انضم إلينا
اغلاق
تشيلسي وتوتنهام.. زوبعة كونتي

تشيلسي وتوتنهام.. زوبعة كونتي

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
مباراة تكتيكية رائعة من كونتي؛ ذكاء، واقعية، غرينتا، روح، عزيمة، إصرار، تنظيم، ترتيب، تخطيط، لقد ذكرنا التكتيك والواقعية ولكن لا مانع من ذكرهم مرة أخرى، وهذه هي شخصية البطل، لأن الدفاع يجلب البطولات والهجوم يجلب المباريات، ومن يريد المتعة فعليه أن يذهب إلى السيرك.

في الواقع، فإن الأمر كله ليس أكثر من مؤامرة لزيادة مكاسب المسارح والسينمات وألعاب الفيديو، الكل متورط، حتى شركات الأدوية التي تبيع مضادات الاكتئاب وشركات الحلويات لها نصيب من الكعكة، لأنها لاحظت ازدياد مبيعاتها بشكل قياسي بعد المباريات المشابهة، خاصة أن المراهم تنفذ من الصيدليات سريعًا لعلاج حالات الحروق من الدرجة الثانية والثالثة المنتشرة بشدة، والعيادات النفسية تكتظ بكل من اكتشفوا فجأة أن تلك هي كرة القدم الحقيقية، وأن ما شاهدوه طيلة حياتهم لم يكن أكثر من مجرد "هلوسات".

 

المشكلة الوحيدة أن كونتي نفسه كان واحدًا من هؤلاء الحالمين السذج، وعندما واجه إسبانيا في اليورو بتشكيلة أضعف بكثير من تلك التي واجهت توتنهام، خرج بعدها ليؤكد أن إيطاليا ليست كاتيناتشو فقط، وأن التنظيم والغرينتا والروح ما هي إلا أدوات، يمكنك استخدامها لمراكمة لاعبيك في منطقة جزائك كما يمكنك استخدامها للضغط على الإسبان بنفس أسلوبهم، ولكن فيما يبدو أن كونتي لم يكن يمتلك الكثير ليخسره حينها، أو ربما لم يكن قد ذهب إلى السيرك بعد.

زيارة واحدة للسيرك قد تغير خريطتك الحرارية للأبد (هوسكورد)


المهم أنه قد ذهب أخيرًا، والمثير للسخرية أن مورينيو هو من اصطحبه إلى هناك، لأنه الوحيد الذي امتلك العنصر السحري ممن واجهوه هذا الموسم؛ الوحيد الذي نجح في تنظيم دفاعه بلا أخطاء تقريبًا والتسجيل في شباكه في نفس الوقت، إلى جانب بوكيتينو بالطبع في مباراة الدور الثاني، والنتيجة أن كونتي عاد سالمًا لقواعده بعد أن تقلص الفارق لأربعة نقاط فقط، وفيما يبدو فإن اضطراره للعب يومي السبت والثلاثاء هو مبرر كافٍ لأن تخرج المباراة بهذا الشكل، وأن يكون المكان الوحيد للندية والتكافؤ هو لوحة النتيجة في ملعب ويمبلي، رغم أن خصومه قضوا أغلب موسمهم في نفس الظروف، ورغم أنه يواجه فريقًا بُني على ربع ميزانيته تقريبًا ويلعب دون ظهيري طرفه الأساسيين، ولا يمتلك لاعبًا واحدًا سبق له الفوز بالبريميرليغ.

 

مسرح الجريمة

تغييرات مهمة في التشكيلة الأساسية لكل من الإيطالي والأرجنتيني، إن دلت فهي تدل على انعدام العمق في بعض المراكز، فاختار كونتي إراحة نجمه الأبرز هذا الموسم إلى جانب "كوستا" الذي لم يكن عام 2017 رحيما به، بعد أن سجل خلالها 4 مرات فقط في 16 مباراة، 6 منها مرت منذ آخر مرة هز فيها الشباك، وهو الذي لم تمر عليه مباراتين متتاليتين في 2016 دون تسجيل.

 

دخل "باتشواي" و"ويليان" ليحرموا البلوز من متنفسهم تحت الضغط المتوقع؛ فالأول لا يبذل نصف مجهود "كوستا" في الضغط على دفاع الخصم، وليس بنفس التمكن في التعامل مع الثنائيات الصعبة في وسط الملعب، والثاني ظُلم بمطالبته بأداء دور "هازارد" في مباراة كتلك، لأن "هازارد" نفسه كان ليجد صعوبة لا بأس بها حتى وإن نجح، خاصة مع وحش عديم الرحمة كـ"وانياما" يجد المساندة من "ديمبيليه" كلما احتاجها، حتى لو لم تكن أفضل مباريات الأخير في الثلث الهجومي.

تشكيل وخطة الفريقين والتقييم الرقمي (هوسكورد)

 
بالطبع كان بوكيتينو ليستطيع عقاب كونتي على مخاطرته في الظروف المعتادة، ولكنه رأى أن هذا سيكون أسهل مما يجب، لذا قرر تجربة اختراع جديد لمعادلة الكفة وهو "مين سون" في مركز الظهير الأيسر، في محاولة مفتعلة للتذاكي -كما يبدو- بلا مبرر واضح خاصة في ظل تواجد "ديفيز" على الدكة، ونجمت التجربة عن 55 لمسة للكوري الجنوبي كثاني أقل لاعبي فريقه بعد "هاري كين" مقابل 90 لقرينه على الجهة الأخرى "كيفين تريبييه"، واحدة منها منحت البلوز هدفهم الثاني من ركلة جزاء  والـ54 الباقين بلا أثر يذكر، ليذكرنا بوكيتينو بالرجل الذي اخترع عدسة تجمع أشعة الشمس ليشعل سيجارته، لأنه رأى أن استخدام القداحة ليس مبتكرًا بما يكفي.

 

عدا ذلك لم يتغير الكثير؛ شارك كونتي بخطته التقليدية (1-2-4-3) مانحًا فرصة للرائع "أكي" الذي لا يعيبه هدف "كين" الأول في ظل نقص خبرته، أما بوكيتينو فحافظ على عادته باستنساخ خطة خصومه في المواجهات الكبرى لضمان التكافؤ التكتيكي، ومن هنا أتت الـ(5-3-آلي-1).

 

أبيض وأزرق

وضحت نوايا كونتي مبكرًا، ليس لأنه لجأ للدفاع منذ البداية ولكن لأنه بادر بالضغط في أول ربع ساعة، وهي مخاطرة أخرى محسوبة لأن التعافي من نتائجها السلبية -إن حدثت- ممكن، فتسجيل البلوز لهدف مبكر كان سيمنحهم فرصة لقضاء باقي المباراة في وضعيتهم الدفاعية الأكثر أمناً، ومن هناك يمكنهم إطلاق المرتدات أمام خصم مندفع للتعويض وزيادة الغلة، وكذلك تلقي هدف مبكر يمنحك 75 دقيقة للتعويض، ومع توتنهام هو احتمال أقل من غيره لأنه ثنائيته الهجومية ومن خلفها "إريكسن" لا تمتلك نفس السرعات الخارقة لـ"ويليان" و"بيدرو" في المرتدات، في الواقع فإن أسرع عناصر توتنهام "روز" و"ووكر" لم يشاركا من البداية، خاصة أن الأول مصاب منذ نهاية يناير.

الفترة الوحيدة التي شهدت حالة قريبة من التكافؤ بين الفريقين كانت في الربع ساعة الأولى (هوسكورد)


حصل كونتي على ما أراد ولكن ليس نتيجة لضغطه في أول ربع ساعة، بل عن طريق المرتدة الوحيدة التي أجاد "باتشواي" التعامل معها، ليطلق البلجيكي زميله "بيدرو" في سباق سرعة لم توقفه إلا أقدام "ألدرفيريلد" على حدود منطقة الجزاء.

 

ما لا تعرفه غالبًا عن المدافع البلجيكي أنه لم يرتكب إلا 16 مخالفة فقط في 5584 دقيقة لعبها في البريميرليغ منذ توقيعه لتوتنهام في صيف 2015 -60 مباراة تقريبًا-، وما تعرفه غالبًا عن "ويليان" أنه سجل 9 ركلات حرة من أصل 14 سددهم في نفس الفترة، أضف إلى ذلك حقيقة أن "ويليان" كان على وشك التوقيع للـسبيرز في 2013، بل وأتم الكشف الطبي بالفعل قبل أن تأتيه مكالمة من الجانب الأزرق من المدينة لتغير كل شيء، لذا يمكنك أن تفهم لماذا كان تسجيله لتلك الركلة حتميًا حتى تكتمل المفارقة.

 

حدث من قبل

وفي ظل تكافؤ تكتيكي سببه تحفظ كونتي واختراع بوكيتينو، مالت السيطرة كاملة لفريق الأخير ولكن دون فرص محققة للتسجيل، وكان السبيل الوحيد للتسجيل هو اللقطات الشبيهة بركلة "ويليان"، لذا لم يكن هدف التعادل ليأتي إلا بقرار "كين" الذكي بإلقاء كل ثقله الهجومي على "أكي" قليل الخبرة، وبنفس الطريقة التي سجل بها الـسبيرز هدفي الفوز أمام البلوز في لقاء الدور الثاني؛ عرضيات "إريكسن" الذي عادة ما يختفي أمام الكبار، ربما باستثناء أكبرهم على الإطلاق هذا الموسم.

 

بالطبع لم يكن تألق الدانماركي ليمر مرور الكرام على صانع الفوضى الأول في إنجلترا والمعادل الموضوعي لـ"توماس مولر" في خطة الأرجنتيني، الرجل الذي لا يعلم أحد مركزه ولا اللحظة التي ينتقل فيها من الطرف للعمق أو من الخلف للأمام أو العكس، عرضية أخرى من "إريكسن" تسجل تمريرته الحاسمة العشرين هذا الموسم ونفس العدد من الأهداف لـ"آلي" في نفس اللعبة، ليدرك كونتي أن مهارات "ويليان" واختراع بوكيتينو ليسا كافيان لإنهاء المباراة، وأنه قد يضطر للهجوم ليسجل فيما تبقى من المباراة.

لمسات ديلي آلي أمام تشيلسي، خمن مركزه واحصل على تذكرة مجانية للسيرك (هوسكورد)


10 دقائق كانت كافية ليدفع الإيطالي بكل أوراقه تقريبًا، لسبب بسيط هو أن انتقال المباراة لوقت إضافي يعني أنه أجلسها بجانبه من البداية بلا داعي، وأن رغبته في إراحة الثنائي من أجل مباراة الثلاثاء قد أدت إلى مزيد من الإجهاد للفريق بأكمله، ثم أعقب ذلك بالتحول إلى (5-3-هازارد-1) بدوره، بإقحام "فابريغاس" أو نسخته الخاصة من "إريكسن" أملًا في استغلال التفاهم بينه وبين الجناح البلجيكي لإنتاج المزيد من الفرص، بالتزامن مع قيام بوكيتينو بإخراج "سون" بعد أن فشلت العدسة في إشعال سيجارته، ولكنه لم يخرج قداحته في نفس الوقت مبقيًا "ديفيز" على دكة البدلاء بجانبه، ليدفع بـ"ووكر" يمينًا ويعيد "تريبييه" لليسار  في تصميم غير مفهوم على تعقيد الأمور.

 

النتيجة أن المحظور قد وقع مرة أخرى، وسجل "هازارد" من الركنية الوحيدة التي نالها البلوز وكأنه يعاقب الـسبيرز على 11 ركنية لم يستفيدوا منها، لينهي موسمهم بلا بطولة للمرة الثانية على التوالي، بعد أن أخرجهم من المنافسة على البريميرليغ في الموسم الماضي بتسديدة مشابهة، ثم أتى دور "ماتيتش" الذي كان أقل لاعبي الفريقين لمسًا للكرة على الإطلاق 30 لمسة في 90 دقيقة! لينتقم بتسديدة نادرة وكأن الاستثناءات قررت أن تجتمع في مباراة واحدة.

لمسات الصربي الدولي أمام توتنهام (هوسكورد)


وسط كل ذلك احتوت المباراة على عدة أرقام مثيرة للدهشة؛ مثل مشاركة "إريكسن" -93 لمسة- في اللعب بمقدار يفوق ثلاثي هجوم تشيلسي الذي بدأ المباراة مجتمعًا -70 لمسة-، وحقيقة أن "هازارد" لمس الكرة 20 مرة في نصف ساعة مقابل 18 لـ"بيدرو" في 74 دقيقة، وأن دفاع تشيلسي عجز عن بدء هجمته واضطر لتشتيت الكرة 27 مرة، 10 منها لـ"لويز" منفردًا  منحته لقب رجل المباراة ومنحت البلوز أقل دقة تمريرات لهم هذا الموسم 68%، وبالطبع الرقم الأهم على الإطلاق؛ وهو أن البلوز سددوا 8 مرات كانت 5 منها على المرمى 63% وسجلوا منها 4 أهداف 80%، مقابل 13 للـسبيرز كان منها 4 فقط على المرمى 31% سجلت هدفين فقط 50%.

تسديدات الفريقين (هوسكورد)


كل هذا لا ينفي الحقيقة الساطعة أن البلوز استحقوا فوزهم العريض، حتى لو أتى من 4 تسديدات شبيهة بتسديدة "ماتيتش" أو حتى تسديدة واحدة من هجمة واحدة تنهي المباراة بنتيجة 1-0، لأن بيرنلي استحق الفوز كذلك على ليفربول في أكثر مباريات الموسم تناقضًا وإثارة للجدل، ولأن الاستحواذ والسيطرة وعدد المحاولات الفاشلة لا ولن تمنح أي فريق الأفضلية على الآخر، ولكنها ربما تثبت أن بركان كونتي الهجومي في بداية الموسم قد أُخمد تحت وطأة ضغط المباريات وقرب التتويج، رغم أنه كان الفريق الأكثر حفاظًا على تشكيله الأساسي بين الستة الكبار، والأقل تعرضًا للإصابات والأقل لعبًا للمباريات في العموم والأكثر حظًا بالراحة، في انتظار سوق انتقالات يُقال أنه سيكون تاريخي للبلوز، وموسم أوروبي مزدحم سيعاني فيه الإيطالي ما عاناه غيره، ويمتلك فيه الفرصة ليثبت للجميع أنه من مجددي اللعبة المبتكرين، أو ليؤكد أن إعصاره الهجومي في البداية لم يكن إلا زوبعة في فنجان.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار