انضم إلينا
اغلاق
غوارديولا ضد غوارديولا.. ما وراء سوق مانشستر سيتي

غوارديولا ضد غوارديولا.. ما وراء سوق مانشستر سيتي

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض
لكل قصة بداية ولكن لا يسهل الجزم أين بدأت قصتنا الحالية، هل بدأت في الأول من (شباط/فبراير) 2016 حين أعلنت إدارة مانشستر سيتي تعاقدها مع الإسباني بيب غوارديولا(1) في أسوأ خطوة إدارية يمكن اتخاذها خلال سير الموسم، أم حين ذهب الرجل باحثاً عن تحديه الجديد في بافاريا، أم حين فضله الأسطورة يوهان كرويف على جوزيه مورينيو بطل دوري الأبطال مع بورتو(2) لتنشأ بينهما لاحقاً واحدة من أشهر العداوات في تاريخ التدريب، أم ربما في مكان ما بالمكسيك رفقة خوانما ليو، أو حتى حين نشأ كلاعب وسط مميز في برشلونة وبدأ في تكوين ما يعرفه عن كرة القدم.. لا نعلم أين بدأت ولكننا بصدد ما وصلت إليه الآن.

 

هل تذكرونه؟ هذا الرجل الذي خاض نهائي دوري أبطال أوروبا مرتين بـ7 من أبناء أكاديمية ناديه؟ هذا الذي دخل التاريخ بتشكيل كامل مكون من 11 لاعباً كلهم أبناء لاماسيا؟(3) هو من احتل القارة العجوز بـ14 بطولة من أصل 19 شارك بهم، راعياً النسخة الأكثر كمالاً وتوحشاً للكرة الشاملة عبر 4 سنوات، بالطبع تذكرونه ولكن قد يكون هو من يحتاج لمن يذكِّره بنفسه.

 

لأن الليلة لا تشبه البارحة إطلاقاً
تلك النهضة قادها رجل أتى بلاعبين شبه مجهولين صاروا لاحقاً جيرارد بيكيه وسيرجيو بوسكيتس وبيدرو رودريغيز الذين نعرفهم الآن، شاهداً على أروع سنوات تشافي هيرنانديز في الملعب، محولًا أندريس إنييستا من أشهر بديل في كتالونيا إلى واحد من أعظم لاعبي الوسط في التاريخ، حتى ميسي تلك الموهبة المتفجرة، سجل معه 38 هدفاً في أول موسم مقابل 42 في مجموع المواسم الأربعة السابقة لقدومه، وبلغ معه أكبر مواسمه تهديفاً في تاريخه حتى الآن بـ73 هدفاً في 2011-2012.(4)

  

ما هو دور المدرب إذا كان كل ما سيفعله هو انتقاء ما لذ وطاب من المواهب متكئاً على ثراء ناديه الفاحش وتاريخه مع الصفقات الهزلية؟ أين إضافة غوارديولا لهذا الفريق؟

رويترز
 

هل يبدو لك ذلك متّسقًا مع حقيقة أن الرجل قد أنفق لتوّه 200 مليون جنيه إسترليني قبل شهر كامل من نهاية سوق الانتقالات الصيفية؟ أو حقيقة أنه قد عضد مركزه كثاني أكثر المدربين إنفاقًا في التاريخ بقرابة مليار يورو نصفهم في مانشستر سيتي؟(5) هل تحول فيلسوف كتالونيا إلى مجرد مدرب لن تتولد نجاحاته إلا إذا حطم فريقه الأرقام الفياسية للإنفاق؟ ما الذي يريد إثباته على هذا المنوال؟ أن فلسفته لن تتحقق إلا إذا انضم لها أفضل لاعبي العالم؟ أنه لم يكن هو من ارتقى بمستوى كوكبة البارسا بل صادف تواجده وسط الجيل الأعظم الذي صنع أسطورته الفارغة كما يُقال عنه؟ ما هو دور المدرب إذا كان كل ما سيفعله هو انتقاء ما لذ وطاب من المواهب متكئاً على ثراء ناديه الفاحش وتاريخه مع الصفقات الهزلية؟ أين إضافة غوارديولا لهذا الفريق أو بالأحرى أين هو دور المدرب من الأساس؟

 

لماذا غوارديولا؟
ولماذا يتكرر السؤال عن "لماذا"؟ لأنه أقصر الطرق وأكثرها مباشرة للوقوف على حقيقة شيء ما، فليس الهدف هو الاسم اللامع صاحب الـ21 بطولة في 7 سنوات، وليس مجرد الحصول على المدرب الأعلى أجراً في العالم، أي شخص يتعاقد مع بيب عليه أن يتفهم أولاً أنه لا يحصل على مدرب بل منظومة فكرية معينة لن يتخلى عنها الرجل بسهولة. جاء ذلك بالتزامن مع معدل الأعمار المرعب لقائمة الأزرق السماوي التي تسلمها الإسباني تضم 11 لاعبًا فوق سن الثلاثين، مع كم مهول من اللاعبين الفائضين عن الحاجة يؤكد أن الفريق بحاجة لما هو أكثر من مجرد "إحلال وتجديد" إن كان بصدد مواصلة المنافسة على الصعيدين المحلي والقاري.

 

لا يوجد تفسير لتلك الحصيلة سوى أن الإدارة تملك القرار والتوجه نحو إعادة بناء الفريق وهدم أساسه السابق لحساب بناء مشروع جديد متكامل الأركان، وبناءً عليه نبع من هذا الأساس اختيارها لغوارديولا وثقتها الكاملة به في إنفاق ما يريد لضم من يريد. رغم سير مانشستر سيتي في هذا الاتجاه بخطوات ثابتة، إلا أنه لا يمكن القول أبداً بأن كل شيء يسير على ما يرام.

 

ربما توقفت سلسلة التعاقدات العشوائية والتي لا تهدف سوى اجتذاب أكبر قدر ممكن من الاهتمام الإعلامي والجماهيري نحو النادي دون إطار فني واضح، ولكن هذا لا يحدد مدى سلامة تعاقدات بيب حتى الآن، ربما لم يعُد سيتي ينفق أرقاماً خرافية في صفقات لا تستحق رقمها الحالي -لأن السوق كله بات ينفق بتلك الطريقة- ولكنه ترك لنا جون ستونز كأغلى مدافع في العالم الموسم الماضي.

 

كيف تُدار الأمور؟

 
وصل غوارديولا وقد حُسمت أمور ستيفان يوفيتيتش وإدين دجيكو، ومع التخلص من مارتن ديميكيليس لنهاية عقده، أعير ويلفريد بوني سمير نصري وإلياكيم مانغالا بينما أثارت قصة واحدة جدلًاواسعًا الصيف الماضي وهي جو هارت الذي لم يتقبل تعليمات مدربه الجديد فانتهى به الأمر معارًا إلى تورينو ثم إلى وست هام يونايتد منذ بضعة أيام. (6)

 

كل ذلك لا بأس به، ولكن المشاكل الحقيقية ظهرت في خيارات التدعيم ما بين سوء الاختيار والقليل من سوء الحظ، فإن قلنا أن فشل كلاوديو برافو ليس خطأه بل هبوط مفاجئ في مستوى حارس تألق مع برشلونة، وإن قلنا أيضاً أن التعاقد مع إلكاي غوندوغان كان سيء الحظ كونه لعب 16 مباراة وأُصيب لـ221 يومًا مقابل 27 مليون يورو(7) (8)، فمن يُسأل عن دفع 55 مليون يورو لشراء مدافع فشل إلى تلك الدرجة؟(9)

 

إن قلنا أن ليروي ساني ينتظره المستقبل وأن موسمه الذي ظهر متواضعاً لم يكن بهذا السوء، فقد سجل 9 أهداف للموسم الثالث على التوالي(10) والمُنتظر هو المزيد من التطور لزيادة تلك الحصيلة، وأن غابرييل خيسوس كان الخيار الأكثر توفيقاً بوصوله في (كانون الثاني/يناير) مسجلًا 7 أهداف في 10 مباريات بالبريميرليغ(11) بينهم إصابة حرمته من ـ13 مباراة عبر 66 يوماً(12) فماذا عن نوليتو؟ نجم سلتا فيغو الذي انغمس في مشاكله العائلية ليسجل 6 أهداف في 30 مباراة ثم يرحل إلى إشبيلية بنصف المبلغ الذي دفعه لشرائه.(13) (14)

 

المُذهل حقاً أن كل تلك المراكز قد تم تدعيمها دون الالتفات للأظهرة، 4 لاعبين ما بين الإصابات ومنحنى المستوى التنازلي، العديد من التقارير تؤكد أنه لن يشتري أقل من ظهيرين ولكن الرجل الذي اعتمد سابقاً على ألفيس وأبيدال وألبا ولام وألابا، قرر خوض موسمه بنفس الرباعي (سانيا - زاباليتا - كليشي - كولاروف)، لينتهي به الحال لاجئاً إلى فيرناندينيو!

  

أبرم السيتي حتى الآن 5 صفقات بارزة هم الحارس إيدرسون وثلاثي الأظهرة كايل ووكر ودانيلو وبينجامين ميندي وبرناردو سيلفا "الظاهران في الصورة" (رويترز)

    

سنُضطر إزاء ذلك لغضّ البصر تمامًا عن تعاقد سيتي مع الأرجنتيني جيرونيمو رولي حارس مرمى ريال سوسييداد(15)، أو للتوضيح فإن رولي كان مملوكًا لنادي مالدونادو الأروغوياني ومعارًا لسوسييداد فاشتراه الأزرق السماوي مقابل حوالي 5 ملايين يورو وأعاره للنادي الإسباني ثم أتمم بيعه نهائياً في (كانون الثاني/يناير) مقابل 7 ملايين يورو قبل أن يُعيد مفاوضته للعودة واعداً إياه بالمشاركة في مباريات كأس الاتحاد الإنجليزي وهو ما لم يلائم طموح الحارس الساعي للمشاركة في كأس العالم 2018(16)، تلك الفوضى الخلاقة لا تفسير لها سوى أن مانشستر سيتي ربح 2 مليون يورو من اللا شيء.

 

أمام المرآة
بدأ الصيف الحالي بمجزرة تأخرت لعام، أطاحت بالأظهرة الأربعة وخيسوس نافاس ونوليتو خطأ الصيف الماضي بالإضافة إلى ويلي كاباييرو الذي انتقل لتشلسي وبالطبع إعادة إعارة هارت، بينما يقترب برافو من المصير ذاته، وكأن سوق الموسم الماضي لم يكن سوى حقل تجارب كلف خزائن النادي 200 مليون يورو ليترك 5 نواقص واضحة يتطلبون 200 مليون جنيه إسترليني في العام التالي.

 

أبرم السيتي حتى الآن 5 صفقات بارزة هم الحارس إيدرسون وثلاثي الأظهرة كايل ووكر ودانيلو وبينجامين ميندي بالإضافة للاعب الوسط برناردو سيلفا، كلها أسماء تعكس معدل جيد للأعمار فأكبرهم ووكر يبلغ من العمر 27 عاماً بينما جميع الراحلين قد جاوزوا الثلاثين.(17) هذا ما أضافه بيب للفريق ولكنه أنفق مبالغاً خرافية لأجله دون إخراج موهبة واحدة من المراحل العمرية الأقل وهو ما ينفق عليه سيتي الكثير من الأموال أيضاً، ففي عز أزمة الأظهرة تألق الظهير الشاب بابلو مافيو أمام مانشستر يونايتد بكأس الرابطة، ولكننا لم نسمع عنه مجدداً لأنه أعير إلى جيرونا بالدرجة الثانية الإسبانية (18)، ربما ننتظر أن يكون هو رابع الأظهرة الحالية ولكنه عرضة للرحيل في أية لحظة.

 

أما عن الفوارق الفنية بين فريقه وفريق سابقه مانويل بيليغريني، فمن الصحيح أن سيتي بات أفضل في صناعة الفرص وأسوأ في استغلالها، إلا أن فريق الفيلسوف لم يخلق سوى 7 فرص أكثر من فريق المدرب التشيلي في البريميرليغ! مقابل هبوط دقة التسديد بنسبة 2% وارتفاع دقة التمريرات بنفس النسبة. أيضاً ارتفعت نسبة الاستحواذ بفارق 5%.(19) (20)

  

ربما لن يتغير هذا البذخ الإنجليزي قبل أن يضع بوكيتينو يده على لقب البريميرليغ بمبادئه الحالية، لن يتوقف ولكن سيتعرض لتغيير بسيط.. سيعود أكثر شراسة

رويترز
  

كل ذلك لينهي الأزرق السماوي موسمه في المركز الثالث بدلًا من الرابع، وراء فريق أنفق مدربه 203 مليون يورو في 3 مواسم، نعم نصف ما أنفقه بيب في موسمين وبهامش خسارة 19 مليون يورو فقط(21) (22) (23)، لماذا؟ لأنه استثمر مواهبه قبل أن يستثمر أمواله، فعلى يده أصبحت أسماء مثل ديلي ألي وهاري كين وداني روز وإريك داير أسماء ذات ثقل، وعليه فإن توتنهام الذي ربح 80 مليون يورو(24) حتى الآن في ميركاتو الصيف الحالي على الأرجح لن يتحرك سوى لتعويض كايل ووكر الذي أخذه غوارديولا.

 

"سأفضّل أن يدفع النادي مبالغاً أقل، ولكن السوق هو السوق"

(بيب غوارديولا) - 26 (تموز/يوليو) 2017(25)

 

يملك وصيف البريميرليغ حتى الآن حصيلة مادية إيجابية مع مدربه الحالي الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو منذ تسلمه للمهمة في (أيار/مايو) 2014، لأن الأموال لا يمكنها شراء كل شيء، لأنه وَضَع بمنتهى الانسيابية كل اللمسات التي تنقص فريقه، لأنه استحضر بيكيه وبوسكيتس وبيدرو وغزا بهم العالم، لأنه طور ما يملكه وما ينقصه، صحيح لم يحقق بوكيتينو أي من نجاحات برشلونة مع غوارديولا، ولكنه لم -ولن- يمتلك أبداً في توتنهام ما امتلكه بيب هناك.

 

لم يعد من السهل ظهور تلك النماذج في بلد ينفق كبارها ما لا يقل عن مليار يورو سنويًا، فقد انجرف الفيلسوف في مد الإنجليز على صعيد الإنفاق ولم يبقَ له سوى الجانب التكتيكي. تعاقداته تبدو ناجحة حتى الآن لكنها لا تزال قابلة للفشل خاصةً دانيلو القادم من موسم كارثي مع ريال مدريد، قد يُخفق إيديرسون كإخفاق برافو، ربما يُصاب ووكر أيضاً فماذا سيكون الحل؟ 200 مليون جنيه إسترليني أخرى في العام التالي؟ ربما لن يتغير هذا البذخ الإنجليزي قبل أن يضع بوكيتينو يده على لقب البريميرليغ بمبادئه الحالية، لن يتوقف ولكن سيتعرض لتغيير بسيط.. سيعود أكثر شراسة.

المصادر

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار