انضم إلينا
اغلاق
بايرن ميونيخ – ريال مدريد.. في الطريق إلى كارديف

بايرن ميونيخ – ريال مدريد.. في الطريق إلى كارديف

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
هناك الكثير من المفارقات الساخرة التي يمكنها أن تُعَنوِن تلك المباراة؛ كحقيقة أن سلسلة لاهزيمة بايرن ميونيخ الأوروبية بدأت من بعد ريال مدريد وعادت لتنتهي عنده، أو أن رونالدو سجل هدفين في كامل البطولة ومثلهما في تلك المباراة منفردة، أو حقيقة أن مصير بطولة بهذا الحجم يتوقف أحيانًا على لاعب واحد أو لقطة واحدة لا تستغرق عدة ثواني، وأن ريال مدريد الذي كان يعد نفسه لجحيم الأليانز أرينا، لعب شوطًا أشبه بكرة اليد مع مانويل نوير، فقط لو كان حراس كرة اليد بهذه البراعة الأسطورية في مرمى بثلاثة أضعاف المساحة.

 

حظوظ زيدان
 على رأس كل ذلك، الفكرة الشاعرية عن التلميذ الذي تفوق على أستاذه، لأنه نفس التلميذ الذي لم يقنع الكثيرين فيما مضى رغم نتائجه المبهرة، ربما لأنهم شعروا أن تشكيلة الميرينغي بإمكانها تقديم ما هو أفضل، أو لأن موازين القوى اختلت؛ وأصبح بنزيما هو هداف الفريق في دوري الأبطال، وراموس هو منقذه في الليغا، وكارفاخال ومارسيلو هم أبرز نجومه، وربما هي ادعاءات لا تخلو من وجاهة، لأن زيدان بدأ مسيرته بتحفظ كبير لا يبرره إلا قلة خبرته، أو لنقل خبرته المعدومة، وربما خدمته الظروف فعلًا في لقطات عدة، ولكن الأكيد أنها خدمت غيره كذلك.
زين الدين زيدان مدرب ريال مدريد في مباراة الأمس (رويترز)

 

إذن هي طريقة لعبه المملة؛ إغراق منطقة جزاء الخصم بالعرضيات حتى التسجيل، لا مناص من إنكار ذلك، فريال مدريد هو أكثر فرق الدوريات الخمس الكبرى تسجيلًا من الكرات الثابتة بنسبة تتخطى 30% من أهدافه الاجمالية (25/79)1، ويتصدر صانعي لعبه مسدد الركنيات الأول توني كروس (11) والظهير الأبرز هجوميًا مارسيلو (7)2، بالإضافة لأنه أكثر فرق أوروبا تسجيلًا في الدقائق الأخيرة، وفي عرف جمهور اللعبة لا يوصف ذلك إلا بالحظ، خاصة إذا لم يكن هذا الجمهور من مشجعي ريال مدريد.

 

ولكن الحقيقة أن اختزال الأمر في الظروف أو الحظ أو طريقة لعب متكررة لا تتغير هو تسطيح سافر، يتجاهل أن الرجل عانى من غياب الثلاثي الهجومي عن 29 مباراة في الموسم الحالي فقط، وأنه اضطر لمواجهة الأتلتيكو عقدة الميرينغي في الأعوام الأخيرة في ملعبه بلا اثنين منهم واكتسحه بثلاثية نظيفة، وأن اثنين من أفضل لاعبيه -رونالدو ومودريتش- لا يعيشان أفضل مواسمهما قطعًا، وأنه لا يوجد أي كم ممكن من الحظ أو الظروف قادر على توحيد الفريق وتحفيزه نفسيًا بهذا الشكل، للدرجة التي تجعل مواهب يتمناها كبار إنجلترا في تشكيلتهم الأساسية ترضى بالجلوس على الدكة، بل وتقدم مساهمات فعالة ومؤثرة عند الحاجة إليها ومهما طالت فترة غيابها، إلا إذا كانت تلك الظروف اسمها زيدان.

 

مقدمة طويلة ولكنها ضرورية، لأن ذاكرة الجمهور دائمًا ما كانت انتقائية، لا تتذكر ما حدث فعليًا بقدر ما تتذكر انطباعها الشخصي عنه، وغالبًا ستختار غياب ليفاندوفسكي أو طرد مارتينيز القاسي أو ركلة جزاء فيدال الضائعة كعنوان المباراة الأبرز رغم أنها لم تكن صحيحة من الأصل، وستنسى أن ريال زيزو دخل جحيم الأليانز بناتشو فيرنانديز كقلب دفاع، وأن رفيقه راموس كان مهددًا بخطر الاقصاء عن المباراة التالية حال تلقيه إنذار، ورغم ذلك خرج فائزًا، والأهم أنه تفوق دفاعيًا على عملاق بافاريا حتى وهو في أفضل حالاته في الشوط الأول، وأن بساطة الحل لا تعني سهولته بالضرورة.

خطة الفريقين والتشكيل والتقييم الرقمي (هوسكورد)

 

عاصفة فيدال

لم يكن زيدان يحتاج لغياب بيبي وفاران ليختار التراجع الدفاعي أمام بايرن أنشيلوتي، ولكن الأخير كان بحاجة لليفاندوفسكي ليستطيع استغلال هذا التراجع، والنتيجة أن الغيابات في الفريقين أجبرتهم على معركة متكافئة في الشوط الأول، استأثر فيها البايرن بالاستحواذ دون فاعلية كبيرة، وخرج منها كل فريق بفرصتين سانحتين للتسجيل، انفرد بهما فيدال من جانب أصحاب الأرض، وتكفل بأخطرها نوير بعد أن أبعد رأسية بنزيما.

 

ولكن في شوط عابه بطء التحضير من الجانبين، كان الوحش التشيلي يخوض مباراة أخرى بسرعة 200 كيلومتر في الساعة ليعادل الكفة مع ثلاثي وسط الريال الرائع، ويعوض حصيلة ألونسو الدفاعية الهزيلة التي لم تتخط تصدي والتحام هوائي واحد في 45 دقيقة، ليخرج فيدال بأربعة تدخلات دفاعية واعتراضين وهوائية ناجحة نجم عنها هدف فريقه الوحيد، في شوط قدم فيه جهدًا خرافيًا بدا وأنه لن يتوقف، وكأن نوبة الركض الهيستيري بدأت منذ لحظة خروجه من منزله ولن تنتهي إلا بعودته إليه.

فيدال كان أكثر من لمس الكرة من الفريقين وأكثرهم محاولة للتسديد (هوسكورد)


ولأن الهيستيريا ليست مفيدة دائمًا، سدد فيدال ركلة الجزاء بسرعة 200 كيلومتر في الساعة كذلك، وكان من الأوقع تركها للمتخصص الهادئ ألونسو كما تجري الأمور في العادة، ولكن أزمة البافاري في الشوط الأول كانت أعمق بقليل، ليس لأن مدربه المحنك لم يقرأ خصمه جيدًا، بل ربما للعكس.

 

حكم السن

ما لا يقال كثيرًا عن طريقة لعب زيدان أنها محكمة التفاصيل رغم بساطتها، فمصادر الخطورة -وعلى رأسها كارفاخال ومارسيلو- غالبًا ما تأتي بلا رقابة، وفي صعود تدريجي لا يلفت الانتباه ويشترط نسبة معينة من الاستحواذ، ما يمنحها الأريحية اللازمة لإرسال العرضيات المتقنة ومن هنا تتكفل أفضلية الثلاثي الهجومي الهوائية الكاسحة بالباقي، الذي قد لا يعتبره البعض بقوة ثلاثي برشلونة أو حتى بايرن، ولكنهم ينسون أنه الأكثر تنوعًا، لأنه الوحيد الذي يمكن لأي من أعضائه تسديد الرأسيات بكفاءة، حتى وإن لم تكن مهاراته في الاختراق على نفس الدرجة.

 

من هنا فضل الإيطالي (4-2-3-1) على (4-3-3) المماثلة للريال، مع تعليمات لروبن وريبيري بفرض الرقابة على ظهيري طرف الميرينغي لحظة صعودهم، والذي لا يأتي إلا بعد صعود الميرينغي نفسه في أكثر المرات، وبالتالي تزداد قيمة التحولات السريعة حينها باستخدام سرعة نفس الثنائي وضغط فيدال وتياغو في العمق.

تحركات ظهيري طرف الريال الذكية (يمين) أجبرت جناحي أنشيلوتي على العودة للمساندة الدفاعية (يسار) (سكواكا)


ولكن خطة (4-2-3-1) أنشيلوتي كانت أشبه بـ(4-1-3-1) في حقيقتها، لأنه إن كانت مباريات البوندزليغا تغري باستمرار الاعتماد على ألونسو فإن مباراة أمام ريال مدريد ليست كذلك بالتأكيد، والنتيجة أن جهد الإسباني المتواضع حرم فريقه من الاستفادة القصوى من صعود فيدال وتياغو وهو أحوج ما يكون إليه، ما كفل النجاح للجزء الثاني من خطة زيزو، وهي استخدام ثلاثي وسطه في إبطال مفعول ثلاثي صناعة اللعب خلف مولر، ومكنته صلابة كارفاخال الدفاعية من ادخار جهده لأخطرهم ومساندة مارسيلو أمام طوفان روبن المتوقع.

9 من 22 تدخل لثلاثي وسط الريال كانت في جبهة مارسيلو - روبن و6 منها كانت لإيقاف الهولندي الطائر (سكواكا)

 

لذا وبينما كان أنشيلوتي يوقف أهم أسلحة زيدان في الشوط الأول، كان يعلم أنه يفقد أهم أسلحته بدوره في الشوط الثاني، لأن الجهد البدني المطلوب من الثنائي لم يكن ليسمح لهما باستكمال المباراة بنفس النسق، وهو سيناريو يعلمه الإيطالي جيدًا لذا خطط للدفع بالثنائي البديل كوستا وكومان في الشوط الثاني للإجهاز على ما تبقى على الأطراف، وتمويل مولر بالعرضيات التي يجيد توقعها عادة ويسجل منها أغلب أهدافه، وهي أفضل فرصة ممكنة في ظل حالة الألماني المتردية هذا الموسم.
 

رونالدو يحضر

فجأة أعلن رونالدو أن دوره قد حان، وأن كونه يمر بأسوأ مواسمه لا يمنع أن يسجل في بايرن ميونيخ في عودة مفاجئة ككل انتفاضاته التي تفاجئ الجميع كل مرة، ولأن عاصفة فيدال كان ينقصها القليل من المؤثرات، وقع البرتغالي على الملعب كالبرق في أنسب وقت ممكن، حينما سرى التردد بين صفوف أصحاب الأرض، وكانوا في مرحلة الشك في قدرتهم على تجاوز ركلة فيدال الضائعة.

 

وأن تسجل هدفا مشابها في بايرن ميونيخ على أرضه والنتيجة مازالت 1-0، يعني أنك ستجبره على مزيد من الاندفاع والتهور سعيًا للتعويض، ولكن لا يعني بالضرورة أنك ستعود وتستغل ذلك في إقصاء أحد لاعبيه وإراحة فريقك فيما تبقى من المباراة، وبالطبع لا يشترط أن تسجل الثاني وتحسم التأهل كاسرًا سلسلة اللاهزيمة التي استمرت لثلاث سنوات، ولكن هذا ما حدث؛ إعصار رونالدو دمر الأليانز أرينا كما عصف بالكالديرون من قبله، متزامنًا مع تغيير أسينسيو العبقري، الذي يعبر عن جرأة الفرنسي ويختصر فلسفته في نفس الوقت، فالإسباني الشاب لا يمتلك ما يرجح كفته على إيسكو أو خيميس إلا نقطتين رئيسيتين؛ سرعته، وطاعته العمياء.

 

النتيجة أن المباراة تحولت لسيرك حقيقي؛ انهيار تام لأصحاب الأرض لا يُستثنى منه إلا نوير الذي حرم الميرينغي من انتصار تاريخي آخر كاد يفوق ذلك الذي بدأت بعده سلسلة اللاهزيمة، خاصة في ظل تعملق كازيميرو في عاصفة دفاعية شبيهة بقرينه فيدال في الشوط الثاني، والسبب الرئيسي أن أنشيلوتي قرر الاستمرار في خطته الموضوعة مسبقًا متجاهلًا المتغيرات، وهي عادة لازمت الإيطالي المحنك طيلة مسيرته تقريبًا؛ قراءة رائعة وتحضير متقن وتغييرات بلا قيمة وأحيانًا بأثر عكسي.

عاصفة كازيميرو في الشوط الثاني؛ أعلى لاعبي الفريقين نجاحًا في التدخلات (63%) (سكواكا)

ريال مدريد صنع 12 فرصة عقب الطرد مقابل اثنتين لبايرن ميونيخ، الحل؟ الدفع بكوستا وكومان وبيرنات  (سكواكا)


لذا احتاج الجميع لمراجعة قائمة بدلائه مرة أخرى، ليتأكدوا أنه امتلك كيميتش وسانشيز واتخذ قرارًا واعيًا باشراك كومان وكوستا؛ الثنائي الذي لم يجد من يموله لسبب بسيط جدًا هو أن ثنائي وسطه قابع في منطقة جزاءه يتلقى الضربات واحدة تلو الأخرى، وفريقه عاجز عن الخروج بالكرة لما هو أبعد من ثلث ملعبه، والمصيبة أن مشاركتهما في المجهود الدفاعي اقتصرت على تشتيت الكرة مرة واحدة حتى في ظل ضغط الملوك الهيستيري، ولا حاجة لذكر بيرنات الذي وقع فريسة سهلة  لرونالدو في لقطة الهدف الثاني، بعد عملية تحميل "أوفرلود" بدائية وقع فيها دفاع البافاري بسذاجة، مستجيبًا لكثافة لاعبي الريال على جهته اليمنى وتاركًا بيرنات في العمق وحيدًا مع البرتغالي السفاح، ولو أعاد أسينسيو عرضيته الرائعة ألف مرة لسجل منها رونالدو ألف هدف في وضعية كتلك.

 

100 هدف لرونالدو وانتصار تاريخي جديد لزعيم القارة في بطولة يبدو أقوى مرشحيها حتى اللحظة، والحظوظ الوحيدة التي ينبغي على خصوم زيدان القلق منها، هي حظوظه التي يصنعها بنفسه، والتي قد تجعل الملكي أول من يحصل على البطولة مرتين متتاليتين بنسختها الجديدة.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار