انضم إلينا
اغلاق
هل فازت ألمانيا بكأس العالم القادمة؟

هل فازت ألمانيا بكأس العالم القادمة؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
لابد وأن تلك النظرية قد مرت أمامك عدة مرات الآن؛ فريق تحت 21 يصعق نجوم الإسبان الصغار في يورو الشباب، والفريقان الثاني والثالث يتبادلان الإطاحة بأبطال القارات واحدًا تلو الآخر، أما الفريق الأساسي فهو يقضي إجازته الصيفية استعدادًا لموسم مرهق، سينطلق بعده نحو روسيا للعب 7 مباريات روتينية ثم يعود بالكأس ويتظاهر الجميع بالمفاجأة.

 

استعراض مستفز للقوة ظهر فيه الألمان أقرب ما يكون لمقولة "لينيكر" الشهيرة عن كرة القدم التي هي عبارة عن 22 لاعبًا يركضون خلف الكرة لتسعين دقيقة يفوز بعدها الألمان في كل مرة(1).

 

طرفي العصا هنا واضحين ولكل منهما طرح وجيه؛ الأول يؤكد أن طفرة الألمان غير مسبوقة لأنها نتجت عن عمل مؤسسي أشبه بالمشروع القومي، اشتركت فيه كل عناصر اللعبة الرسمية وغير الرسمية تقريبًا، والثاني يذكر الأول بأن هذا كله لم يمنح الألمان إلا بطولتين دوليتين من البطولات الكبرى في آخر ربع قرن، مقابل 4 للبرازيل و3 لإسبانيا و2 لفرنسا، والأهم أن طفرات تلك الدول لم تكن بنصف القدر من التخطيط والشمولية.

 

المنتخب الألماني يحقق بطولة كأس أوروبا تحت 21 (الأوروبية)

 

1+1 = 2

سقطت أول قطرة بعد فشل يورو 2000، ثم تكفلت خسارة مونديال 2002 بتسريع الإيقاع، قبل أن تسقط مجموعة "كيرش" الإعلامية في ألمانيا، وهي الدجاجة التي كانت تبيض ذهبًا لأندية البوندزليغا برعايتها لحقوق البث، وبالتالي لم يعن سقوطها إلا اعتمادًا متزايدًا على الأكاديميات وقواعد الناشئين في ظل تراجع الموارد والعجز عن مواكبة السوق، وعند لحظة ما تجمعت كل تلك القطرات مكونة طوفان هادر اكتسح طول البلاد وعرضها(2).

 

التعاقد مع المتخصصين في كل المجالات بدءًا من الإعداد البدني ونهاية بخبراء التحليل الإحصائي، تشييد الأكاديميات ومراكز التدريب في كل مكان تقريبًا، حتى أكثر البقاع بعدًا عن الحضر وأقلها استعدادًا لإخراج المواهب، والنتيجة أن قاعدة الممارسة تضاعفت عدة مرات في عقد واحد، بعده وصل عدد لاعبي الأكاديميات في الدرجة الأولى من البوندزليغا إلى نصف عدد اللاعبين الإجمالي، وصولًا للحظة 2014 المجيدة التي توجت كل ما سبق(2).

 

قبل تلك اللحظة بعام واحد، وتحديدًا في (أيار/مايو) 2013، كان "روبين داتّ" المدير الرياضي للاتحاد الألماني يعلن عن أكبر مشكلة واجهت الكرة الألمانية منذ نشأتها، وهي أنها وصلت للقمة أخيرًا ولم يعد هناك مجال للتحسن أكثر من ذلك، لأن الألمان الذين جابوا العالم كله قبلها بعشرة سنوات باحثين عن الطرق الأفضل لتطوير نسختهم من اللعبة، أصبحوا يستقبلون الخبراء من كل أنحاء العالم لنقل تجربتهم والاستفادة منها، ومن ضمنهم "دان آشوورث" مدير التطوير في الاتحاد الإنجليزي آنذاك، الذي تجاوز خمسة عقود من الكبرياء والعداوة التاريخية بين الإنجليز والألمان في طريقه لمكتب "داتّ" في فرانكفورت(3).

 

ورغم أن مفهوم الخصائص الموحدة للشعوب قد تآكل بعد عدة عقود من العولمة والإنترنت، وأصبح من السطحية الحديث عن الكولومبيين أو السنغاليين أو النرويجيين باعتبارهم كتلة واحدة مصمتة يمكن تعريف صفاتها، فإنه لم يتآكل كليًا بعد، وتمكن البعض من الاحتفاظ بصفة أو اثنتين ميزته عن غيره، فمازال الاستحواذ للإسبان، والرقص للبرازيليين والبدنيات للإنجليز.

 

لاعبي المنتخب الألماني الذين فازوا بكأس القارات (رويترز)

 

 وسط كل ذلك احتفظ الألمان بالمزية الأهم، وهي أن مشروعهم الكروي كان الاستثناء الوحيد لتلك القاعدة تقريبًا، فاستفاد من الانفتاح الرياضي ولم يخضع له، والنتيجة أن هذا المشروع مثّل الكتلة الوحيدة المصمتة التي يمكن تعريف خصائصها بسهولة فعلًا، لأن الاحصائيات تؤكد أن لاعبي المنتخب الوطني في جميع المراحل السنية منذ 15 وصعودًا نحو الفريق الأول، قد جُمعوا من 13 فريق ألماني مختلف على الأقل، بل وتصل الشمولية إلى أقصاها في المراحل المبكرة مثل 15 و16 سنة التي أتت قائمتها من 17 و22 فريق على الترتيب تتنوع بين الدرجات العليا والدنيا في الكرة الألمانية، وهو رقم شبه مستحيل بالنسبة لقائمة تتراوح أصلًا بين 22 و28 لاعب في المجمل. 

 

بالتالي فما قاله "داتّ" لم يكن مجرد استعراض آخر للقوة مثل كأس القارات الحالية، بل الحقيقة، وليس من الصدفة أن تلك الحقيقة خرجت للنور قبل المونديال بعام واحد، في الحالتين 2014 و2018. 

 

ميكانيكا

كل ذلك يصطدم بحقيقة أخرى هي الأهم في اللعبة وهي شبهها الشديد بالحياة الواقعية، ببساطة لأنها جزء منها، والحياة الواقعية خارج نطاق التوقعات، حتى لو كان ذلك يعني أحيانًا أنها قد تكون متوَقعة لدرجة الملل.

 

ففي 2012 ذهب "كريستيان غوتلر" إلى برلين للحصول على براءة اختراع مهمة، وهي الـ"فوتبونوت" (Footbonaut)، ابتكار ظنه سيغير وجه الكرة الألمانية للأبد؛ عبارة عن غرفة كبيرة نسبيًا تحتوي على قاذفات للكرة في الاتجاهات الأربع، وفي المركز يقف اللاعب محددًا بدائرة تحرك لا تتجاوز بضعة أقدام، ثم تتوالى عليه الكرات في ارتفاعات وسرعات مختلفة وعليه ترويضها ثم تمريرها في لمستين لا أكثر، بالطبع دون أن يغادر الحلقة المرسومة(4).

 

   تدريبات الفوتبونوت في دورتموند، وهو أول نادي استخدم ابتكار غوتلر

 

كانت إدارة دورتموند بجرأتها المعهودة هي أول من استخدم ابتكار "غوتلر" في التدريبات، وبعدها بعامين كان أحد نجومهم "غوتزة" يحرز هدف المونديال أمام الأرجنتين بنفس الطريقة تقريبًا، فيما اعتبره الكثيرون انتصارًا ساحقًا للآلة على العشوائية، خاصة أن صانع الألعاب الشاب كان يقضي الساعات في تدريبه عليها(4).

 

بالطبع يمكنك العثور على مئات الأهداف المشابهة على يوتيوب سجلها لاعبون بنفس الطريقة قبل أن يولد أي من "غوتلر" أو "غوتزة" أصلًا، ناهيك عن الإحصائية الصادمة التي أخرجها "بيتر ليمز" الباحث بجامعة ميونيخ التقنية، والتي تقول إن نصف أهداف اللعبة على الأقل يتم تسجيلها من حالات عشوائية ناتجة عن معطيات لا يمكن محاكاتها في التدريبات، ومع كل ذلك يصعب تقبل فكرة أن آلة ما يمكنها أن تجلب الفوز مهما كانت درجة إتقانها أو قربها من الواقع(4).

 

تلك هي المشكلة هنا؛ أن الجميع تقريبًا بحثوا عن الأهداف المشابهة على يوتيوب واقتنعوا بإحصائيات "ليمز"، بينما كان الألمان يتحلون بالإصرار والمثابرة للعمل على تحسين نسبة الـ50% وتحويل الابتكار إلى عادة.

 

بل إن الاختراعات الشبيهة هي ما حول المنتخب الألماني من فريق يلعب كرة ميكانيكية فعالة مغرقة في التقليدية إلى فريق متنوع يمتلك من المواهب ما لا يمتلكه غيره، ويمكنه تطبيق عدة خطط تكتيكية في المباراة الواحدة، وفي نفس الوقت يحتفظ بميكانيكية الفريق في صورتها الكلية الأشمل، لتجتمع تلك المواهب معًا مكونة كتلة واحدة مصمتة يمكن تعريف خصائصها بسهولة، بالضبط مثل المشروع الألماني الكبير.

 

فبينما كان الجميع يحاول صيد العصافير بالحجارة في العقد الماضي، كان الألمان يبنون المدفع الذي سيمكنهم من قصف الشجرة بأكملها (الأوروبية)
 
1+1 = 3

لذا وعند لحظة معينة تسبق المونديال بعام واحد، سواء كان المونديال السابق أو القادم، يبدو الألمان وكأنهم قد سبقوا الجميع ببضعة خطوات. قطعًا لم ينجحوا في تحييد عشوائية اللعبة، ولكنهم تمكنوا من تخفيف آثارها على منتخبهم مقارنة بالباقين، والسر خلف ذلك كان المثابرة التي طالما اشتهر بها الإنجليز، الذين يمكنهم استخدام إبرة لحفر نفق لفرنسا كما يقول المثل الشهير، وهم نفس الإنجليز الذين أرسلوا مديرهم الرياضي لنقل تجربة الألمان.

 

فبينما كان الجميع يحاول صيد العصافير بالحجارة في العقد الماضي، كان الألمان يبنون المدفع الذي سيمكنهم من قصف الشجرة بأكملها، وكأنهم يعلنون مجددًا عن نفس المشكلة التي أعلنها "داتّ" منذ أربع سنوات.

 

بالطبع يمكنك البحث مجددًا على يوتيوب واستخراج عدة تجارب وصلت للقمة ولم تنل شيئًا رغم ذلك، مثل فرنسا 2006 وهولندا 2010، ويمكنك استخراج تجارب أخرى بدت على القمة ولكنها خرجت من الأدوار الأولى مثل إسبانيا 2014 وفرنسا 2002، ولكن الألمان ليسوا معنيين بما "يمكن ألا يحدث"، بل بالعكس.

 

قضى "لوف" على أسطورة الفريق الجاهز تمامًا، لأن واقع القارات يؤكد بأنه سيسلم خلفه فريقًا آخر شابًا سيكون جاهزًا لاستبدال الحالي، فالعديد من أندية أوروبا قد فتحت خطوطًا للاتصال مع لاعبيه بالفعل

الأوروبية
  

وهو بالضبط ما يمثل مراهنة "لوف" في روسيا، لأن قصف الشجرة أوقع كل العصافير في جيبه بنهاية البطولة، فبغض النظر عن إراحة الأساسيين استعدادًا للصيف القادم، وهو مكسب كبير في حد ذاته، فإن المدرب الذي يعتبره الكثيرون مجرد محظوظ آخر قد تمكن من معالجة مشاكله الرئيسية كلها تقريبًا، بداية من نجاح "كيميتش" على الجبهة اليمنى وصناعته لهدفين في خمسة مباريات(7)،  ومرورًا بالتخلص من صداع رأس الحربة أخيرًا وتوفير عدة اختيارات واعدة كـ"فيرنر" و"فاغنر"، بالإضافة إلى "فولاند" الذي قد ينضم للقائمة بحلول الصيف القادم، ونهاية بالبديهي وهو تجهيز صفين من البدائل الجاهزة قد تقيه - مرة أخرى - شر عشوائية اللعبة من إصابات وهبوط مفاجئ في المستوى وخلافه.

 

أضف إلى ذلك أن "لوف" قضى على أسطورة الفريق الجاهز تمامًا، لأن واقع القارات يؤكد بأنه سيسلم خلفه فريقًا آخر شابًا سيكون جاهزًا لاستبدال الحالي(5)، فالعديد من أندية أوروبا قد فتحت خطوطًا للاتصال مع لاعبيه بالفعل(6)،  ومن السهولة تخيل أغلب عناصر فريق القارات الأول والثاني في أندية الوسط في إنجلترا ربما باستثناء 10% أو 20% من الأسماء، ما يعني المزيد من الاختيارات لقائمة تعاني من التخمة أصلًا.

 

الحاجز الوحيد الذي يتبقى للألمان عبوره هو الحاجز الذهني والنفسي، فاستعراض القوة - حتى ولو لم يكن مقصودًا - ينقل الضغوط لجانبهم، خاصة مع توقع الجميع وصولهم للمباراة النهائية في موسكو على أقل تقدير واعتبار أي نتيجة أخرى بمثابة المفاجأة، ولكن ما لا شك فيه أن الألمان قد كسروا حاجزًا آخر مهمًا بانتصارهم في القارات، ووضعوا الشك في عقول الجميع حول ما إذا كانت عشوائية اللعبة قادرة على قهرهم أم لا، لأنها الشيء الوحيد المتبقي في طريقهم نحو اللقب الخامس، والدليل أننا بحاجة لتحليلات تخبرنا لماذا لن يفوزوا بكأس العالم، لا العكس.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار