انضم إلينا
اغلاق
موناكو - يوفنتوس.. الحساب في كارديف

موناكو - يوفنتوس.. الحساب في كارديف

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
90 دقيقة أخرى ليوفنتوس في دوري الأبطال، وهذا لا يعني إلا وجبة جديدة لـ"بونوتشي" ورفاقه؛ وجبة بدت مرعبة على قائمة الطعام ولكن أليغري نجح في ابتلاعها وهضمها في ساعة واحدة؛ نفس الوقت الذي استغرقه ليبتلع الوجبة السابقة تقريبًا، وكأن جوع اليوفي هذا العام لن يوقفه شيء، حتى لو كانت قائمة طعامه اسمها "أقوى فرق أوروبا الهجومية".

 

يوفنتوس أليغري لا يحتاج لـ180 دقيقة، ولا يهمه إذا كانت مائدته في تورينو أو موناكو، وبالطبع لا يكترث لرأي الناس في طريقته في الأكل، المهم أن يأكل، وحتى كتابة هذه السطور كان أول اسمين على القائمة قد استقرا في جوفه بالفعل.

 

يوفنتوس جائع ولا يعبأ بآداب المائدة، ولم يعد يتبقى له سوى الطبق الرئيسي في كارديف.

 

البداية

كان بديهيًا أن يعود "أليغري" لخط الدفاع الثلاثي كونه يواجه (4-4-2) بثنائي هجومي تقليدي من التسعينات أحدهما متحرك والآخر ليس كذلك، بديهيًا لكنه رائعًا، لأن قليلًا من المنطق يصنع الفارق في أوقات كتلك؛ أوقات يرحل فيها ألفيش عن برشلونة بلا مقابل، ويسجل فيها "هيغواين" أول أهدافه في الأدوار الاقصائية منذ 10 سنوات، ويلعب فيها الأتلتي وكأنه باريس أو السيتي.

 

الخريطة الحرارية لمواقع الثلاثي بونوتشي وكيلليني وبارزالي تظهر تمركزهم كخط دفاع ثلاثي لا رباعي كما أوردت أغلب التشكيلات الرسمية قبل المباراة (سكاوكا)

 

لكن مشاكل "جارديم" كانت قد بدأت قبل ذلك بكثير؛ تحديدًا منذ أن أصيب ظهيره الأيسر الأساسي "مندي" كاشفًا أحد العيوب القاتلة في فريق الإمارة وهي انعدام العمق في تشكيلته، الأمر الذي أساء البرتغالي التعامل معه بعد أن كفلت له ندرة الإصابات رفاهية المنافسة على بطولتين بحجم الدوري الفرنسي ودوري الأبطال في موسم واحد.
 

تشكيلة الفريقين وخطة اللعب والتقييم الرقمي (هوسكورد)

 

للوهلة الأولى قد لا تبدو إصابة الفرنسي بهذا التأثير، خاصة أن الرائع "نبيل درار" قدم مباراة جيدة في حدود الأدوار المكلف بها ومع مراعاة كونه جناح في الأصل، فلم يشكل "ماندزوكيتش" أو "ساندرو" خطورة تذكر، بالإضافة لكون الدولي المغربي أكثر من صنع فرصًا لفريقه -3 فرص- متفوقًا على صناع اللعب الأساسيين "توماس ليمار" -فرصة واحدة- و"برناردو سيلفا" -فرصتين-، ناهيك عن فوزه بـ60% مما خاضه من ثنائيات دفاعية في وقت بلغ متوسط فريقه نسبة كارثية لم تتجاوز 23%، وقد تكون الأقل على الإطلاق في هذه النسخة من البطولة.

 

المغربي الرائع صنع ثلث فرص فريقه تقريبًا (3/10) ونجح في ثلثي تدخلاته تقريبًا (3/5) (سكاوكا)

 

لكن المشكلة لم تكن في استبدال "سيدي بيه" بالمغربي على الجهة اليمنى بقدر ما كانت في انتقال الأول لتعويض "مندي" على الجهة اليسرى، لأن هذا عنى أن الفرنسي سيرسل العرضيات بقدمه الأقل حساسية، وسيواجه أجنحة أليغري بها كذلك، بالإضافة لإحساس عام بالتيه غلب على أدائه وأثر على كفاءته الدفاعية والهجومية، فبينما كان "درار" يغلق الجبهة اليمنى بمفرده غرق "سيدي بيه" و"ليمار" في اليسرى أمام أمهر ثلاثي يمتلكه اليوفي؛ "ألفيش"، "ديبالا" ولاحقًا "كوادرادو"، والنتيجة أن الثنائي الفرنسي تدخل دفاعيًا في 11 مرة ولم يفز في أي مرة -0%- من أصل 11 محاولة، يمكنك قراءة الرقم مرة أخرى.

 

0 من أصل 11 تدخل هي حصيلة الثنائي سيدي بيه وليمار بالإضافة لثلاث ثنائيات هوائية ناجحة طيلة 90 دقيقة (سكاوكا)

 

مقبلات

بالطبع لم يكن "أليغري" ليفوت فرصة شبيهة، خاصة أن "جارديم" منحه هدية لم يكن يحتاجها من الأصل، فبدلًا من اشراك "سيدي بيه" في مركزه الطبيعي واغلاق جبهة "مندي" بقلب دفاع إضافي يقيه شر البرازيلي والأرجنتيني ويمنح "ليمار" حرية كان في أشد الحاجة إليها، أفسد البرتغالي جبهته اليسرى تمامًا في سذاجة لم نعتدها منه، وكأنه توقع أن وجود الفرنسي وحده سيتكفل بثنائي اليوفي، بل ويتخطى ذلك لمساندة فريقه في الثلث الأخير.

 

المهم أن الإيطالي ألقى بكل ما يملك في وجه "سيدي بيه"، مستغلًا حالة "ليمار" و"بكايوكو" المزرية وعبقرية "ألفيش" في توقيت ضغطه وصعوده في الثلث الأوسط والأخير، ليصنع هدفي "هيغواين" في نهاية النصف ساعة الأولى والثانية (29" و59")، وكأن مراحل "أليغري" المعتادة التي يقسم بها مباراته إلى ثلاث أنصاف من الساعة قد بلغت حد المثالية.
 

 

الظهير البرازيلي صنع ثلاثة تحولات سريعة لفريقه باستخلاص الكرة (Turn Over) اثنان منها على مشارف نصف ملعب الخصم وأتى الهدف الثاني من إحداها (سكاوكا)

 

رمال متحركة

بعد الهدف الأول أدرك "جارديم" صعوبة المهمة، فالعرضيات التي تمول ثنائي هجومه ليست متقنة بما يكفي لتتجاوز ثلاثي دفاع البيانكونيري، ولكنه أصر عليها رغم كل شيء وكأنه يغوص طواعية في رمال جبهة "أليغري" اليمنى، ولم يحاول تنويع اللعب أو تجربة الاختراق من العمق رغم الحالة بالغة السوء للثنائي "بيانيتش" و"ماركيزيو" الذي لم يفز بأي ثنائية دفاعية هوائية أو أرضية طيلة التسعين دقيقة، واقتصر اسهامه الدفاعي على اعتراض وحيد، على الرغم من أناقة تحركات ولمسات الإيطالي مقارنة بخَرَق "خضيرة" المعتاد.

 

قرر البرتغالي إعادة "مبابي" للجناح للضغط على "ألفيش" اتقاءً لشره، بعد أن ظل المهاجم الفرنسي يضرب رأسه بحائط "بارزالي" طيلة 45 دقيقة بلا جدوى، خاصة في ظل ضيق المساحات الذي جعل الإيطالي المسن ندًا لخصمه، وألغى مزية السرعة والمهارات للمراهق الأغلى في العالم الآن.

 

تموقع مبابي في الشوط الأول (أعلى) والشوط الثاني (أسفل) بعد التحول من (4-4-2) لـ(4-3-3) (سكاوكا)

 

ربع ساعة أخرى من اليأس وضرب الرؤوس بحائط اليوفي تركت لـ"جارديم" حل وحيد وهو الاستغناء عن ثنائي وسطه السيء "بكايوكو" و"ليمار" لحساب "جيرمين" و"موتينيو"، لينطلق الأول مساندًا لـ"درار" جهة اليمين والثاني للعمق معاونًا "سيلفا" خلف المهاجم الوحيد المتبقي "فالكاو"، لتتحول المباراة لنسخة شبيهة من مباراة الكامب نو أمام برشلونة.

 

9 خلف الكرة وواحد فقط أمامها، هذه هي الطريقة التي يفضلها الإيطالي، لأن الواحد سيتكفل به اثنان من ثلاثي دفاعه ليتأرجح الثالث لمطاردة غيره في حركة شبيهة ببندول الساعة، فإذا أتت هجمة موناكو من اليمين انطلق "بارزالي" دافعًا "ألفيش" لمواجهة "مبابي" ومكتفيًا بتغطية الفراغات بين الخطوط، ثم يعود ليتشارك مع "بونوتشي" رقابة النمر الكولومبي محررًا "كيلليني" لفعل المثل مع "ساندرو"، وفي ظل عجز لاعبي موناكو عن إدراك الأمر ومحاولة كسره بالعكسيات السريعة من طرف لطرف، بدا وكأن بإمكان اليوفي الاستمرار في تلك اللعبة للأبد.

 

وهو ما حدث بالفعل، ولو استمر موناكو بنفس الطريقة لثلاثة أيام لما سجل هدفًا واحدًا، خاصة في ظل وجود "بوفون" الذي صارت لفظة "تألق" أكثر ابتذالًا من أن تعبر عما يقدمه، لأن دفاع البيانكونيري لم يكن ليظهر بنصف صلابته لولا أن حارسه بوفون، وبالطبع لم يكن ليحقق رقمه القياسي بنظافة شباكه، ومن هنا لم يعد يتبقى لـ"أليغري" سوى إلقاء تبديلاته المعتادة بإخراج "هيغواين" في ظل حالته البدنية المتواضعة وإشراك "كوادرادو" ليدفع بالأرجنتيني الآخر في العمق كمهاجم مكافأة له على مجهوداته طيلة المباراة، وبالطبع استبدال محوري وسطه بدماء جديدة منتعشة في تغييرات روتينية تكررت أكثر من مرة في الأوضاع الشبيهة، وكأن الإيطالي يتناول قليلًا من المياه الغازية بعد وجبة دسمة.
 

الحساب

الآن لم يتبقى لكل من يوفنتوس "أليغري" وريال "زيدان" سوى بعضمها البعض، وأسماء الأطباق الفارغة لا تعبر إلا عن مدى جوع الثنائي؛ برشلونة، بايرن ميونيخ، موناكو، أتلتيكو مدريد.

 

ولكن الواقع يقول إن وجبة ريال "زيزو" قد تكون عسيرة الهضم على الطليان، فرغم تفوقهم على الثنائي الذي تصدر قائمة فرق أوروبا الهجومية هذا الموسم، إلا أن ثالثهم هو الأخطر قطعًا، وبفارق كبير عمن سبقوه.

 

كل من الفريقين يمتلك ميزة تكتيكية لا تتوافر للآخر، فالميرينغي يعتمد على العرضيات لإحراز أهدافه بنسبة تفوق النصف على الأقل، ويتصدر قائمة مموليه هذا الموسم "كروس" (15) و"فازكيز" (13) و"مارسيلو" (12) و"كارفاخال" (11)، وكلهم لاعبي طرف باستثناء الألماني الذي جمع حصيلته من الضربات الثابتة والركنيات، لأن ريال "زيزو" لا يهتم كثيرًا بالبناء من العمق وغالبًا ما تقتصر أدوار ثلاثي وسطه على التغطية خلف ظهيري طرفه اللذان يعملان كأجنحة حقيقية تسمح للأجنحة العكسية بالتسلل لعمق المنطقة والتقاط العرضيات.
 

الإيطالي الرائع (أليغري) يقف أمام واحد من الاختبارات الصعبة في مسيرته إن لم يكن أصعبها على الإطلاق، خاصة إذا استمرت انتفاضة رونالدو (رويترز)

 

السر خلف نجاح الملكي الساحق هذا الموسم أنه من المستحيل على أي خصم مهما بلغت كفاءته الدفاعية أن يمنع إرسال العرضيات من الأصل، وإلا تعين عليه فتح دفاعه بعرض الملعب لمواجهة أظهرة الـ"لوس بلانكوس" المندفعة، أو إلزام جناحيه برقابة فردية مرهقة لم ينجح في الوفاء بها من سبقوه طيلة 90 دقيقة، بالإضافة لأن أي انكماش دفاعي مشابه لما طبقه "أليغري" أمام برشلونة وموناكو، سيعني أن "زيزو" سيمطر منطقة جزائه بما يفوق 40 عرضية على الأقل لا يحتاج سوى لنجاح واحدة منها، ليعود بعدها لمناطقه والباقي يعرفه الإيطالي أكثر من غيره؛ المزيد من المرتدات لحسم المباراة.

 

كل هذا قد يدفع يوفنتوس ومدربه لتطبيق الضغط العالي منذ البداية أملًا في هدف مبكر يقلب الطاولة، ويمكنهم من قضاء باقي المباراة في وضعيتهم المفضلة في الخلف، ولكن عليهم قبل ذلك أن يأملوا أن بوادر "اللعب الموضعي" التي ظهرت أمام الأتلتي لم تكن أكثر من مجرد صدفة، لأن تكرارها أمام ضغط اليوفي العالي لن يعني سوى تكرار نتيجة نفس النتيجة مرة أخرى.

 

الإيطالي الرائع يقف أمام واحد من الاختبارات الصعبة في مسيرته إن لم يكن أصعبها على الإطلاق، خاصة إذا استمرت انتفاضة "رونالدو" المتأخرة حتى مطلع يونيو، لأن البرتغالي قد وصل لحالة نادرة من التكامل مع قدرات فريقه الخارقة على صناعة الفرص، وسيكون من الصعب تعطيله لتسعين دقيقة كاملة في كارديف، بينما يمتلك الإيطالي أقوى دفاع في البطولة ويحميه أقوى حراسها كذلك، بالإضافة لميزة المساحات المجانية التي سيستفيد منها دفاعًا وهجومًا، ولا يتبقى له سوى مفاجأتنا بابتكار جديد يمنحه الأفضلية في كارديف ويمنح البيانكونيري لقبًا طال انتظاره، وبالطبع هو أذكى من أن نخبره من أين سيبدأ التهام وجبته القادمة، إن كان قادرًا على ابتلاعها من الأصل.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار