انضم إلينا
اغلاق
الفاتورة.. كشف حساب كارلو أنشيلوتي

الفاتورة.. كشف حساب كارلو أنشيلوتي

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض
انتهى الموسم الأوروبي وحان وقت الحساب، فاز من فاز وخسر من خسر، ولكن النتائج وحدها لا تصلح لأن تكون المعيار وإلا باتت المُحصلة ناجح وحيد وسط مجموعة من الفشلة في نهاية كل موسم. لذلك يقدم لكم "ميدان" سلسلة مقالات بعنوان "الفاتورة" لاستعراض ما قدمه أبرز مدربي الفرق الكبيرة عن مجمل فترة توليهم لمناصبهم الحالية. بطل هذه الحلقة هو كارلو أنشيلوتي المدير الفني لبايرن ميونيخ.

 

القناعة كنز لا يفنى..

"بعد الفوز بشيء لا يمكنك أن تبقى بحالة 100% ولكن 90%، الأمر أشبه بزجاجة المياه المُكربنة، عندما تنزع الغطاء لفترة قصيرة تجد نسبة أقل من الغاز بداخلها."

(يوهان كرويف)

 

3 سنوات من الصراخ بوجه الفيلسوف الفاشل القادم بعد موسم ثلاثية هاينكس لأنه يخسر بنصف نهائي دوري الأبطال، وكأن تلك البطولة تضم ناجحاً وحيداً و31 فاشلاً على طول الخط، وكأن كل فريق من الكبار يجب أن يفوز بها دائماً، وكأن 27 عاماً بين أريغو ساكي (89-90) وزين الدين زيدان (2016-2017) لم تكن كافية لإيضاح أن حدوث مثل ذلك هو الاستثناء وليس القاعدة.

 

12 عاماً بين تاسعة ريال مدريد وعاشرته، 12 مثلهم بين رابعة بايرن وخامسته، 9 أعوام بين ثانية مانشستر يونايتد وثالثته، 14 عاماً بين أولى برشلونة وثانيته، 11 آخرين بين أولى يوفنتوس وثانيته التي اختبر بعدها 5 هزائم في النهائي دون أن يفقد الجميع صوابه ويتعالى الضجيج مطالباً برأس المدرب سواء كان مارشيلو ليبي أو ماكس أليغري.

 

ليس دفاعاً عن هذا أو انتقاص من ذاك، ولكنها محاولة لتوحيد المعايير، فمن لم يكن يرضيه نصف النهائي عليه الآن تقبل ربع النهائي ليس فقط لأنه قد تعرض لفضيحة تحكيمية بل لأنها سُنَّة كرة القدم، لا يمكن أن يكون معيار التقييم الوحيد هو الفوز بدوري أبطال أوروبا من عدمه، وما كان موسم زيدان ليُعتبر فاشلاً إن لم يحققها للمرة الثانية، وما كان أحد يطالبه بها في الأولى من الأساس، وما كنا سنسمع من يطالب بإقالته لو خسر النهائي أو نصف النهائي من قبله، زيدان نفسه يُدرك قبلنا أن ما حققه هو الاستثناء لأننا ببساطة لا نلعب "فوتبول مانجر".

 

المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي عام 2015 في فترة تدريبه لريال مدريد (رويترز)

 

غصن الزيتون

يتميز أنشيلوتي بين المدربين بالاحترام الشديد لجميع الأطراف خاصةً زملاءه المدربين، كما يمتلك مرونة كروية ونفسية تجعله في منزلة الأب الودود بين لاعبيه، هذا هو السر وراء فريق العاشرة قبل أي شيء: نجاحه في تحويل غرفة ملابس ريال مدريد من حلبة نزاعات جوزيه مورينيو إلى حلقة مترابطة مستقرة.

 

ظهر ذلك منذ اللحظة الأولى حين عاكس دون كارلو موجة الانتقادات الصادرة من بعض لاعبي البافاري تجاه مدربهم السابق بيب غوارديولا، وعلى رأسهم ريبيري الذي اتهمه بقلة الخبرة(1)، حيث أكد أنه ليس بصدد ثورة في بايرن ميونيخ بل سيسعى للبناء على عمل سابقه.

 

وفي محاولة منه لرفع الضغط المرتبط إعلامياً وجماهيرياً بمجيئه لتحقيق ما فشل به الإسباني وهو دوري الأبطال، قال المدرب الإيطالي "بالتأكيد الكل يريد الفوز بدوري الأبطال ولكن فريق واحد فقط يفوز به"(2). كانت تلك هي كلمات المدرب الأكثر تتويجاً باللقب في التاريخ مناصفة مع بوب بيزلي أسطورة ليفربول بـ3 ألقاب لكل منهما.

 

حتى نيران تصريحات ريبيري الأولى حاول كارل هاينز رومينيغيه رئيس النادي -آنذاك- إخماد نيرانها بقوله "لا يوجد سبب لانتقاد غوارديولا الآن بما أنه قد رحل، لقد ربحنا الكثير معه واستفدنا الكثير منه، البحث عن الانتقام الآن لن يخدم أية غاية(3)".

 

تلك هي الإدارة التي اعتبرها أنشيلوتي الفارق بين بايرن ميونيخ وفريقه السابق ريال مدريد، لأنها بقيادة لاعب كرة قدم سابق وبالتالي هو يفهم كيف تسير الأمور -في إسقاط صريح على رئيس الملكي فلورنتينو بيريز- إلى جانب الضغوط الإعلامية الزائدة في العاصمة الإسبانية وهو ما لا يتواجد في بافاريا(4). أجواء في قمة المثالية بالنسبة للرجل المسالم.

 

أتى أنشيلوتي بطريقة فنية ونفسية أكثر قرباً لقلوب اللاعبين ولكن سرعان ما انتقلت وداعته إلى أقدام اللاعبين على أرض الملعب (رويترز)

 

إرث الفيلسوف

حاول أنشيلوتي في بداية الموسم تفادي الخروج من عباءة غوارديولا بسرعة، لم يكن حديثه عن البناء على ما خلفه الإسباني مجرد كلمات عابرة خاصةً حين وضعها في إطار أكثر وضوحاً بقوله قبل مواجهة أتلتيكو مدريد في مجموعات دوري الأبطال "أريد الاحتفاظ بالاستحواذ الجيد ولكن أيضاً أريد محاولة زيادة اللعب العمودي، يجب أن نجعل للاستحواذ قيمة، أريد عرضيات أكثر من جانب الأظهرة. غوارديولا كان يفضل امتلاك أجنحة تفعل هذا، أريد استغلال هذا النوع من اللاعبين للعب العرضيات وأيضاً للتواجد حيث ستصل العرضية، أريد المزيد من اللاعبين داخل الصندوق"(5).

 

وكأنه يحاول الإتيان بتعريف للعب المباشر، جاء الإيطالي بتلك الكلمات لينقلها إلى أرض الملعب أمام نفس الخصم الذي أقصى بايرن بيب من نصف نهائي النسخة الماضية بعد أن حقق على حسابه فوزاً غير كافياً (2-1) بنسبة استحواذ بلغت 73% و33 تسديدة منهم 11 على المرمى مقابل 7 تسديدات لأتلتيكو منهم 3 على المرمى فقط(6). وحين دق جرس تجربة المدرب الجديد أمام الأتلتي الذي عاش بداية متخبطة للموسم، تفوق الفريق الإسباني بهدف نظيف قالباً معطيات عدد المحاولات لصالحه(7).

 

دارت الدوائر مرة أخرى وظن الجميع أن كل شيء بات بخير على جثة آرسنال المنقوص ذهاباً وإياباً، ليتأهل بايرن لمواجهة ريال مدريد في ربع النهائي، الكل يعرف أن تأهل ريال مدريد لم يكن عادلاً على الإطلاق من الناحية التحكيمية، ولكن الحقيقة غير القابلة للعبث بها أيضاً أن الملكي استحق التأهل من الناحية الفنية.

 

هدفين لنفس اللاعب من وضعية التسلل في 4 دقائق هو أمر قاتل بلا أدنى شك، ولكن هل يُمكن لذلك أن يُفسر لماذا سددت نسخة بايرن الأكثر مباشرةً مرتين فقط على مرمى الخصم طوال 120 دقيقة؟(8) بينما وحين اكتسح أنشيلوتي نفسه البافاري في 2014 برباعية نظيفة، نجح فريق بيب في زيارة مرماه 10 مرات من أصل 19 متفوقاً على المنتصر الذي سدد 7 فقط من أصل 13؟(9).

 

ترك غوارديولا فريقاً شرساً في المساحات ومتمرساً في ضرب التكتلات، يُمكن أن يظهر عاجزاً عن التسجيل ولكنه نادراً ما يُصبح عاجزاً عن التهديد، عابه بشكل كبير عدم تشرُّب بعض اللاعبين للمسألة بأكملها ناهيك عن عدم اقتناعهم بها من الأساس وهو ما أنتج الصراعات التي طفت بعد رحيله، أتى أنشيلوتي بطريقة فنية ونفسية أكثر قرباً لقلوب اللاعبين ولكن سرعان ما انتقلت وداعته إلى أقدام اللاعبين على أرض الملعب.

 

 تتويج بايرن ميونيخ بلقب الدوري الألماني (رويترز)

 

المرونة والجمود معاً

إذا أعدنا الشريط للوراء سنجد تشكيل بايرن المُرعب يُضاف إليه مدافعاً بحجم ماتس هوميلس بعد موسم من المعاناة مع إصابات الخط الخلفي وتذبذب مستوياتهم واللجوء للاعب وسط شاب مثل جوشوا كيميتش من أجل سد تلك الأزمة، ثم يلحق به البرتغالي ريناتو سانشيز أفضل لاعب صاعد في يورو 2016، قائمة من يراها تحت قيادة رجل متخصص بدوري الأبطال مثل أنشيلوتي يمكنه بسهولة أن يجزم بهوية بطل ذات الأذنين قبل أن تنطلق أولى صافراتها.

 

كل ذلك نجح ببراعة في إخفاء الكثير، فلم يُلاحظ أحد بسهولة أن فيليب لام وتشابي ألونسو قد جاوزا الرابعة والثلاثين حتى قررا الاعتزال، وأن بديل الأول -رافينيا- قد اجتاز الحادية والثلاثين ولا تراه الغالبية العظمى صالحاً للعب في نادٍ بحجم البافاري من الأساس، وأن أنشيلوتي قد اعتمد غالبية الموسم على جناحين مهما كان اسميهما فهما لا يزالا ممن فوق الثالثة والثلاثين ولهما باعٍ وذراعٍ مع الإصابات.

 

خَفُت ضجيج الدفاع عن توماس مولر الذي حيَّر غوارديولا وأنشيلوتي معاً، فلا يمكن إيجاد مركز ثابت يحتله بصفة أساسية في خطة أي منهما، وضعه على الجناح يسبب تكدساً في ذلك المركز دون المردود اللازم منه، والزج به في مركز صانع الألعاب يحرمك من جودة أعلى في التمرير بهذا الموقع أيضاً، وإشراكه كمهاجم أيضاً أمر مستحيل في ظل وجود ليفاندوفسكي. جرَّب أنشيلوتي كل تلك الحلول، بدأها بالجناح وهو ما أثبت فشلاً مبكراً، ثم أتى ببقية الخيارات في صيغة المداورة مع تياغو وليفا وهو ما كان الحل الأمثل في ظل تراجع مستوى "البومبير".

 

وعلى ذكر الأجنحة والتمسك بثنائية روبن-ريبيري، هل يعرف أحد ماذا حدث بالضبط لدوغلاس كوستا وكينغسلي كومان؟ خاصةً الأول الذي كاد أن يُنهي حُقبة ريبيري بلا رجعة مع دوامة إصابات الأخير، كيف تحول لهذا الشبح فجأة؟ وكيف خَفُت بريق كومان لتلك الدرجة؟ وكيف تحول ريناتو سانشيز من مطمع كبار أوروبا إلى "مَقلَب" في نظر البعض؟ كل تلك الأسئلة لا يمكن توجيهها سوى لشخص واحد.

 

الكرة الآن في ملعب أنشيلوتي ليُغير تلك الصورة، كل العناصر والعوامل متاحة تحت يده وإن كان ما حققه مع صفه الثاني على مر الموسم الماضي مخيباً للغاية (رويترز)

 

تقييم المحرر: 6 من 10

نجاح أنشيلوتي الوحيد هذا الموسم هو تصديه لمحاولة لايبزيغ الواعد لخرق قوانين الطبيعة في موسم سيء من جانب بوروسيا دورتموند المنافس المُنتظر، وهو ما لا يُشكل أية مفاجأة بمقارنة الطرفين ببعضهما البعض. الخروج من نصف نهائي كأس ألمانيا لا يُعتبر فشلاً في بطولة إقصائية كل شيء وارد بها، والفشل في دوري أبطال أوروبا لم يكن الخروج، بل العرض الفني الذي قدمه.

 

صحيح أنه قد ودَّعها بكارثة تحكيمية وأمام أقوى فريق في أوروبا بلا منازع حالياً، إلا أن ذلك لا يعفيه من حقيقة العجز الذي ظهر على فريقه، ففي النهاية 10 أهداف في شباك آرسنال لا تعني شيئاً، لم تكُن أكثر من استعراض للقوة أمام فريق لم تطأ أقدامه موسمنا وعالمنا الذي نعيشه قبل شهر (نيسان/أبريل)!

 

أجرى الفريق تدعيمات قوية بالفعل تتمثل في سيباستيان رودي ونيكلاس سوله وكورنتين توليسو، وبذلك لم تعد هناك أية مشاكل سواء بخط الوسط أو بقلب الدفاع، على أن يخوض جوشوا كيميتش مغامرة تعويض فراغ لام الموسم المقبل، الكرة الآن في ملعب أنشيلوتي ليُغير تلك الصورة، كل العناصر والعوامل متاحة تحت يده وإن كان ما حققه مع صفه الثاني على مر الموسم الماضي مخيباً للغاية.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار