انضم إلينا
اغلاق
لأن الريمونتادا لا تحدث مرتين

لأن الريمونتادا لا تحدث مرتين

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
عند هذه المرحلة، لابد وأنك جربت عدة أساليب دفاعية لمواجهة صدمة يوفنتوس، تبدأ أحيانًا بالإنكار، والتأكيد على أن هناك فضيحة تنتظر البيانكونيري في الكامب نو، معتمدًا على منطق عدمي يقول بأن أحدًا لم يظن العودة ممكنة أمام باريس، وبالتالي فإن قولهم بأنها مستحيلة أمام يوفنتوس لا يعني إلا أننا بصدد ريمونتادا تاريخية أخرى، وبالتالي لا يعني منطقك سوى أن برشلونة سيستمر في فعل المستحيل للأبد، لا لسبب إلا كون الجميع يظنه مستحيلًا.

 

أو لعلك لجأت للتقليل من صعوبة المهمة لأن برشلونة ورغم حالته السيئة، حظي بفرص محققة للتسجيل تفوق تلك التي حظي بها يوفنتوس على أرضه، أو ربما أنت منشغل بمحاولة إثبات أن ديبالا لم ولن يكون ميسي مهما فعل، لكنك على الأغلب قررت العودة إلى الواقع، واعتمدت على الطريقة الأشهر والأنجح في مثل هذه المواقف؛ توقع الأسوأ لتجنب خيبة الأمل، خاصة أن حالة الفريق لا تشي بما هو أفضل فعلًا، والبيانكونيري يدافع بشكل جيد فعلًا، وحتى وإن حقق الكتلان المفاجأة وسجلوا أربعة أهداف أو خمسة، فأنت تعلم يقينًا أن قبولهم ثلاثة أو اثنين لن يكون مفاجأة.

 

إذن هو الخروج المشرف، يكفي أن برشلونة سيحاول مصالحة جمهوره، وربما يكتفي بهدفين محققًا انتصارًا معنويًا على الطليان، وكأنه يثبت أنه لم يكن ليخسر في حالته المعتادة، وهذا يكفي حتى إشعار آخر.

 

جُعبة ألليغري

ينبغي تذكيرك بأن الطليان قد شاهدوا هذا الفيلم من قبل، وأن مدربهم أكد أنه لن يبادر بالتراجع مثلما فعل باريس، تاركًا نفسه فريسة لهجمات الكتلان المتتالية التي بنوها بأريحية شبه مطلقة

رويترز

ولكن الحالة تلك المرة مختلفة؛ إنييستا أكد على قدرة فريقه على العودة، كذلك فعل بيكيه ونيمار وغيرهم، عكس صدمة باريس التي ألجمت ألسنة الجميع، وكأنهم يقولون الآن أن الأمر صار معتادًا، وأن تلقي الهزائم الثقيلة خارج الكامب نو ليس إلا فرصة لتجربة المستحيل في كل مرة.

 

هنا ينبغي تذكيرك بأن الطليان قد شاهدوا هذا الفيلم من قبل، وأن مدربهم أكد أنه لن يبادر بالتراجع مثلما فعل باريس، تاركًا نفسه فريسة لهجمات الكتلان المتتالية التي بنوها بأريحية شبه مطلقة، وأن أول ما فعله نجمهم الأبرز ديبالا بعد انتهاء لقاء الذهاب كان التأكيد على صعوبة العودة، لأن الأمر تخطى كرة القدم الآن وتجاوز إمكانيات اليوفي كفريق أيًا كانت، وتحول لمسألة شخصية تمس الكرامة، وحتى لو كان برشلونة سيواجه أسوأ فريق لليوفي في تاريخه، فإن هذا الفريق سيقتل نفسه ألف مرة قبل أن يسمح للكتلان بتكرار ما فعلوه أمام باريس، فما بالك والبيانكونيري يعيش أروع فتراته على الإطلاق في آخر عقد من الزمن، ومن خلفه واحدة من أفضل إدارات الأندية في القارة، تطمح في عودة قوية للساحة تحت شعار واحد يتردد في آذان الجميع منذ بداية الموسم، بعنوان واحد لا يتغير؛ "حان الوقت".

 

والأهم من كل ذلك أنه يمتلك ما يلزم لتحويل ذلك الشعار إلى حقيقة؛ تشكيلة رائعة ودكة احتياط قادرة على احداث الفارق رغم أنها لا تلمع بقدر نظيرتها في ريال مدريد أو بايرن ميونيخ، وهنا تكمن قوة عملاق تورينو؛ أنك لا تعلم أبدًا أقصى ما يمكنه فعله، ورغم أنه يفوز بالمسابقة المحلية كل عام بلا عناء يذكر، إلا أنك نادرًا ما تشاهده يفوز بالخمسة على بيسكارا أو بالستة على كروتوني، لأن مدربه رجل اقتصادي يفضل توفير مجهود فريقه، ولا يقدم 100% مما يملك إلا إذا كان هناك سببٌ وجيهٌ لذلك، وبما أن السيري إيه لا تمتلك ما يكفي من الأسباب الوجيهة، فالرجل يدخل البطولة الأوروبية في كل عام محتفظًا بأفضلية المجهول، وبجعبة مليئة بالمفاجآت التي ادخرها طيلة العام للوقت المناسب.

 

أسلوب لا يخلو من مخاطرة رغم أنه يبدو كأكثر الحلول أمناً، لأن قلة التجارب قد تأتي بنتائج عكسية، وبعض المفاجآت قد تنفجر في وجهه بمجرد إخراجها، ولكن الفارق هنا أنه يمتلك تلك الرفاهية ولا يمتلكها الكتلان، ومهما حدث ستظل في جعبته خطة بديلة يعود لها إن ساءت الأمور، بينما لا يمتلك برشلونة سوى طريقة واحدة للفوز، وألليغري يعلمها مسبقًا ويمتلك كل الوقت لدراستها وإعداد المضاد، الذي قد لا يحتاجه من الأصل.

 

جراب الحاوي

على مدى ثلاث سنوات تلخص مشروع برشلونة في كلمة واحدة هي ميسي، ومادام الأرجنتيني موجودًا فلا بأس من دخول الموسم بلا احتياط

رويترز

على الجهة أخرى تقبع إدارة من أسوء الإدارات في العالم، لأنها تعاملت مع تفوق الكتلان على أنه أمر مفروغ منه، وقررت عند لحظة ما أن تتبادل الأدوار مع إدارة الغريم الأزلي ريال مدريد؛ فلا تبتاع إلا نجوم الهجوم الجالبين للأموال والصفقات وعقود الرعاية، وفي نفس الوقت لا تجد غضاضة في حرمان دفاع الفريق وخط وسطه من التدعيم لسنوات، مهما تقدمت أعمار لاعبيه ومها استهلكتهم المنافسة على كل البطولات سنويًا، وهو فيلم آخر شاهده الجميع من قبل ويعلمون نهايته، وأول من شاهدوه كانوا أهل مدريد.

 

رغم كل ذلك مازال الأمر يغري بالأمل، لأن بوفون يرى أن برشلونة هو الفريق الوحيد في العالم الذي يمتلك مصيره، فإن كان في يومه لن يوقفه أحد، ولكن المشكلة أن بوفون يتحدث عن فريق، وهو آخر شيء يمتلكه برشلونة في اللحظة الحالية

النتيجة أن غريمهم صار يمتلك أقوى قائمة في أوروبا وبفارق كبير عن أقرب ملاحقيه، والأهم أنها تضم مجموعة من أبرز مواهب القارة الشابة، بالإضافة لربع مليار يورو تقبع على دكته وتحلم بها أكبر أندية إنجلترا في تشكيلتها الأساسية، وكل هذا تزامن مع إهمال بارثوميو ورفاقه للاماسيا، وتحويلها لمصنع للإحباط وتفريخ المواهب لأندية الوسط في مختلف أنحاء أوروبا.

 

وعلى مدى ثلاث سنوات تلخص مشروع برشلونة في كلمة واحدة هي ميسي، ومادام الأرجنتيني موجودًا فلا بأس من دخول الموسم بلا ظهير أيمن، ولا مانع من إعارة البديل الوحيد لبوسكيتس، أو قضاء موسم كامل بلا دكة تقريبًا، والصلاة في كل مرة من أجل تمريرة أخرى ساحرة أو هدف إعجازي يعوض كل ذلك، ولا يشعرهم بأن سيسك وبيدرو وسانشيز وبويول وتشافي قد رحلوا دون معوض حقيقي.

 

لذا لم يتغير مشروع الكتلان هذا الموسم كثيرًا رغم التدعيمات، لأنها أتت متأخرة جدًا، بعد أن استُهلك الفريق في عامين من الحرب على كل الجبهات بلا راحة، تخللهما بطولتي كوبا وكأس عالم ويورو، لأن حالة الغريم أغرت بذلك فيما سبق، والفوز بالليغا بعد العودة من بعيد في موسم 2014-2015 لم يكن تحذيرًا كافيًا، ولا حتى تقلص الفارق لنقطة واحدة في الليغا التالية وتهدد الموسم بالانهيار، لأن الكتلان قد فازوا بها في المرتين، وقرروا اختبار حظهم للمرة الثالثة.

 

رغم كل ذلك مازال الأمر يغري بالأمل، لأن بوفون يرى أن برشلونة هو الفريق الوحيد في العالم الذي يمتلك مصيره، فإن كان في يومه لن يوقفه أحد، وإن خسر فلأنه لم يكن كذلك، ولكن المشكلة أن بوفون يتحدث عن فريق، وهو آخر شيء يمتلكه برشلونة في اللحظة الحالية، والحقيقة أن حاله لم يتغير من الموسم الماضي، ومازال يصلي من أجل تمريرة ساحرة أو هدف إعجازي، أربعة منها للدقة، إلا إذا كان مزاج نيمار يسمح بأداء مشابه ليوم باريس.

 

الانطلاق إلى الماضي
الأسطورة البرازيلي رونالدينهو وقائد برشلونة السابق المدافع  بويول والنجم ديكو عام 2006  (رويترز)


هي نهاية حقبة، مهما حاولت الالتفاف على ذلك ومهما استخدمت من أساليب دفاعية لتأجيل الاعتراف بتلك الحقيقة؛ فريق برشلونة الأسطوري لم يعد يتبقى منه سوى أربعة لاعبين هم بيكيه وبوسكيتس وألبا وميسي، ورغم مساهمة نيمار وسواريز بقسط كبير من نجاحاته الأخيرة، إلا أنه دخل في متوالية لا نهائية من الاعتماد على ليو، تزداد فيها اتكاليته عليه كلما أبدع، لأن العناصر الجديدة ليست بشخصية القديمة، ولا تمتلك نفس الجوع والشغف الذي لا ينطفئ.

 

قديمًا قال أحد الحكماء أنك إن نمت بجانب ثعبان لتسعة وتسعين يومًا فستفتقده في اليوم المئة، لأن كل شيء تقريبًا مقبول بالتعود، والعادة أخذت من برشلونة بقدر ما منحته، ولم يعد الكتلان يتذكرون آخر مرة طبقوا فيها ضغطهم العالي الشهير، أو استخلصوا الكرة في نصف ملعب الخصم، أو أحرزوا هدفًا لم يكن الـ "إم إس إن " سببه الرئيسي.

 

وبحكم نفس العادة صار خصومهم يتراجعون تكاسلًا لا إجبارًا، ثم لم يجدوا مانعًا في التقدم، وأخيرًا وجدنا بعضهم يلقن الكتلان درسًا في لعب الكرة بطريقتهم نفسها.

 

المفارقة أن الطريقة التي ينوي ألليغري استخدامها يوم الأربعاء هي نفس الطريقة التي واجهها بيب في بداياته مع البرسا، وقتها لم يكن أحد يعرفه وفريقه كان قد خرج لتوه من موسم صفري كافح حتى نهايته للتأهل لدوري الأبطال ثالثًا خلف فياريال، ولو عاد الكتلان لتلك الفترة لوجدوا فريقهم يلعب كرة أشبه بتلك التي يلعبها كلوب الآن؛ تمريرات سريعة وعمودية كاسرة لخطوط الخصم المندفع، وقتها لم يكن البرسا يملك شيئًا ليخسره، وخصومه لم يكونوا قد أدركوا قوته بعد.

 


أول فوز كبير لبرسا بيب ضد أتلتيكو بنتيجة 6-1، كرة لا تمت لبرشلونة الحالي بصلة

 

مرت عشر سنوات تقريبًا؛ عشر سنوات اعتاد فيها الكتلان التمريرات المركونة في منطقة الجزاء، وطوروا شخصية جديدة أكثر حذرًا، لأن فقدان الكرة في الثلث الأخير لا يعني سوى مرتدة خطيرة، وأي احتمال تنتهي به الهجمة سوى صناعة فرصة للتهديف قد يعني تلقي هدف عكسي، وكلما تطرف خصومهم في الدفاع كلما زاد حذرهم، حتى نسوا كيف تلعب كرة القدم العادية.

 

المشكلة الآن أن الكتلان صاروا عاجزين عن مواجهة أي خصم لا يقبع في مناطقه ويترك لهم الكرة، للدرجة التي أغرت غريمهم الإيطالي بالتخلي عن حذره والاندفاع للضغط العالي غير عابئ بالمساحات التي سيخلفها اندفاعه مهما أحكم تفاصيله، لأنه يعلم جيدًا أن برشلونة لم يعد قادرًا على بناء اللعب من الخلف كما كان، وأن إيقاف ميسي أو الإم إس إن  بأكمله لم يعد بهذه الاستحالة، لأن الدورة تعيد نفسها مرة أخرى والكتلان لم يدركوا ذلك بعد، والفريق الذي تفنن في تكسير التمريرات على رؤوس أصحابها أصبح يدمنها ولا يجيد إلا أمامها، لدرجة أنه قضى موسمه في تكرار ممل لليوم المئة الذي يصحوا  فيه باحثًا عن الثعبان رغم أن الحياة أسهل بدونه.

 

بغض النظر عن استحالتها عمليًا، فالعودة أمام اليوفي لن تنقذ موسم برشلونة، بل على الأغلب ستؤدي لمزيد من البلادة تجاه النتائج المشابهة، ومزيد من التسكين لأزمة الفريق الحالية في انتظار الرباعية القادمة أمام ريال مدريد أو بايرن ميونيخ أو حتى موناكو، وربما لو تكفل بها ميسي أو نيمار لأغرى ذلك الإدارة بإبقاء الوضع على ما هو عليه.

 

ولكن الأزمة تلك المرة أكبر من أن يحلها لاعب واحد أو اثنين مهما بلغ إبداعهما واستثنائيتهما، وتصريحات ألليغري عن عزمه ضغط الكتلان في مناطقهم وضعتهم أمام حقيقة ما حدث في الأعوام الأخيرة، ولن ينقذهم منه سوى إعادة دورتهم التكتيكية من البداية مجددًا وكأنهم يبدؤون حقبة ذهبية أخرى، والتاريخ علمنا أن الحقب الذهبية لا تتوالى مرتين، وكذلك الريمونتادا.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار