انضم إلينا
اغلاق
إبراهيموفيتش وبوفون.. لأن العمر أكثر من مجرد رقم

إبراهيموفيتش وبوفون.. لأن العمر أكثر من مجرد رقم

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
سنجري تجربة بسيطة؛ ستنسى كل ما تعلمه عن اللعبة أو تتظاهر بذلك، ثم سنضع أمامك مجموعة من اللاعبين لتختار منهم المرشحين للنجاح مستقبلًا؛ ريان بابل وروبن، ميكائيل كاريك وأندرسون، جو كول وميسي، آريئيل أورتيغا وأليكس ديل بييرو، كلهم لاعبون موهوبون لا شك، وكلهم أظهروا قدرات استثنائية في سنوات المراهقة والشباب، ولكن محاولة تحديد مستقبل كل منهم ستفشل حتمًا، وستخطئ في توقع نجاح أو فشل بعضهم على الأقل.

 

الحظ والصدفة والظروف هي تعريفات مختلفة للكم المهمل في اللعبة وفي الحياة عمومًا؛ الأمور التي لا يمكن قياسها بالعين المجردة ولا نعلم عنها إلا القليل أو لا شيء على الإطلاق، بالتالي كثيرًا ما ننسى تأثيرها في مسيرة أي لاعب رغم أهميتها، والأهم أننا كثيرًا ما ننسى هؤلاء الذي تفوقوا على كل ذلك واستمروا حتى أعمار متقدمة في أعلى المستويات، وكم كلفهم ذلك من جهد وتضحية، خاصة في عالم يتجاهل قيمة العمل والتطور ولا يعترف إلا بالنتيجة النهائية.

 

غابي
غابي لاعب وقائد أتلتيكو مدريد  (الأوروبية)

 

لأن العمر أكثر من مجرد رقم فلقد تأثر أداء القائد هذا العام وبالطبع لا يمكننا القول بأنه أفضل مواسمه، ولكن رغم ذلك نجح غابي في قيادة فريقه لنصف نهائي دوري الأبطال مرة أخرى، قبل الخروج أمام كابوس ريال مدريد مجددًا وبالتخصص.

 

منذ بداية تولي التشولو لمسؤولية الفريق في 2011 كان غابي أول العناصر التي بنى عليها الأرجنتيني ثورته، بعد أن استرجعه من إعارة متجددة دامت لخمس مواسم مع سرقسطة، وبدأ في بناء وسط ملعبه حول لاعب الارتكاز الذي تخرج أساسًا من مدرسة الأتلتي الكروية.

 

بالطبع من الصعب على أي لاعب أن يرتبط اسمه في الذاكرة بخيبة الأمل والفشل في الأمتار الأخيرة، وهو أمر يبدو أنه سيلازم كل عناصر أتليتي سيميوني لفترة طويلة رغم ما حققوه من إنجازات، ولكن الحقيقة أن تلك الحقبة لم تكن لتكتمل من دون لاعب كـغابي، وعندما ينظر اللاحقون لأعوام الـتشولو مع الروخيبلانكوس سيدركون أن الفريق ظل يقارع الكبار لفترة طويلة فاقت التوقعات، وكأنه ملاكم يلعب في وزن غير وزنه، وأحد أهم الأسباب خلف ذلك كان استمرارية الإسباني وشخصيته الاستثنائية.

 

 

دي روسي
دي روسي خليفة توتي في قيادة روما  (الأوروبية)

 

تقول الأسطورة أنك إن طرقت على باب دي روسي فسيفتح لك بقميص روما، وسيجالسك ويودعك بقميص روما، ثم يخلد للنوم مرتديًا نفس القميص الذي ارتداه في آخر 16 عام.

 

أسطورة حقيقية أُهدر حقها وتوارت في ظل الأمير توتي، رغم أنه تلقى العديد من العروض عبر تاريخه للخروج وتحقيق البطولات ولم يستجب لأي منها، آخرها كان فرصة لإنهاء مسيرته بلقب في إنجلترا مع كونتي(1)، لأن مازال هناك من يؤمن أن دي روسي لاعب من طراز عالمي، ولو كان قد قضى مسيرته في نادٍ آخر لربما تذكره الجميع بشكل مختلف.

 

وعلى عكس ما قد يظنه الكثيرون في حالات مشابهة، فإن رغبة كونتي في جلب مواطنه للندن لم تكن بدافع العاطفة أو المجاملة، بل لما يقدمه "دي روسي" فعليًا في الملعب والذي يجعله من أفضل من يحتلون المركز في السيري أيه بلا مواربة، بمزيجه الخاص المتناقض من التركيز والغضب.

 

يومًا ما، قال دي روسي أنه رأى لافتة في المدرجات كُتب عليها المعركة الحقيقية مع كرة القدم الحديثة تكمن في القدرة على ارتداء نفس القميص لخمسة وعشرين عامًا(2)،  وما نعلمه أن دي روسي لم يفز بالكثير من معارك الألقاب في مسيرته، ولكنه ربما قد فاز بالمعركة الأهم رغم ذلك.

 

 

روبن
لاعب بايرن ميونخ الهولندي آرين روبن  (الأوروبية)

 

لا يمكن إيقاف روبن سواءً كان في الثلاثين من عمره أو قبل ذلك بثلاث سنوات أو بعدها بنفس القدر، الأمر بهذه البساطة، ولا يبدو أننا سنشهد اليوم الذي يفشل فيه الهولندي في تخطي المدافعين بمجرد الركض، بعد أن سجل أعلى سرعة للاعب كرة قدم في التاريخ في مباراة إسبانيا في المونديال الأخير بسبعة وثلاثين كيلومترًا بالساعة، وهو يحتفل بعيد ميلاده الثلاثين(3).

 

روبن سجل عبر مسيرته كاملة 200 هدف تقريبًا وصنع 150 آخرين(4)، ويكفيك أن تعلم أن حصيلته تفوق حصيلة مهاجم أسطوري كـدروغبا حينما كان في نفس السن(5)،  وبعد أن أتم عامه الثالث والثلاثين مازال الهولندي قادرًا على البقاء ضمن صفوة العالم في مركزه، بعد أن سجل 16 هدفًا وصنع 14 غيرهم مع بايرن ميونيخ هذا الموسم(6)، وحتى نجد المدافع المصنوع من العجين والذي يمكنه الركض بسرعة 37 كم/ساعة سنشاهد المزيد من روبن كل موسم، والمزيد من أهدافه المعتادة في الزاوية البعيدة التي يعلم الجميع أنه سيحرزها ورغم ذلك لا يستطيعون إيقافه.

 

أدوريز
أريتز أدوريز لاعب بيلباو (الأوروبية)

 

يبدأ أريتز أدوريز الصغير مسيرته مع بيلباو فيحرز 18 هدفًا فقط في 94 مباراة، فيخرج في رحلة طويلة تنقل خلالها بين بورغوس في الدرجة الثانية وبلد الوليد وفالنسيا ومايوركا وأحرز خلالها 85 هدفًا في 252 مباراة، فيعود مرة ثانية لبيلباو لينهي مسيرته وهو في الحادية والثلاثين من عمره، ليسجل أحد أغرب قصص النضج المتأخر في تاريخ اللعبة(7).

 

قبل سن 31 كان معدل أدوريز لا يجاوز هدف كل  ثلاث مباريات تقريبًا، وبعدها ارتفع لهدف كل مباراتين، بالإضافة لكون الرجل يتوهج بشدة بألوان بيلباو دونًا عن غيرها، فيشارك معه في هدف كل 124 دقيقة - معدل قياسي مقارنة بأغلب مهاجمي اللعبة- مقابل 173 دقيقة خارج الإقليم الباسكي(7)،  وما يتضاءل بجانبه كل ما سبق هو أن ذلك المعدل ارتفع للمشاركة بهدف كل 103 دقيقة في آخر موسمين تحديدًا(8)،  بعد أن تخطى المهاجم الإسباني حاجز الخامسة والثلاثين، في ظاهرة أشبه بالحالة المحيرة لـبنجامين باتن التي جسدها الفيلم الشهير بنفس العنوان(9).

 

المستقبل؟ لا نعلم كيف يبدو المستقبل لأدوريز وما إذا كان سيقوى على الاستمرار بنفس الأداء أم لا، ولكن مشجعي بيلباو ينتظرون اتمامه لعامه السابع والثلاثين بفارق الصبر، وبالطبع لا يمكنك أن تلومهم.

 

غاريث ماكاولي
المدافع ذو 37 عاما غاريث ماكولي (الأوروبية)

 

رغم كونه في السابعة والثلاثين من عمره إلا أن مسيرة ماكاولي كاملة تقتصر على 13 موسمًا فقط لا غير، لسبب بسيط هو أنه بدأها في الرابعة والعشرين من عمره.

 

وعلى عكس ما قد تظنه، فإن المدافع الأيرلندي الشمالي لم يُدرج في تلك القائمة لعمره المتقدم وحسب، بل لأنه يمتلك معدلًا تنافسيًا للغاية فيما يخص المهارات الدفاعية التقليدية لقلب الدفاع، وبالطبع لا تعني مقارنته مع أفضل شاغلي المركز في البريميرليغ أن ماكاولي على نفس المستوى، بقدر ما تُقر بقدرته على الاجتهاد واستغلال إمكانياته في خطة لعب الباغيز التي تقوم على دفاع المنطقة وإقامة التكتلات أمام المرمى ومن ثم ضرب الخصم بالعكسيات السريعة.

 

 

المهم كذلك أن ماكاولي نجح في تسجيل سبعة أهداف مع فريقه هذا العام، أتت كلها من كرات ثابتة في ملعب فريقه الهاوثورنز (10)، ليصبح واحد من هدافي الفريق على هذا الملعب، خاصة أن مع فريق كويست بروم، ومدرب كـبوليس لا يؤمن بالمكسب بأكثر من هدف وحيد، يصبح لكل هدف أهميته المطلقة وقدرته على التأثير على مركز الفريق في الجدول بنهاية الموسم، لذا يمكنك أن تقول إنه إذا كان للفقراء راموس خاص بهم فإن ماكاولي سيكون المرشح الأول للعب دوره.

 

زلاتان
السويدي زلاتان إبراهيموفيتش (الأوروبية)

 

القصة باختصار أن زلاتان تعاقد مع مانشستر يونايتد في سن الخامسة والثلاثين لتخوض إنجلترا تجربتها الأولى معه، سجل خلالها 28 هدفًا وصنع 10 غيرهم ليشترك معه الشياطين في هدف كل 100 دقيقة تقريبًا(11)، ورغم كم الفرص الهائل التي لم تنل الشرف ليسجلها زلاتان، ورغم تصدره لقائمة مهدري الفرص المحققة للتسجيل(12)،  فإن معدله التهديفي يجعله ثالثًا بين مهاجمي البريميرليغ خلف كين الذي شارك بهدف كل 70 دقيقة مع السبيرز(13)،  وسانشيز بهدف كل 92 دقيقة مع المدفعجية، إن جاز أن نعتبر الأخير مهاجمًا(14).

 

المؤسف أن كل ذلك لم يمنعه من فسخ تعاقده مع الشياطين في نهاية الموسم وتوجيه الشكر لهم على ما قدموه معه، لينتقل العالم إلى مرحلة جديدة في حياة زلاتان.

 

بوفون
 الحارس الإيطالي بوفون (الأوروبية)

 

أنت تعلم المزحة الشهيرة عن الأشياء التي تغيرت في العالم منذ بدأ بوفون مسيرته في 1995، ولكن تلك المزحة تحولت لحقيقة عندما لاقى العملاق الإيطالي مبابي في نصف نهائي دوري الأبطال، وهو الذي ولد عندما كان بوفون يفوز بكأس إيطاليا وكأس الاتحاد الأوروبي مع بارما.

 

بوفون هو الأكبر -سنًا ومقامًا- على تلك القائمة، ومثال حي على معادلة الـ99% الشهيرة التي غالبًا ما يتبعها السؤال عن الـ1% المتبقية، لذا كثيرًا ما حاول محبيه تعويضها بالتأكيد الدائم على أن مستواه لم يتأثر بتقدمه في السن، رغم أنه ادعاء لا يخلو من مبالغة عاطفية لعل بوفون نفسه هو أكثر من يدركها، والأهم من ذلك أنه لا يحتاجها ليبرر استمراره في حراسة مرمى البيانكونيري، لأنه أحد القلائل الذين يملكون رفاهية تراجع مستواهم دون أن يخرجوا من قائمة أفضل الحراس في العالم، وكفى به انجاز في هذه السن.

 

لذا ودون أن ننجرف للأحاديث العاطفية المعتادة التي غالبًا ما يشوبها الابتذال، يمكننا استعارة القليل من زلاتان لنؤكد أن الـ99% هي من فازت بجيجي، والـ1% الباقية هي من خسرته.

 

يُقال دائمًا في مثل هذه المناسبات أن العمر مجرد رقم، في إشارة لانعدام تأثيره على أداء كبار اللاعبين المستمرين في الملاعب حتى سن متقدمة، ولكن الحقيقة أن تلك العبارة ظالمة للغاية، ليس فقط لأنها تتجاهل نواميس الطبيعة والكون، بل لأنها تتجاهل أيضًا كم العمل المطلوب لتحويل هذا العمر إلى مجرد رقم فعلًا، وتُرجع الموضوع بأكمله لإمكانيات خارقة يختص بها هؤلاء اللاعبين دونًا عن غيرهم، بينما العمر أكثر من ذلك بكثير، ولم ولن يستطع اخضاعه أي لاعب مهما بلغت قدراته، بل أقصى ما يمكن فعله هو خوض المعركة المعلوم نتيجتها مسبقًا للنهاية، في محاولة لمعادلة تأثيره أو تخفيفه لا أكثر، ولا شيء يثبت قوة العمر أكثر من هذا، وكذلك لا شيء يثبت قوة وشخصية هؤلاء مثل محاولتهم الوقوف في وجهه.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار