فلا يتبقى له في النهاية سوى أن ينفض الغبار عن كتفه، ويضع منظاره الشمسي بثقة قبل أن يضغط على زر التفجير.
 

تحت الرماد
بدلًا من ذلك شاهدنا لقطات متتابعة قمة في القسوة؛ بطل مستسلم تمامًا يتجرأ عليه كل من هب ودب، حتى تساءلنا عن جدوى الفيلم من الأصل.


تعاقدات فاشلة، مدرب عنيد، فريق بلا هوية ولا أسلوب لعب، ونجمه الأول فقد الرغبة في القتال فيما يبدو، وربما الاستمرار من الأصل، أنت تعلم أن موسم برشلونة ذهب بلا رجعة عندما يتوقف ميسي عن الركض، ويستسلم للرقابة في العمق، بل ربما يذهب لها طواعية بحثًا عن لقطة خارقة تختصر كل شيء وتنهي المأساة.
 

كل شيء انتهى والبطل القديم عفا عليه الزمن (رويترز)

 

لكن اللقطات الخارقة لا تحدث كل يوم، وإلا لما كانت كذلك، والبطل كان بحاجة لأكثر منها على أية حال، لأن مشكلة ميسي التي لن يدركها أحد إلا بعد اعتزاله؛ أنه أغرى العالم بتصديق أسطورة  الرجل الواحد، الرجل الذي يستطيع إنهاء كل شيء بضغطة زر، ومع الوقت لم يعد الخبر أن ميسي ضغط الزر فعلًا، بل أنه لم يفعل، لأن الجميع صدق أن الأمر بهذه السهولة، وأن ميسي أقرب إلى سوبرمان منه إلى باتمان، وسوبرمان لا يحتاج للتدريب، ولا يتأثر بالضغوط النفسية والرقابة وحالة الفريق، ولا يتعطل شعاعه الخارق إلا في موطنه الأصلي كريبتون، لذا أصبح من المستحيل إقناعهم بالعكس الآن، خاصة أن ميسي لا يقدّم الكثير من العون في هذا الصدد، فكلما ظننا أن أسطورة الرجل الواحد قد ماتت أخيرًا، عاد وفجرها في وجوهنا مرة أخرى.
 

المهم أن فيلم الأبطال الخارقين كان بلا أبطال خارقين، وشعر المشاهدون بأنهم بصدد عملية نصب؛ فلا ميسي هو ميسي ولا برشلونة هو برشلونة، ولا حتى باريس هو باريس، هذا الفيلم بلا غول كذلك، مجرد بطل عفا عليه الزمن ليتم استبداله ببطل جديد، والبطل الجديد أكثر شبابًا ووسامة ويمتلك كل المقومات، والحقيقة أن إذلاله للقديم لم يكن مأساويًا بل ممتعًا.
 

حتى روبن لم يكن روبن، صحيح أنه احتفظ بتمرده وروحه الفردية المغامرة، وصحيح أن نيمار صار يفعل ما يريد في أي مباراة تقريبًا، وكأن مدافعي الخصم غير موجودين من الأصل، ولكن المشكلة ليست في قدرته على فعل ما يريد، بل في اختيار ما يريد؛ مجهود خارق ومهارات استثنائية وصعوبة بالغة في إخراج المنتج النهائي في نفس الوقت، ربما لشعوره الدائم بأنه سيعيش في ظل باتمان حتى يتقاعد، وربما لأنه لا يضغط الزر بما يكفي.

بطل جديد وسيم لا يستطيع أحد أن يكرهه

رويترز
 
فيلم فاشل

المشكلة أن شيئًا ما لم يبدُ صحيحًا في كل ذلك، لأن أي فيلم بلا غول ولا مأساة ولا حتى أبطال خارقين هو فيلم فاشل قطعًا، لذا ظهرت الحاجة لنهاية مفتوحة تشي بجزء آخر، وبالطبع تكفلت الصحافة بهذا الأمر؛ برشلونة ذهب بلا عودة، والجيل الذهبي انتهى بالفعل، ويجب على الكتلان أن يجهزوا أنفسهم لمعركة أخرى من طرف واحد في الكامب نو.
 

بالطبع لم يكن الأمر ليمر بلا قليل من البهارات المعتادة؛ تصريحات راموس ودي ماريا، وسخرية المحللين وتوقعهم رباعية جديدة في الإياب؛ خلطة مثالية لدرجة أنها أقنعت البطل نفسه، فخرج بيكيه يؤكد صعوبة العودة بدوره، وأصبح كل شيء ممهدًا للجزء الثاني.
 

ولأن الحياة كثيرًا ما تشابه الدراما أو العكس، أتى الحل من آخر شخص يمكن توقعه؛ لويس إنريكي نفسه، كسر رأسه الحجرية التي فشل في كسرها الجميع، وبدأ يشق طريقه من آخر مكان متوقع بدوره؛ مباراة ليجانيس.
 

3-3-3-1 لم يفهمها أحد في البداية؛ ثلاثي دفاعي لمزيد من التأمين، يتقدمه ثلاثي يتوسطه بوسكيتس، وثلاثي أخير متفرغ لصناعة اللعب خلف المهاجم الوحيد، وضع أسرع لاعبي البرسا على الجناحين كما وجب من البداية، والبولجا في موقعه المفضل في العمق، ثم اكتملت التجارب سريعًا على غير العادة، ونضجت الطبخة أمام سيلتا بتألق راكيتيتش العائد من الموت، وتسجيل أومتيتي لهدفه الأول، وزر ميسي الذي انضغط في أكثر من لقطة، حتى روبن عثر على زره الخاص، وفجأة لم يعد الرقص المستمر على جثة البطل منطقيًا لهذه الدرجة، ربما للمرة الأولى منذ مباراة الذهاب.

الدراما كانت تقتضي أن يأتي الحل من إنريكي (رويترز)

عودة القبضة الدامية

على عكس الجزء الأول، بدأ الجزء الثاني بلقطة تقليدية للغاية؛ فتح البطل عينيه مبكرًا، وسجل سواريز مانحًا الأمل في عودة محتملة، ولكن هذا لم يمنع أن الفيلم مازال بحاجة إلى غول حتى ينجح.
 

هنا أخطأ باريس بقراءة النص، ربما لأن المخرج أراد ذلك، وربما لأن برشلونة أجبره على ذلك، المهم أنه تحول من بطل جديد وسيم إلى مجرد غول آخر  ممن تعج بهم أفلام هوليوود، في مشهد خالد متكرر دائمًا، يقف فيه باريس ممسكًا بالمسدس الذي يمكنه إنهاء حياة برشلونة في أي لحظة، وبدلًا من أن يفعل، تغريه اللحظة بأن يقص روايته وخلاصة حكمته في الحياة، وكيف كان تفوقه حتميًا لا مناص منه، بدلًا من أن يطلق الرصاصة اللعينة وينهي الأمر.
 

وإذا كان هذا مبررًا في أفلام هوليوود، ويستوجبه السيناريو ، ويضاف إليه رغبة المخرج في الوصول لذروة الإثارة، فهو لم يكن كذلك في الحياة الواقعية بالتأكيد، ولكنه كان ضروريًا ليؤدي باريس دوره بحذافيره، دون الإخلال بالسياق الدرامي المرسوم.
 

المهم أن باريس اختار التراجع تاركًا برشلونة في وضعيته المفضلة، مضيفًا للمشهد أخطاءً تكتيكية شبيهة بتلك التي حولت خصمه لجثة هامدة، وربما لو كان ميسي في حالته لانتهى كل شيء في الشوط الأول، ولكن المخرج رأى أنها ستكون نهاية متوقعة لا تليق بكل هذا العناء والتراجيديا، ولا تستحق جزءًا ثانيًا من الأصل.

الدراما كانت تقتضي تعطل زر ميسي كذلك

رويترز
 

توالت الأهداف في سيناريو مثالي للكتلان، وانتفض البطل أخيرًا وأزاح قدم باريس عن عنقه، وفي أقل من ساعة كان على بعد هدف واحد من إلغاء نتيجة الذهاب وبدء مباراة جديدة، واتضح أن الكتلان كانوا يعدون أنفسهم لمباراة من طرف واحد في الكامب نو فعلًا، والفارق الوحيد أنه لم يكن الطرف المتوقع، لذا كان بديهيًا أن يستخدم باريس مسدسه أخيرًا، ولكن بيد مهزوزة أفقدتها ثلاثة أهداف الثقة اللازمة، فأطلقت رصاصة واحدة وأخطأت ثلاثًا، لأن باتمان لم يوحي بأنه يحتاج لأكثر من ذلك.
 

روبن يعود

عاد باتمان للموت مرة أخرى بعد تسجيل ركلة الجزاء، ورغم أن الفريق كله قدم 50 دقيقةأولى من الروعة، إلا أن الأمر كان أصعب مما يحتمله أي فريق، ربما حتى باتمان يعجز عن التعافي من رصاصة كتلك، وبدأ المشاهدون في الاشادة بدقة التصوير وروعة الأزياء والإضاءة، وهم يلعنون المخرج والمؤلف في سرهم، ويعدون الدقائق القليلة الباقية حتى النهاية، فقط لأنهم لم يريدوا الاعتراف بأنهم أنفقوا مالهم هباءًا، بعد أن وُعدوا بملحمة الريمونتادا ولم ينالوها.
 

على الجانب الآخر كان روبن يحظى بفيلمه الخاص، ولكن أحدًا لم يتابعه لأنه اقترن بالنهايات المخيبة في ما مضى، نيمار يفعل كل شيء مجددًا، بل أنه لا يمانع العودة لمنطقة الجزاء للتغطية؛ 10، 100، وألف مراوغة، ولكنه أضاع الانفراد الوحيد الذي منحه له باتمان، ومرت 25 دقيقة وكأنها 5، لأن المخرج كان يدخر ما لم يتوقعه أحد.
 

 فجأة اكتشف باريس أنه حجز تذكرته للفيلم الخطأ، هذا ليس فيلمًا عن باتمان، بل روبن، نيمار آت من أجلكم، نيمار وجد زره مجددًا، وهو يضغطه بلا انقطاع، ولا يبدو أنه بوسعكم إيقافه، الرابع ثم الخامس في ثلاث دقائق فقط، وبلا مساعدات من باتمان أو غيره.

مفاجأة، باريس حجز تذكرته للفيلم الخطأ (مواقع التواصل)

نهاية جديدة أخيرًا، ولكن ببطل مختلف، مع فارق إضافي بسيط؛ هو أنه لم يكن فيلمًا، ولم يكن هناك مخرج ولا سيناريو، ولم يكن أحد يتوقع نهايته بما في ذلك باتمان وروبن نفسه، هذا ما حدث بالفعل؛ ثلاثة أهداف في ست دقائق والحياة أثبتت أن روبن قد يكون البطل أحيانًا.
 

تفصيلة صغيرة احتفظ بها الواقع لنفسه لأنها مهمة، حتى وإن صاحبتها بعض اللزمات الهوليودية المبتذلة، والتي لا نستطيع أن نكرهها رغم تكرارها، مثل إصرار البطل على إلقاء عبارة ساخرة مقتضبة قبل إطلاق رصاصته الأخيرة، في برود وتحذلق لا يتناسب مع الموقف إطلاقًا، ولكنه ضروري ليمنح الجمهور الإيحاء بعظمة النهاية، مثلما كان برود نيمار ضروريًا وهو يلقي عبارته الأخيرة، مراوغًا فيراتي قبل إفراغ خزانته في وجه باريس.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار