انضم إلينا
اغلاق
ضد الفيديو.. عن الأخطاء التي صنعت متعة كرة القدم

ضد الفيديو.. عن الأخطاء التي صنعت متعة كرة القدم

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
على الأرجح، بدأت القصة عندما قرر أحدهم أن الأخطاء التحكيمية جزء أصيل من متعة اللعبة، لا أحد يعلم هوية من أطلق النظرية لأول مرة، ربما كان أحد معلقي المباريات أو محلليها، وبالطبع لم يلق أحد بالا لكرة الثلج التي بدأت في التدحرج وقتها، غالبا لأنها بدت كمحاولة يائسة لتفادي موقف محرج أو تجنب لعنات الجماهير واتهاماتها الدائمة بالتحيز أكثر من كونها نظرية حقيقية قابلة للنقد والتفنيد.

 

وكعادة كل المغالطات التاريخية التي فشل المنطق في التعامل معها في حينها، نمت النظرية مع الوقت حتى صارت قانونا بقوة الواقع وبحكم أن "ما تكرّر تقرّر"، لأن جمهور اللعبة قد اتخذ قرارا بدفع كرة الثلج كلما واتته الفرصة، وكل منهم يظن أنه سيظل خلفها للأبد وأنها ستكتفي بسحق خصومه في كل مرة، حتى صار من المستحيل تمرير بطولة واحدة دون أخطاء تحكيمية كارثية تؤثر في مسارها بطريقة أو بأخرى، وطال الثلج أكبر بطولات أوروبا في الموسم المنصرم بعد موسم تحكيمي هو الأسوأ منذ زمن بعيد.

 

صناعة الأسطورة
حتى 1970 كان القانون الرسمي ينص على الاحتكام لقرعة العملة حال تساوي أي فريقين في النقاط، وأحد أبرز تلك الوقائع كان تأهل الأتراك على حساب الإسبان في تصفيات مونديال 1954، عندما فازت إسبانيا ذهابا بنتيجة 4-،1 وتركيا إيابا بهدف وحيد، وانتهت المباراة الفاصلة بالتعادل، ليلجأ النظام الحاكم للعبة لابن أحد العاملين بالملعب ليجري القرعة بين الفريقين، وأرسلت القرعة الأتراك للنهائيات في واحد من أسوأ عروض العشوائية في تاريخ اللعبة. (1)

 

ما سبق يعني أن الاتحاد الدولي استغرق أكثر من نصف قرن منذ تأسيسه في 1904 ليدرك سخافة الأمر وانعدام صلته باللعبة، وبعدها بنصف قرن آخر تقريبا طفت المناظرة للسطح مرة أخرى مع بدء الاعتماد على تقنية الفيديو (VAR - Video Assistant Referee) التي افتتحها الفيفا بالنسخة الحالية من كأس القارات، لتصطدم بكرة الثلج بعد أن تضاعف حجمها عدة مرات وصار من المستحيل إيقافها. (2)

   

شاشة استاد "فيشت" بمدينة سوشي الروسية تعرض قرار حكم مباراة أستراليا وألمانيا -ضمن كأس القارات المقامة حاليا في روسيا- استخدام تقنية الفيديو لاتخاذ قراره (الأوروبية)

 
وبينما يبدو الأمر اختيارا سهلا بين الحقيقة والخُرافة، فإن هذا أبعد ما يكون عن الواقع الحالي بكل ما يشهده يوميا من أصوات معارضة لتطبيق التكنولوجيا في كل مكان تقريبا ترتكز بوضوح على مجموعة من الأساطير التي أكسبها الزمن مكانة القوانين، لعل أبرزها هو خرافة متعة اللعبة التي تصنعها الأخطاء، وانسيابية اللعب التي ستقتلها التوقفات لمراجعة الفيديو، والأغرب على الإطلاق حرمان الجمهور من التشكيك في استحقاق الخصم باعتباره تقليدا غير قابل للمس.

 

بالطبع لا مكان أنسب من مدرجات الملاعب لانتشار خرافات مماثلة، لأن جمهور اللعبة لا يجيد شيئا بقدر إجادته لصناعة الأساطير، وقد كان لـجوزيه مورينيو قصة مثيرة مع إحداها عند حلوله على إنجلترا في 2004، وقتها أبدى المدرب البرتغالي دهشته الشديدة من الأهمية التي يتعامل بها الجمهور مع الركنيات واعتبارها فرصة خطيرة للتسجيل، قائلا إن الإنجليز هم الشعب الوحيد الذي يفعل ذلك، وبالطبع ناله من الانتقادات والسخرية ما ناله لأنه جديد على النسخة الإنجليزية من اللعبة ولم يدرك مدى خصوصيتها بعد، والتي ترتكز على القوة البدنية وألعاب الهواء بشكل أساسي.

 

بعدها بعقد كامل تقريبا، كان محررو الغارديان ديفيد سالي وكريس أندرسون يطلقان كتابهما الأشهر "لعبة الأرقام"، متعرضين فيه لمقولة مورينيو الشهيرة التي ثبتت صحتها إحصائيا، لأن الأرقام أظهرت أن معدلات التسجيل من الركلات الركنية لا تتجاوز 11%، وهي للصدفة نفس النسبة التي تنتج عن التسديد البعيد من خارج منطقة الجزاء، ورغم ذلك يعتبر الجمهور الأولى فرصة خطيرة للتسجيل والثانية حلا أخيرا لا ينبغي اللجوء إليه إلا بعد استنفاد كل الاحتمالات. (3)

 

الجرعة المناسبة
الأمر ببساطة أن قطاعا لا بأس به من جمهور اللعبة يُدمن المراهنات، حتى لو انحصرت المراهنة على رجاحة الرأي أو بعد النظر، وفي أجواء مماثلة لا بديل عن الأخطاء التحكيمية لأنها تزيد من عشوائية اللعبة وعدم قابليتها للتوقع، ومن ثم تزيد من تميز الفائزين في لعبة الرهان التي لا تنتهي، وكل خطوة تُتخذ في اتجاه تقليصها هي بمنزلة تهديد لجزء أثير من اللعبة يرفض الجمهور التخلي عنه، حتى لو كان أول من يكتوي بناره. أضف إلى ذلك المباريات خارج الملعب التي تكتسب أهمية تفوق تلك التي تقع داخله، لأن كل جمهور يتفنن في ابتكار الحيل للتقليل من خصومه والتشكيك في استحقاقهم، وتقنية كالفيديو تعني أن كل هذا سينتهي أو سيُقتطع منه على الأقل، وهو احتمال مرعب لأناس يعاملون المباريات الحقيقية على أنها مجرد تمهيد لما بعدها وهو الأهم.

  

الحصيلة هي أن نُقادَ نحو خيار مفتعل بين المتعة والعدالة، وكأن هناك تضادا بين هذا وذاك، وكأن اللعبة ستفسد إذا أضيف لمبارياتها بضعة توقفات، ولكنها لن تفسد بفوز وهمي أو بطولة غير مستحقة

الأوروبية
  

هنا يظهر الإدمان بكل أعراضه وفي أقبح صوره، شكوى مستمرة طوال الموسم من ظلم التحكيم تصل في كثير من الأحيان إلى اتهام مؤسسات كاملة بالانحياز لفريق أو ربما بلد بأكمله، ثم رفض قاطع لأي طريقة قد تساعد في العلاج، بل وإلقاء الأساطير المعتادة في وجه كل محاولة لتدارك تلك الأخطاء.

 

أي مباراة كرة قدم طبيعية يُقتطع منها ما لا يقل عن 25 دقيقة في هراء لا أول له ولا آخر، (4) والجمهور قد يتسامح مع توقف اللعب لادعاء الإصابة أو للاعتراض على قرارات الحكم أو لشغب الجمهور أو حتى لغزارة المطر، بل وفي كثير من الأحيان يعتبر ما سبق مرادفا للحنكة والذكاء، ولكنه لن يقبل أن يتوقف لدقيقتين أو ثلاث في كل شوط للتأكد من قرار مصيري قد يحدد نتيجة مباراة بأكملها وربما بطولة. (5)

 

أغلب جمهور الكرة يفضل أن يبقى الوضع على حاله، لأنه كأي مراهن يؤمن بأفضليته الشخصية وإلا لما اشترك في اللعبة من الأصل، ومن ثم فإن مهاجمه هو من سيحرز هدفا من تسلل على الأغلب، ومدافعه هو من سينجو من الطرد أو ركلة الجزاء المستحقة، وفريقه هو من سيحقق الفوز في النهاية، وفقط هو من يحدد الجرعة المناسبة من الأخطاء لينجح رهانه. ولأن حظ كل ما سبق من المنطق يكاد يكون معدوما، فإن الحصيلة هي أن نُقادَ نحو خيار مفتعل بين المتعة والعدالة، وكأن هناك تضادا بين هذا وذاك، وكأن اللعبة ستفسد إذا أضيف لمبارياتها بضعة توقفات، ولكنها لن تفسد بفوز وهمي أو بطولة غير مستحقة.

 

مثالية السُذّج
لذا ورغم نجاح التجارب الأولى، خاصة تلك التي شهدتها مباراة فرنسا وإسبانيا في (مارس/آذار) الماضي، فإن الأصوات المعارضة تعلو مع كل دقيقة إضافية تستهلكها العدالة، بحجة أنها تكاد تنتزع العنصر البشري من كرة القدم، وكأن كل ما أضافه البشر للعبتهم الشعبية الأولى كان الأخطاء، وكأنها أصبحت كذلك بسبب قدرة لاعبيها على الخداع لا الإبداع، بسبب مئات من ركلات الجزاء المزيفة والأهداف غير المحتسبة، لا بسبب عبقرية جارينشا وتوهج رونالدو وسهل زيدان الممتنع.
  

تغريدة لفيليب أوكلير مراسل فرانس فوتبول في إنجلترا      
   
بالطبع لا تخلو بعض وجهات النظر المقابلة من وجاهة، مثل صعوبة تطبيق التقنية على حالات التسلل مثلا، أو أن تلك التكنولوجيا ستوهم الجماهير بأن هناك شكلا خالصا من العدالة قابل للتحقيق في اللعبة، وأن الجدل والأخطاء ستستمر حتى لو لُعبت المباريات بفريقين من الروبوتات، والحل الوحيد المقترح لكل ذلك هو إبقاء الوضع على ما هو عليه والتحلي بمزيد من النضج لتجاوز الوقائع الشبيهة، لأن أي شيء آخر سيعني أننا نعيش في عالم وردي مبالغ في المثالية.
(6)

 

على الأقل هذا ما يراه مايك تيتشر محرر الغارديان (6) ولوكا مودريتش نجم الميرينغي والعديدون غيرهم، (7) ولكن المشكلة أن وجهة النظر المشابهة ترتكب خطأ بديهيا بتغليب العادة والمألوف في عالم لا يعترف إلا بالتطور المستمر، بالإضافة إلى النظرة الطفولية المعتادة لكرة القدم على أنها مجرد لعبة، يكفي فيها قليلا من النضج لتخطي الإحباطات والأخطاء البشرية، حتى لو كانت تلك الأخطاء كفيلة بإهدار مجهود فريق بأكمله عبر أعوام، ومن خلفه مؤسسات تنفق عشرات الملايين سنويا.

 

هنا تتجلى العَدَمية في أوضح صورها، ومثلما قادتنا أساطير الجماهير لخيار المتعة والعدالة من قبل، تضعنا وجهة النظر تلك أمام خيار آخر بين القليل من الأخطاء والكثير منها، ومن كانوا يتهمون المساندين للتقنية بالمثالية والسذاجة المفرطة، يرون أن الحالة الوحيدة التي يجوز فيها التخلي عن النظام الحالي هي أن يظهر نظام آخر يضمن العدالة بنسبة 100%، والمفارقة الساخرة لا تحتاج إلى شرح.

 

يد الله
"الحياة تستمر رغم كل شيء"

   

الحكم السويدي مارتن هانسون أثناء المباراة "المشؤومة" على الإيرلنديين

رويترز
     

كانت تلك العبارة هي ما ختم به تيتشر مقاله، (6) وهي للصدفة نفس العبارة التي استخدمها السويدي مارتن هانسون حكم مباراة فرنسا وإيرلندا ليعبر عن أسفه بعد أن فشل في التقاط لمسة يد هنري الشهيرة التي سبقت هدف غالاس في الوقت الإضافي، والذي أرسل بدوره الديوك لنهائيات مونديال 2010. (8)

 

عبارة صحيحة 100%، وكم من المقدمات الصحيحة تؤدي إلى نتائج كارثية إذا وُضعت في السياق الخاطئ، خاصة إذا مزجناها بالتخيل الدارج عن الأخطاء المماثلة، والذي يفترض أن حالات الظلم التحكيمي تخضع لقانون التوازن الخفي، وأن ما يُنزع منك اليوم سيُرد إليك غدا، وكأن هناك لجنة سرية تجتمع بشكل دوري لموازنة الأمر.

 

النتيجة لكل ذلك أن الحياة استمرت فعلا، ودهست كرة الثلج روبي كين ورفاقه بعد عرض مبهر في المباراتين استحقوا عليه انتهاء المباراة بركلات الترجيح في أقل تقدير، والحكم السويدي الذي كان يرفض حتى الحديث للاعبي إيرلندا بين الشوطين مؤكدا أن قراره سليم 100%، ذهب للتحكيم في نفس المونديال الذي أرسل فرنسا إليه، بعد أن تمتم بالتعويذة السحرية التي جعلت كل شيء على ما يرام وعوضت الإيرلنديين عن سنوات من التعب والأمل: "الحياة تستمر رغم كل شيء". (8)

   

ردة فعل لاعبي المنتخب الإيرلندي فور تسجيل الهدف الذي ساهم هنري في صناعته باستخدام يده (رويترز)

   
بالطبع لم يكن مشهد بهذه العبثية ليكتمل دون تفاصيل إضافية مؤلمة تجعل نسيانه مستحيلا، مثل اعتراف هنري نفسه بالواقعة وتصريحه بأن الإيرلنديين يستحقون إعادة المباراة على الأقل، ومثل حقيقة أن اتحاد بلده اشترك مع الفيفا في جريمة مكتملة الأركان عندما رفضا التماس الإيرلنديين للإعادة، (9) بالإضافة للفضيحة المدوية التي انفجرت إبان الاتهامات للاتحاد الدولي بالفساد في 2015، عندما اكتشف الجميع أن الاتحاد الإيرلندي قد تلقى رشوة مقنعة قدرها خمسة ملايين دولار للتنازل عن ملاحقة الفيفا قضائيا. (10)

 

مفاجأة: كرة الثلج التي بدأت بلمسة يد في الملعب انتهت باتهامات مخلة بالشرف في ساحات المحاكم، لأن كرة القدم ليست مجرد لعبة، ولاعبيها ومدربيها الذين يتقاضون أكثر مما يستحقونه في تقدير الأغلبية لا يمثلون إلا نسبة ضئيلة من الآلاف من أهل الصناعة الذين يعاملونها كوظيفة حقيقية بكل ما تحمله العبارة من جدية وصرامة، وحتى في كثير من الأحيان فإن الأموال الطائلة لا تكفي لتعويضك عن إنجاز مماثل للتأهل للمونديال، وهو ما شعر به لاعبو إيرلندا الذين خاضوا مباراتهم بقدر كبير من الشغف، ثم حرموا من التأهل بسبب خطأ تحكيمي يوصف الآن بأنه أحد أسباب نفس الشغف.

 

الأمر أشبه بأن تعمل بكد من أجل ترقية منتظرة، وعندما ينالها من لا يستحق تجد من يخبرك أن هذا جزء من متعة الحياة وعشوائيتها المثيرة، وأن الحياة ستصبح مملة لو نال كل فرد ما يستحقه، والفارق الوحيد هنا أن الملايين لا تبتاع التذاكر لمشاهدتك تعمل كل أسبوع.

 

ما حدث فعلا أن الحياة استمرت في كل مكان إلا إيرلندا التي لم ينل جيلها التاريخي فرصة لتمثيلها في المونديال ولم ينس جمهورها يد هنري حتى اللحظة، وإذا كان ذلك ممتعا بطريقة ما أو قابلا للمقايضة مع انسيابية اللعبة التي سيفسدها بضعة دقائق إضافية من التوقف، فعلينا إعادة تعريف المتعة من جديد، وربما إعادة تعريف اللعبة نفسها والغرض منها، وحتى يتم ذلك، تبدو الخطوة المنطقية الوحيدة هي العودة لنظام القرعة حتى تصل الإثارة والنشوة إلى ذروتها، ونحن نراهن على بطولات وكؤوس كاملة لمجرد أن العملة قد تقع على وجه دون الآخر.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار