انضم إلينا
اغلاق
هل كان محمد صلاح الخيار الأمثل لليفربول؟

هل كان محمد صلاح الخيار الأمثل لليفربول؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
لو كان صلاح قد سُئل منذ عدة أشهر عن النادي الإنجليزي الأنسب للانضمام إليه لقام باستشارة وكيله وأصدقاءه المقربين والخبراء والمحللين والإحصائيين ثم أجاب في ثقة بليفربول، ربما كان ليختار أرسنال وتشلسي كذلك وكان ليحمل اختياره شيئًا من الوجاهة، ولكن ليفربول كان ليظل الوجهة الأنسب.

 

كرة قدم جماعية قاتلة في المرتدات وضغط عكسي هيستيري وتحولات سريعة مباشرة لمرمى الخصم، في منظومة هجومية سائلة لا تعرفه مهاجم الصندوق بمعناه التقليدي، وتمنح الأجنحة ولاعب الوسط الفرصة لاحتلال جزءًا من الصورة التي يحبها الجمهور، ويقود كل ذلك مدرب لم يفعل شيئًا في مسيرته بقدر تنمية المواهب ومنحها الوقت والخبرة اللازمة للتطور، ناهيك عن الفرصة للعودة لإنجلترا من الباب الكبير، ولنادٍ قد لا يواجه فيه صلاح نفس الضغوط القاسية التي واجهها في تشلسي من قبل.

 

عودة إلى المستقبل

قصة صلاح مع ليفربول تعود لموسم 2014 عندما دخل النادي الإنجليزي في صراع مع تشلسي لضمه من بازل(1)، ولكن مؤخرًا طفت المفاوضات للسطح مجددًا بعد رغبة كلوب في التعاقد مع جناح إضافي يمكنه تعويض ساديو ماني حال غيابه للإصابة أو المشاركات الدولية، خاصة كأس الأمم الأفريقية التي اكتشف خلالها الريدز أنهم قد فقدوا أسرع وأشرس عناصرهم في الثلث الأخير.

 

الاعب المصري محمد صلاح في فريقه الجديد ليفربول (رويترز)

 

كان أول ما توجه له كلوب هو مواطنه جوليان براندت جناح ليفركوزن؛ موهبة واعدة يمكنها تقبل دور الاحتياط خاصة إذا أضيف للعرض ضعف الراتب الحالي الهزيل، ثم أفسدت كأس القارات هذه الخطة لأنها منحت الجناح الصاعد أملًا في الانضمام للتشكيلة المغادرة إلى روسيا في الصيف القادم، ومن ثم لم يعد تقليص دقائق اللعب خيارًا مطروحًا في الموسم المقبل(2).

 

ترتب على كل ذلك تحول كبير في الهدف المعلن، من جناح بديل يعوض ماني في خطة اللعب الحالية إلى إضافة هجومية أكبر لن تكتفي بمزاحمة السنغالي على موقعه بل ستجبر كلوب على تعديل الخطة بأكملها، وبطريقة ما انتهى البحث عن بديل جيد إلى قيام الريدز بالتوقيع مع ثاني أغلى صفقة في تاريخهم(3).

 

ساديو صلاح

انفجرت التحليلات على المواقع العالمية عقب اتمام الصفقة لتؤكد حقيقة واحدة تقريبًا هي أن صلاح نسخة من ماني، ربما تكون نسخة أفضل إحصائيًا إذا استثنينا المراوغات والفوارق الفنية والتكتيكية الكبيرة بين الدوريين، ولكن الخلاصة أن المصري بإمكانه فعل كل ما يفعله السنغالي أو العكس، بما في ذلك الغياب عن الفريق أثناء كأس الأمم الأفريقية(4).

 

هنا صار على الجميع -وأولهم كلوب- الاجابة عن سؤالين غاية في الأهمية؛ الأول عن الخطة الجديدة التي ستسمح بإدخال صلاح في التشكيل الأساسي، والثاني عن اللاعب الذي سيخرج لحساب المصري، ومن ثم اتجهت أغلب التحليلات إلى (4-2-3-1) لتجيب على السؤالين، فتوقعت خروج واحد من ثلاثي الوسط إما فينالدوم أو لالانا ونقل كوتينيو إلى موقعه المفضل كصانع لعب تقليدي في العمق، على أن يحتل كل من صلاح وماني الجبهتين خلف المهاجم الوحيد فيرمينو.

 

بالطبع بدا التعديل كاستجابة ضرورية لواحدة من مشكلات الموسم الماضي، وهي غياب كوتينيو شبه الدائم عن الجبهة اليسرى متوجهًا نحو مناطق توهجه في القلب، واضطرار ميلنر لتحمل أعباءها على عاتقه منفردًا وبمساندة محدودة من ثالث الوسط الذي سيكون أول ضحايا الخطة الجديدة، أما الآن فسينال الإنجليزي مزيدًا من المساعدة من جناح متفرغ لشغل الخط صعودًا وهبوطًا، وهو ما سيمنح المنظومة الهجومية فعالية أكبر بالتبعية.

 

الخرائط الحرارية لميلنر وكوتينيو وماني تظهر أن الثلاثي كان يندفع خلف المهاجم الوحيد في شكل أقرب لـ(4-2-3-1) (سكاوكا)

 

مأساة بيرنلي

نظرية بدت صلبة للوهلة الأولى ثم سرعان ما ظهر فيها العديد من الثقوب، أولها هو الفارق التكتيكي الكبير بين صلاح وماني والذي لا تظهره الإحصائيات، فرغم أن الظاهر يوحي بشغل الثنائي نفس المركز مع كل من روما وليفربول، إلا أن اختلاف الأدوار كان واضحًا كون الأول لعب كجناح عكسي في الأساس بينما استُخدم الثاني في الموسم الماضي لفتح الملعب على مصراعيه وتفريغ المساحات في القلب لـكوتينيو، وهو بالضبط عكس ما يفعله صلاح في الثلث الأخير بتحركاته القطرية جهة المرمى، ملتهمًا نفس المساحات التي يبحث عنها البرازيلي لصناعة اللعب.

 

برغم التشابه الإحصائي الشديد بين صلاح وماني فإن الخريطة الحرارية لكل منهما تظهر فارقًا واضحًا في تحركات الثلث الأخير (سكاوكا)

 

مواقع تهديف صلاح وكوتينيو تظهر اختلاف الدور الذي أنجح الأول مع روما عن الدور الذي أنجح ماني مع ليفربول  (سكاوكا)

 

بالطبع لم يكن هذا هو الثقب الوحيد، فحتى افتراضية نقل صلاح للجبهة المعاكسة كجناح تقليدي لم تبدو مقنعة، لسبب بسيط هو أن المصري لم يؤدي هذا الدور ولو لمرة واحدة طيلة مسيرته، بالإضافة لأن فيرمينو ليس مهاجم صندوق بالمعنى المتعارف عليه، واستفادته من العرضيات والصراعات الهوائية ضئيلة مقارنة بما يتطلبه هذا المركز في إنجلترا على الأقل، بالتالي لا يبدو من المنطقي أن يُفرض على صلاح أدوار لا يجيدها لتوفير المزيد من العرضيات لمهاجم لا يستفيد منها عادة.

 

أضف إلى ما سبق الحقيقة الأهم على الإطلاق، وهي أن مشكلة الريدز الأبرز في الموسم المنقضي لم تكن حاجتهم إلى مزيد من السرعة في المقدمة لاستثمار المرتدات، ولا عجزهم عن تنفيذ الضغط العالي والتحولات السريعة المباغتة، بل في افتقارهم للحلول البديلة في مواجهة التكتلات الدفاعية التي لا يجدي معها أسلوب لعبهم التقليدي لأنها لا تمنحه المساحات اللازمة للعمل، واحتياجهم للمزيد من صناع اللعب المهرة القادرين على استغلال ذكاء صلاح وماني الفطري وقدرتهم على التهديف والتقاط المتابعات أمام المرمى.

 

كل ذلك يتناقض بوضوح مع (4-2-3-1) التي ستقلص عدد لاعبي المحور المساندين للهجوم، وستُحمّل كوتينيو وظيفة صناعة اللعب كاملة في ظل انشغال ثنائي الوسط بالتغطية على ظهيري الطرف ووأد المرتدات، ما يعني أنه ورغم امتلاكه لعدد أكبر من الأهداف ليطلق نحوها تمريراته الذكية فإن نجاح المنظومة الهجومية برمتها سيظل رهينًا لحالته يوم المباراة أو قدرة الخصم على رقابته بنجاح، لأن زيادة عدد تلك الأهداف بانضمام صلاح جاء على حساب واحد من لاعبي الوسط.

 

وهو الأمر الذي تنفيه كذلك مفاوضات كلوب الحالية مع نبي كيتا متوسط ميدان لايبزيغ الذي لن تكلف صفقته -إن تمت- أقل من 75 مليون باوند(5)، ما يعني أن الغيني قد حجز موقعه بالفعل في التشكيل الأساسي، جاعلًا فكرة التراجع عن ثلاثي الوسط شبه مستحيلة، ومضيفًا المزيد من الثقوب لنظرية (4-2-3-1) التي بدت صلبة للوهلة الأولى، وتبدو الآن وكأنها زادت من مشاكل الريدز أو استبدلتها بأخرى.

 

التشابه الكبير بين مناطق حركة كيتا ولالانا وفينالدوم بالإضافة لحقيقة كونه يشغل نفس المركز مع لايبزيغ تفيد بصعوبة لجوء كلوب إلى تقليص عدد لاعبي المحور في الموسم المقبل - المصدر Squawka.com

 

في رأس كلوب

هناك حل وحيد متبقي يضع نهاية سعيدة لكل هذه الحيرة، ويمنح كوتينيو حريته المنشودة ويضمن لـصلاح وكيتا مكانًا في التشكيل الأساسي مع الإبقاء على خط الوسط الثلاثي، وهو اللجوء لـ(4-3-1-2) التي جربها كلوب بالفعل في ودية ويغان، معتمدًا على صلاح وفيرمينو كمهاجمي ظل ومن خلفهم البرازيلي كمهاجم وهمي، في محاولة لتكرار توليفة سباليتّي الناجحة سابقًا(6).

 

خطة وتشكيلة ليفربول المثلى بعد انضمام صلاح

 

هنا تنحصر مشاكل الريدز في عيب وحيد لا يبدو كلوب عازمًا على إصلاحه، وهو احجامه المستمر عن الاعتماد على مهاجم صندوق قادر على التعامل مع مدافعي البريميرليغ باستخدام القوة البدنية والتفوق في الهوائيات، والذي يعد أحد أهم الحلول لفك التكتلات الدفاعية التي فشل في معالجتها من قبل.

 

فمنذ بداية مسيرته مع ماينز خَلَت قائمة المدرب الألماني من هذه النوعية من المهاجمين، في ظل تفضيله للحركية والسرعة والقدرة على الضغط واستخلاص الكرات في نصف ملعب الخصم، وهي خصائص نادرًا ما تجتمع في مهاجمي منطقة الجزاء الهدافين، وفي ظل كون ليفاندوفسكي الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة، فإن اختيارات كلوب الحالية في الهجوم تتشابه في الصفات لحد التطابق، فما بين أوريغي وستوريدج وحتى فيرمينو وماني يبدو جيش الألماني متخمًا بالفرسان على اختلاف كفاءتهم، ولكنه لا يحتوي على رامي سهام واحد.

 

والآن مع انضمام سولانكي وصلاح من بعده، يبدو أن كل ما فعله كلوب هو إضافة المزيد من الفرسان حتى وإن فاقوا الموجودين كفاءة، في إهمال للتنوع المطلوب لمواجهة طرق اللعب المختلفة، وتجاهل للمشكلة الأهم في موسمه الماضي مع الريدز وهي عجزهم عن استغلال الفرص كلما ضاقت المساحات، الأمر الذي لن يحله ضم جناح آخر مهما بلغت سرعته.

 

فبرغم أن إحصائيات الفرص المهدرة لا تبدو مقلقة إلى هذا الحد، كون ليفربول يقع في المركز السادس بعد ثنائي مانشستر وأرسنال وتوتنهام وستوك(7)، إلا أن استثناء مباريات الستة الكبار  التي جمع منها كلوب العدد الأكبر من النقاط، يضعنا أمام إحصائية مرعبة تقول أن الريدز صنعوا ضعف فرص خصومهم على الأقل في كل مرة فقدوا فيها نقاطًا في صراع الدوري، بإجمالي وصل إلى 152 فرصة في 10 مباريات سجل منها الريدز 13 هدفًا فقط مقابل 22 لخصومهم من أصل 41 فرصة لا غير طبقًا لموقع سكاوكا، والعامل المشترك بين كل تلك المباريات كان غياب المساحات، وغياب رماة الأسهم كذلك.

 

152 فرصة في 10 مباريات سُجل منها 13 هدفًا فقط، 66 منها كانت في منطقة الجزاء و35 كانت فرص محققة للتسجيل كلفت الريدز 26 نقطة  (سكاوكا)

 

الخيار الأمثل

في كتابهما "لعبة الأرقام" استخدم الثنائي ديفيد سالّي وكريس أندرسن مجموعة من النظريات العلمية الرياضية والاحصائية لإثبات حقيقة أن كرة القدم هي لعبة الحلقة الأضعف، بمعنى أن التأثير السلبي لثغرات الفريق غالبًا ما يتجاوز تأثير حلقاته الأقوى مهما بلغت كفاءتها(8).

 

وهو مفهوم يتناقض مع منهجية كلوب في التعامل مع فريقه، التي تتجلى بوضوح في إصراره على إقحام فيرمينو في مركز المهاجم رغم فشله المتكرر في استثمار أغلب ما يتاح له من فرص، والسبب الوحيد خلف ذلك هو إجادة البرازيلي للضغط بدون كرة وعودته لأداء المهام الدفاعية كلما تطلبت ظروف المباراة، وهو أمر محمود قطعًا، ولكنه يأتي في المرتبة الثانية على قائمة الأولويات بعد المهمة الأساسية المطلوبة من المهاجم وهي احراز الأهداف(9).

 

 

بنفس المنطق يبدو التعاقد مع صلاح رفاهية لا يحتملها الوضع في ظل استمرار نفس الثغرة، وبدلًا من إخراج فيرمينو لحساب مهاجم صريح يعالجها جاء انضمام الجناح المصري ليزيد من تعقيد الأمور، والنتيجة أن الريدز سيفقدون المزيد من الوقت حتى يدرك مدربهم حتمية الحل الجذري، وحينها لن يكون الضحية مهاجم يتفنن في إهدار الفرص كـفيرمينو بل جناح يؤدي دوره على أكمل وجه، سواءً كان هذا الجناح ماني أو صلاح نفسه.

 

الأمر ببساطة لا علاقة له بكفاءة الجناح المصري العالمي، بل إن صلاح أقرب للتوهج رفقة مهاجم صريح يمكنه الاستفادة من انطلاقاته واستثمار تمريراته أمام المرمى، ولا أدل على ذلك سوى مساهمته في رُبع أهداف دجيكو تقريبًا في الموسم الماضي، ولا شك أن كل ما سبق لن يمنع تألقه مع الريدز في الموسم المقبل ما لم يحدث ما يناقض المعطيات الحالية، ولكنه -رغم قدراته التهديفية- يؤكد أنه لن يكون القطعة الناقصة في هجوم كلوب طبقًا لنفس المعطيات.

 

المفارقة هنا أن انضمام صلاح إلى ماني والبقية لن يعني إلا مزيد من الفتك في المرتدات، وبالتالي مزيد من الحذر من خصوم الريدز ومزيد من التكتلات الدفاعية التي ستدرك عاجلًا أو آجلًا أن منح المساحات للجناح المصري هو بمثابة الانتحار، وكل ذلك سيزيد من حاجة كلوب لمهاجم الصندوق الذي عارض ضمه طيلة الموسم ونصف الماضيين، وحينها لن يكون بوسعنا إلا الأمل أن تظل إجابته للسؤال في العنوان هي نفس إجابة صلاح.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار