انضم إلينا
اغلاق
ماذا أضاف الأجانب لكرة القدم الخليجية؟

ماذا أضاف الأجانب لكرة القدم الخليجية؟

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض
قبل ثلاثين عاما أو نحوها لم يكن الكثيرون من خارج المنطقة قد سمعوا بكرة القدم الخليجية، وإن سمع بعضهم فلم يكن يعيرها كبير اهتمام بحكم تواضع مستواها وقلة إنجازاتها أو حتى انعدامها. أما الآن فإن شهرتها طبقت الآفاق بفضل ما بنته من منشآت، وما نظمت من بطولات، وما وصلت إليه من ألقاب قارية ومشاركات عالمية عديدة، ولا شك أن هذا جاء ثمرة لجهود كبيرة تُذكر فتُشكر، ولكن هذا التطور يبدو وكأنه دخل نفقاً في السنوات الأخيرة، ولا يعرف أحد متى سيخرج منه.

 

على المستوى الفردي والجماعي لم يواصل التقدم كما كان متوقعاً، والنجاحات ما زالت محصورة بالنطاقين العربي والقاري، وحتى الوصول العالمي لا يتحقق إلا عبر هاتين البوابتين، بينما نجح آخرون كاليابانيين على سبيل المثال في تحقيق تقدم أسرع في زمن أقل.

 

البعض يعزو السبب إلى أن المفاهيم الكروية الأساسية لازالت غير واضحة، فالاحتراف الخارجي لم ينجح، والاحتراف الداخلي لا يزال معتمداً على الدعم الحكومي، والبطولات المحلية عرضة للإيقاف المتكرر لحساب المنتخب، والالتزامات الخارجية كثيرة جداً، والموسم بمجمله أقصر مما ينبغي. والبعض يتحدث عن ظاهرة كثرة تغيير المدربين، أو انتفاء الحافز القومي لدى الكثير من اللاعبين، وقلة الانضباط الكروي لدى معظمهم. بينما تذهب فئة أخرى للتنبيه إلى قلة الاهتمام ببقية عناصر اللعبة من حكام وإداريين ومدربين، فيما يصل البعض إلى الحديث عن النواحي الصحية والغذائية. فأين الحقيقة من ذلك كله؟ وما الذي ينقص اللاعب الخليجي أو العربي لكي يضاهي نظيره في البلدان المتقدمة على المستطيل الأخضر؟"(1)

 

16 عاماً قد مضت ولا تزال تلك الكلمات قابلة للقياس إلى يومنا هذا، جهود متواصلة، تطور مستمر، منشآت جديدة على أعلى مستوى، اللاعب الخليجي لا يزال محلياً، الاحتراف الخارجي لا يزال غير ناجح، والنجاحات تنحصر حتى الآن بالنطاق القاري، فمنذ تلك الكلمات حققت الأندية الخليجية لقب دوري أبطال آسيا 4 مرات (العين الإماراتي 2003 - اتحاد جدة 2004 و2005 - السد القطري 2011) ووصافته 6 مرات (العين 2005 و2016 - اتحاد جدة 2009 - أهلي جدة 2012 - الهلال السعودي 2014 - أهلي دبي 2015).

 

 فوز نادي السد القطري بلقب دوري أبطال آسيا عام 2011 (مواقع التواصل)

 

أما على الصعيد العالمي انحصر نصيب الخليج العربي في 4 مشاركات، اثنتين في كأس العالم من نصيب السعودية 2002 و2006 بمحصلة نقطة وحيدة وهدفين، والباقيتين بكأس العالم للأندية أحرز خلالهما الاتحاد والسد المركزين الرابع والثالث على الترتيب، بالعودة لبطولة المنتخبات القارية "كأس آسيا" تجد وصافة وحيدة عام 2007 من نصيب السعودية أيضاً، يمكن اعتبار تلك البطولة من نصيب الخليج ولكن ذلك يتوقف على "مدى خليجية العراق" في نظرك(2)*.

 

إجمالاً يُقر الجميع بمواهب تتولد من رحم الخليج مع كامل الإقرار بأنها وحدها لا تكفي، وأن دائماً هناك ما ينقص ويجب استيراده من الخارج، ليس اللاعبين فقط بل ينتشر المدربون الأجانب على نحو أكبر، بالطبع هذا الأمر أضاف الكثير للمنطقة التي حملت راية التحول لنظام دوري المحترفين قبل غيرها، فقد أدخل العديد من المدارس والجنسيات والأفكار المختلفة موفراً أكبر قدر ممكن من الاحتكاك بالثقافات الكروية المغايرة والمُثقلة بالخبرات، ولكن لكل شيء إيجابي آثار سلبية.

 

أزمة المنتج المحلي

لأسباب ذُكر عدد كبير منها في المقدمة المنقولة أعلاه، بات اللاعب الأجنبي خيار لا بديل له سواء للمنافسة القارية أو المحلية، ويحتل اللاتينيين -خاصةً البرازيلين- قمة هذا الهرم بشكل شبه دائم يليه اللاعب الأفريقي ويندر تواجد الأوروبي إلا في أعمار متقدمة كحالتي تشافي هيرنانديز وراؤول غونزاليس مع السد.

 

ما تضمنه الأندية الخليجية هنا هو إما الصف الثالث على أفضل تقدير لما تنجبه الملاعب اللاتينية، أو الخبرات والثقل الدعائي من الجانب الأوروبي، ولكن ملاعب الخليج لا تزال غير مغرية للاعب في قمة عطائه ما دام قادراً على تثبيت قدميه بالقارة العجوز. لتلك القاعدة استثناءات نادرة أبرزها البرازيلي "نيلمار" الذي لمع مع فياريال في الليغا بين عامي 2009 و2012 قبل أن يتخذ قراره المفاجئ بالانتقال إلى الريان القطري، والغاني أسامواه جيان الذي أنهى رحلته الأوروبية في سندرلاند لينتقل منه إلى العين في 2011.

 

إن نظرت لقائمة هدافي الدوري السعودي هذا الموسم ستجدهم بالترتيب: عمر السومة وإسماعيل بانغورا ومحمود كهربا، سوري وغيني ومصري، السعودي الأول مختار فلاتة يظهر بعدهم مباشرةً ولكنك ستضطر لتخطي 4 أسماء أخرى قبل أن تصل إلى الثاني فهد المولد(3).

 

عمر عبد الرحمن "عموري"لاعب المنتخب الإماراتي (رويترز)

 

لم يعد غريباً أن تجد من لا يعرف عن الكرة الخليجية سوى الإماراتي عمر عبد الرحمن "عموري" فهو الأكثر انتشاراً، اكتب اسمه على أي محرك بحث ولن تجد إلا كل خير بطريقة تدفع للتساؤل عن كيف لم تنال موهبة كتلك حظها من الاحتراف الأوروبي إلى يومنا هذا.

 

بجمع تلك العوامل معاً، المحصلة هي أن اللاعب الخليجي بالإضافة لما أسموه بأزمة العقلية عادةً ما يجد من يزاحمه في أهم مراكز الملعب فلا يتطور بما يكفي للاحتراف أو للنهوض بالمنتخبات التي قلما تبرع في اختيار مدربيها، وهو ما أشار إليه الدكتور موسى عباس في بحثه عن مردود الأجانب في الكرة الخليجية بقوله "أوضحت آراء عينة البحث اقتصار دور اللاعب الأجنبي على مركز المهاجم فقط وأن هذا الإجراء قد يقلل من الاعتماد على الكوادر والمواهب الوطنية في مركز المهاجم وهو مركز حساس ومهم إلا أن عينة البحث رأت أن اللاعب الأجنبي في مركز الهجوم يكون عنصراً فاعلاً في تحقيق الفوز للفريق، الأمر الذي يدعم الرأي الذي ينادي بالعمل على تخفيض العدد وحسب ليتم إفساح المجال أكثر للعنصر الوطني(4)".

 

أضف إلى ذلك فداحة إنفاق مَبالغ يمكن استثمارها بشكل أفضل لتطوير منظومة اللعب بطرق متعددة، وهو ما أوردته صحيفة الإتحاد الإماراتية عام 2014 بأن "متوسط الإنفاق على التعاقد مع 418 لاعباً أجنبياً ينتشرون في ملاعب 8 دوريات خليجية من خلال 114 نادياً لا يقل عن مليار درهم أو ريال سنوياً، كمتوسط لـ25% من إجمالي إنفاق ميزانيات الأندية المحترفة بالمنطقة(5)."

 

باوزا؟!

يندر تألق الأسماء الخليجية في عالم التدريب لأنها تكاد تكون غير موجودة على الإطلاق، ففي الدوري السعودي مع انطلاق الموسم المنصرم على سبيل المثال ضمت قائمة مدربي الفرق اسمين سعوديين فقط من أصل 14 هما سامي الجابر مدرب الشباب وحمد الدوسري مدرب القادسية(6).

 

بينما صمد الجابر في موقعه استقال الدوسري مبكراً(7) وحل بدلاً منه البرازيلي دوس آنجوس من الفيصلي الذي استبدله بأجنبي أيضاً، وبعد عدد لا بأس به من النتائج السلبية اضطر القادسية لإقالته لاجئاً للمدرب الوطني بندر باصريح قبل نهاية المسابقة بأسبوعين(8) ليحصد 4 نقاط ضمنوا بقاء الفريق بدوري المحترفين.

 

 المدرب الأرجنتيني إدغاردو باوزا (رويترز)

 

تقول الأسطورة أن ليونيل ميسي يملك منتخباً مدججاً بالنجوم ورغم ذلك لا يفوز بشيء، بالآونة الأخيرة تولى قيادته رجل اختبر كافة أنواع الفشل الممكنة في تلك الفترة القصيرة، خسر بميسي وبدونه، سار بخطوات ثابتة على طريق إقصاء الأرجنتين من تصفيات المونديال للمرة الأولى منذ عام 1970، أقيل من منصبه بطبيعة الحال ولكن لأن أبواب الرزق لا تُغلق أبداً، تم الإعلان عن تعيينه مديراً فنياً لمنتخب الإمارات العربية المتحدة(9).

 

تقول أسطورة أخرى أن أغلب الأمور مثار الجدل تظل عالقة للأبد لأن أحداً لم يطرح السؤال الصحيح.. ما هي الإضافة التي سيقدمها إدغاردو باوزا للمنتخب الإماراتي؟ ما هي النقلة النوعية أو التكتيكية التي ظهرت على منتخب الأرجنتين لدرجة تجعل "عيال زايد" راغبين في محاكاتها؟ لماذا قد يثق أي شخص باختيارات الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم؟ ما هو معيار اختيار مدرب منتخب الإمارات؟

 

أبهر المنتخب الكوستاريكي العالم أجمع في كأس العالم 2014 بالعروض التي قدمها أمام أروغواي وإنجلترا وإيطاليا، فما الذي تملكه كوستاريكا ولا يمتلكه الخليج الثري؟

تاريخياً منذ نشأة المنتخب الإماراتي عام 1972 يقع بين المصري محمد صديق شحتة أول مدربيه وبين باوزا 3 إماراتيين فقط هم جمعة غريب وعبد الله مسفر ومهدي علي الذي تسلم المدرب الأرجنتيني منه المهمة. القائمة تضم 3 برازيليين هم كارلوس ألبرتو بيريرا الذي قاد المنتخب في كأس العالم 1990، وماريو زاغالو الذي أتى ببطاقة التأهل لهذا المونديال وأخيراً لوري ساندري.

 

من الإنجليزي دون ريفي إلى البرتغالي كارلوس كيروش استمرت دائرة تعاقب الجنسيات بين يوغوسلافي وإيراني وأوكراني وتشيكي وكرواتي وزوج من البولنديين، والحصيلة 3 هزائم في مشاركة وحيدة بكأس العالم خلال نفس النسخة التي سجلت أول مشاركة لمنتخب كوستاريكا ورغم ذلك شهدت تأهله للدور التالي ثانياً لمجموعة البرازيل على حساب اسكتلندا والسويد.

 

نفس المنتخب الكوستاريكي أبهر العالم أجمع في كأس العالم 2014 بدايةً من تصدره لمجموعته على حساب 3 أبطال سابقين للعالم هم أوروغواي وإنجلترا وإيطاليا ثم اجتيازه لليونان قبل خروجه على يد هولندا بركلات الترجيح، فما الذي تملكه كوستاريكا ولا يمتلكه الخليج الثري؟

 

باسم التسويق..

في مسألة لا تقبل أي تفسيرات أخرى، أعلن نادي الفجيرة المنافس بدوري الدرجة الثانية في الإمارات عن التعاقد مع الأسطورة دييغو أرماندو مارادونا لتدريب الفريق ليصبح ثالث تجارب الأرجنتيني في الألفية الثالثة: الأولى مع الألبيسيليستي والتي انتهت بفضيحة الرباعية الألمانية في كأس العالم 2010، والثانية مع الوصل الإماراتي وانتهت بإقالته أيضاً بعد عام.

 

بينما أوجز المغرد ياسر المري عبر موقع التواصل الاجتماعي تويتر مكاسب تلك الخطوة في انتشار اسم الفجيرة عبر الصحف العالمية، ذهب الشيخ مكتوم بن حمد الشرقي رئيس النادي إلى ما هو أبعد كثيراً.

 

 

رفع الشرقي سقف التطلعات قائلاً "لماذا لا يكرر مع الفجيرة ما فعله مع نابولي الإيطالي كلاعب عندما قاد الفريق للفوز بالدوري الإيطالي مرتين؟"(10) لمَ لا حقاً؟ ربما لأنه خسر 6-1 أمام بوليفيا من قبل؟ أو لأن العبارة تحتوي على خلط جسيم بين دييغو اللاعب الأسطوري والمدرب المتواضع؟

 

انتشر اسم النادي على الألسنة بفضل تواجد مارادونا، ولكن إلى متى سيستمر ذلك الأمر؟ وإلى أين ستصل النتائج؟ ومن سيشاهد دوري الدرجة الثانية في الإمارات من خارجها -إن كان يحظى بما يكفي من المشاهدة داخلها بالأساس- حتى ولو عاد مارادونا للعب وليس للتدريب؟

 

يُقابل ذلك نموذج تشافي مع السد القطري الذي لا يزال يؤتي ثماره من كافة النواحي الممكنة، حيث أن وجود زرقاء اليمامة لا يساعد في الترويج لناديه فقط بل يُلقي بكل ثقله وراء تنظيم الدولة الخليجية لكأس العالم 2022 والذي لا يزال محاطاً بالشكوك من ناحية، ومن الناحية الأخرى بدأ الإسباني مشروعه الشخصي للانتقال إلى التدريب بعد اعتزال اللعب، ومن المرجح بقوة أن تكون التجربة الأولى مع ناشئي السد، نحن هنا نتحدث عن أحد أذكى من لمسوا الكرة وأقواهم رؤية وتمريراً فتخيل ما يمكنه أن ينقل للجيل القادم.

 

لا شك بأن أغلب الأطراف المعنية على دراية بحقيقة الموقف وأن هناك خطوات تُتَّخذ لحل تلك المسألة، الأمثلة من الإمارات مرة أخرى حيث أصدر اتحاد الكرة قراره بتقليص عدد الأجانب في دوري الدرجة الأولى من ثلاثة إلى اثنين فقط(11)، كما أوصت ندوة الحوار الفني التي عقدها بمنع الأجانب من المشاركة بكأس الخليج العربي وعودة المسابقة الرسمية للناشئين تحت 15 عاماً(12). حلول غير جذرية ولكنها تظل هامة ولو على سبيل التمهيد لما هو قادم من خطوات، وهو ما لا يمكن التهاون بشأنه حرصاً على مستقبل أفضل للاعب الخليجي.

آخر الأخبار