انضم إلينا
اغلاق
كبوة الجواد.. كيف أخفق مدربون "خارقون" مع فرق أخرى؟

كبوة الجواد.. كيف أخفق مدربون "خارقون" مع فرق أخرى؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
فلنُنَحي المحاذير جانبًا لعدة دقائق ونسأل سؤالًا لا بد وأنه دار بذهنك من قبل. لماذا يُعد غوارديولا أفضل مدرب في العالم لأنه فاز بـ 14 بطولة مع برشلونة في 4 مواسم، ولا يُعتبر كلوب كذلك لأنه فاز بـ 5 مع دورتموند في 7؟


الإجابة السهلة ستكون لأن 14 أكبر من 5، ولأن كلوب لم يفز بدوري الأبطال، ولأن بيب اخترع المهاجم الوهمي، ولأنه صنع أعظم فريق كرة قدم في تاريخ اللعبة من وجهة نظر الكثيرين، ولأن كلوب ورغم تقديمه لنسخة ممتعة ومثيرة من اللعبة، إلا أنه لم يرقى لأسطورية الكتلان بقيادة بيب؛ كل هذا صحيح.

 

ولكن كلوب لم يمتلك تشافي وإنييستا وميسي، وحينما رحل ليفاندوفسكي للغريم لم يكن البديل زلاتان، وإذا تحدثنا عن المهاجم الوهمي ففي الواقع كان السبق لسباليتي مع توتي، فضلًا عن أن حيلة المهاجم الوهمي تنسب كاملة لميسي وليس بيب، ولا شك أن إعادة التجربة في أي فريق آخر لم ولن تخرج بنفس النتائج؛ كل ذلك صحيح أيضًا.

فوز ليستر سيتي بقيادة رانيري بالدوري الممتاز عام 2016 (غيتي)


ربما لا يعجبك السؤال من الأصل لأنك لا ترى أن الأعلى أجرًا هو الأفضل بالضرورة، إذن دعني أسألك نفس السؤال بصيغة مختلفة؛ لماذا اعتبر الجميع رانييري عبقريًا فجأة لأنه فاز بالبريمييرليغ مع ليستر بعد ربع قرن من الفشل المتكرر لم يحقق خلالها شيئًا يذكر مع فرق أقوى وإمكانيات أفضل، بينما أغلبنا لا يستطيع تذكر اسم المدرب الذي قاد اليونان للمجد الأوروبي في 2004 بعد تفوقه على أصحاب الأرض مرتين؟ هل لأننا أحببنا أن يفوز "فيغو " و"جوميش وروي كوشتا" ورونالدو الصغير بالبطولة، وكرهنا تخاذل كبار البريمييرليغ المتكرر الذي ترك الكأس على قارعة الطريق في انتظار من يلتقطها؟ هل لأن "خاريستياس" لم يمتلك قصة ملهمة كفاردي أم لأن أحدًا لم يهتم بنشرها من الأصل؟ لأن البريمييرليغ أفضل من اليورو؟ العاطفة؟ التغطية الإعلامية؟


الإجابات ستزداد صعوبة مع الوقت، غالبًا لأننا نسأل السؤال الخاطئ.

 

أساطير وهمية

الشيء الوحيد الذي لا نتوقف عن فعله أبدًا هو محاولة التحكم في كل شيء، ولأن الأمر أعقد بكثير من قدرتنا على الفهم، فالحل هو اختصار كل هذا التعقيد كلما أمكن، اختزال كل شيء في شخص واحد كلما أمكن؛ فمن الأسهل نسف شخص واحد أو وضعه على القمة، وبالطبع من الأسهل استبداله حينما تتعقد الأمور وتتجاوز قدرتنا على الاستيعاب، ولأننا شهدنا بلادًا وشعوبًا تختزل بنفس الطريقة، فلا بأس بفريق كرة يضم 11 لاعب وبضعة مئات من الموظفين.

 

منذ شهور صرح1 كريم بنزيما أنه سيظل يساند زيدان للأبد لأنه "يعلم كل شيء عن كرة القدم"، وقبلها بشهور قليلة خرج إدغاردو باوزا مدرب الأرجنتين بتصريح2 مطابق عن ميسي؛ هذا النوع من اليقين المُطلق هو ما يمنحنا الشعور الزائف بالسيطرة على أمر بهذا التعقيد، بل وتوقع نتائجه وتحليلها كذلك، لأنا نحب أن نصدق أن الأمر بهذه البساطة؛ ريال مدريد يفوز لأن زيدان يعلم كل شيء عن كرة القدم.

 

أضف لما سبق أن الانسان عدو ما يجهله، ونحن نجهل كل ما يحدث في كواليس الأندية تقريبًا، وفي أفضل الأحوال لا نعرفه إلا لاحقًا، لذا نتظاهر أن بإمكاننا الوصول لنتائج قطعية باستخدام ما هو متاح من معلومات، وهو ما لا يتجاوز إحصائيات المباراة والتشكيل والخطط التكتيكية، لذا يتم عجنه وخبزه لتحويله لعجينة هلامية يمكنها ملء الفراغ المتبقي بأي شكل.

 

كفَنيّين
بريان كلوف مدرب نوتنغهام فورست (غيتي)


بريان كلوف؛ المدرب الأسطوري الحائز على كأسين أوروبيتين وبطولة دوري مع نوتنغهام فورست، قال3 يومًا أن التكتيك لا يفوز بالمباريات أو يخسرها بل اللاعبين، وأن أغلب من يتحدثون عن التكتيك يعجزون عن وضع خطة لمباراة "دومينو"، أما جوليان نيغلزمان؛ مدرب هوفنهايم ذي الـ29 عامًا، فيرى أن كل هذا الحديث عن الخطط والتكتيك مبالغ فيه4، وأن الفرق بين (4-2-3-1) و(4-3-3) ليس أكثر من 5 أمتار، وأن أي مدرب يعلم جيدًا أن لاعبيه لن يلتزموا بالشكل الخُططي الموضوع إلا عند انطلاق المباراة وربما 8 لقطات أخرى إن كان محظوظًا؛ عند نيغلزمان، التكتيك لا يتجاوز 30% من خلطة النجاح.

 

ليس تواضعًا بالضبط؛ فالأول لم يجد حرجًا في اعتبار نفسه أفضل مدرب موجود5، والثاني لم يتردد في رفض عرض بايرن ميونيخ لتولي مسؤولية الفريق الثاني ولم يكن قد تلقى وظيفته الأولى بعد6، ولكنه اعتراف بما لا نحب الاعتراف به؛ الجانب الإنساني في اللعبة الذي لا يظهر في جداول "أوبتا"؛ الأخطاء الفردية والظروف النفسية ودور الإعلام وكل ما نتعمد تجاهله فقط لأنه غير خاضع للقياس والتجربة؛ غير خاضع لرغبتنا في التحكم.

 

التحليل لن يتوقف حتى في أحلك اللحظات لذلك؛ لا بد من نظريات تملأ كل هذا الفراغ وتطمئن الجميع أن كل شيء تحت السيطرة، وأن "أ" استحق الفوز على "ب" بجدارة حتى لو انتهت المباراة بركلات الترجيح

النتيجة أننا نشاهد خبراء التحليل يلومون توخيل لأنه لم يوقف تسديدة فيدال التي أطلقها من 30 ياردة، أو لأنه سمح للاعبيه بارتكاب خطأ على حدود المنطقة منح الفرصة لألونسو لوضع ركلة حرة في الشباك، وكلها أمور لم يكن أحدهم ليستطيع منعها حتى في مباراة "بلاي ستيشن".

 

ثم يصل الجنون لذروته عندما تحاول ذراع التحليل الإمساك بالأخطاء التحكيمية كذلك، فنتجاهل أن حكم اللقاء لم يحتسب ركلتي جزاء على الأقل لليفربول في الشوط الأول من نهائي اليوروبا ليغ، ونتحدث عن انهيار الريدز ومدربهم في الشوط الثاني أمام إشبيلية، مستعينين بالجمل المعتادة عن الأخطاء التحكيمية التي هي جزء من اللعبة، ويوم لك ويوم عليك، إلى آخر هذا الهراء.


 لأن الإقرار بأن الأمور خرجت عن السيطرة والحكم أفسد اللقاء يعني أن المقال لن يُكتب، وأن الأستوديو التحليلي لم يعد له داع، والأسهل هو لوم كلوب لأنه لم يجهز نفسه لاحتمال مشابه، في الواقع؛ أي مدرب عليه تسجيل 4 أهداف في بداية أي مباراة للوقاية من أي أخطاء تحكيمية قد تحدث، ولا مانع من ضم رونالدو وسواريز للدكة حتى لا يتهمه المحللون بأنه لم يعد البديل الجاهز، وربما يريد إضافة إنييستا وألونسو وكوتينيو تحسبًا لجدول مزدحم أو قرعة صعبة.

لأن التحليل لن يتوقف حتى في أحلك اللحظات التي تخرج فيها الكرة لسانها للجميع؛ لا بد من نظريات تملأ كل هذا الفراغ وتطمئن الجميع أن كل شيء تحت السيطرة ويسير وفقًا لنظام محدد، وأن "أ" استحق الفوز على "ب" بجدارة حتى لو انتهت المباراة بركلات الترجيح.

 

التكتيك مُفسر الأشياء
تييري هنري مع مدربه بيب غوارديولا بعد الفوز بكأس السوبر الأوروبي 2009  (غيتي)


مؤخرًا صرح غوارديولا في مقابلة لـ"سكاي" مع "تييري هنري"7، أنه يجد صعوبات كبيرة في التأقلم مع أسلوب اللعب الإنجليزي، لأن "الكرة تقضي أغلب وقتها في الهواء بدلًا من الأرض" على حد تعبيره، ما يخفض قدرة فريقه على وأد المرتدات بالضغط العكسي، وبالتالي قدرته على التحكم في اللعب.

 

فجأة وجد بيب نفسه عاجزًا عن السيطرة على كل شيء كما اعتاد، والسبب هو تقنية بدائية تكاد تنقرض من العالم كالكرات الطولية، وصفها كلوف منذ 30 عامًا بتعبيره العبقري؛ "لو كان مقدرًا لنا أن نلعب الكرة في الهواء لوضع الله عشبًا هناك"8.

 

ولكنها لم تكن المرة الأولى للدقة، فالوقائع المشابهة لا تنتهي؛ بيب خسر أمام الأتلتيكو لأن مهاجمه أضاع ركلة جزاء في واقعة نادرة الحدوث، ثم فاز في الدور الأول على أرسنال لأن حكم الراية لم يلحظ أن ساني كان متسللًا، وفي وثائقي أنتجته "سكاي" منذ شهور كشف "كريستيان فولك"9 كبير محرري "بيلد" أن السبب الرئيسي لهزيمة البافاري من  الـميرينغي برباعية كان طلب كبار لاعبي الفريق كـ"ريبيري" و"روبن" و"لام" و"شفاينشتايغر" التخلي عن خطة بيب وطريقته في اللعب، والاعتماد على ما أسموه بـ"طريقة بايرن ميونيخ" والاندفاع في الهجوم لسحق الضيوف مبكرًا، لينتهي الأمر بما اعتبره بيب أسوأ هزيمة في تاريخه، متحملًا مسؤوليته كاملةً.

 

هذا ما يحدث لمدربين يُقال أنهم مهووسون بالتحكم والسيطرة في كل شيء، فيمكنك تخيل حال جمهور يظن أن إحصائيات المباراة كافية لمعرفة ما حدث، وللأسف فإن تفاصيل مشابهة لا تنتظر رأي خبراء التحليل؛ تحدث وتؤثر في كل شيء تاركة للجميع مهمة صعبة هي إرجاع كل ذلك للمعلوم الوحيد القابل للقياس؛ التكتيك الذي سمح لراموس بالارتقاء أعلى من الباقين، والأرقام التي جعلت كيهيل يمرر لمهاجم الخصم، والإحصائيات التي أكدت أن مولر وليفاندوفسكي سيتبارون في إضاعة الفرص واحدة تلو الأخرى، لأن عالم التحليل لا يمتلك إلا النتيجة لتفسير كل شيء، ولا يجرؤ على التصريح بأن هذا المدرب أو ذاك خسر أو فاز بلقطة فردية أو توفيق نادر، وإلا انضم لخانة الحاقدين والمصابين بالحرقان فورًا.

 

نحو مزيد من الفلسفة

فوز مانشيستر سيتي بالبريميرليغ في سيناريو غير متوقع، حيث أحرز أغويرو هدفي الفوز في الدقائق الأخيرة وحسم الفوز باللقب لصالح السيتي

غيتي

بالطبع لا يعني الأمر أن كرة القدم عبارة عن سلسلة من الصدف والظروف، ولكنه يعني أن علينا الاعتراف بدورها في العملية والنتيجة النهائية، والكف عن التظاهر بالعمق في كل مناسبة وإطلاق النظريات بعد كل حدث، لأن اللعبة ستظل على قدر لا بأس به من العشوائية والارتجال مهما حدث، وسيظل عنصرها البشري يباغتنا بانتصارات وإخفاقات بلا صاحب، تنتظر الصوت الأعلى أو النظرية الأعمق بعد انقضاء المعركة لتعلن ملكيتها.

 

لذا قد يكون هناك احتمالًا ولو بسيطًا أن برشلونة بيب لم يكن لينجح دون ميسي، أو ثنائية تشافي وإنييستا، أو بوسكيتس الذي اكتشفه بيب ويعتبره البعض أهم لاعبي الفريق، ربما لم يستفد بيب من الفلسفة بقدر ما استفاد من إقناع مجموعة من الموهوبين ضئيلي الحجم ببذل جهد خارق بدون الكرة لاسترجاعها فور فقدانها.


ولعل كلوب لم يفز بدوري الأبطال أو اليوروبا ليغ لأنه فاشل في النهائيات كما استقر الجميع، لعل لفقدان نجمه الأبرز في النهائي بعد التوقيع مع الغريم دورًا في ذلك، وربما كان ليفوز بأول بطولة مع الريدز لو كان التحكيم أكثر عدلًا، وربما لا نحتاج لإرضاء غرورنا بتفسيرات عميقة طول الوقت لأن كرة القدم قد تكون بهذه البساطة أحيانًا، ولو لم تكن كذلك لما أحببناها في المقام الأول.

 

لذا عليك أن تفكر جيدًا في المرة القادمة التي تحاول فيها اختزال فريق كرة في مدرب خارق أو تكتيك لا يقهر أو نجم أسطوري، لأن بعض الأشياء غير قابلة للاختصار وستظل ألغازًا عصية على الفهم، كبرشالونة بيب وتسديدات فيدال ونهائيات كلوب، ولماذا نسي الجميع "أوتو ريهاغل".
مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار