انضم إلينا
اغلاق
لا تكن مجرد مشجع!.. دليلك لتحليل مباريات كرة القدم

لا تكن مجرد مشجع!.. دليلك لتحليل مباريات كرة القدم

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
      

للوهلة الأولى يبدو السؤال مستفزا للغاية، بل وربما يراه البعض مهينا لأسباب عديدة، أولها أن التاريخ لم يعرف مشجعا للعبة لم يظن نفسه أعظم محلليها على الإطلاق، وثانيها أن مشاهدة كرة القدم أمر لا يحتاج إلى دراسة، بل إن افتراض أن الناس بحاجة لمن يخبرهم عن كيفية مشاهدة اللعبة الشعبية الأولى في العالم لهو أشبه بإخبار الناس بأن هناك طريقة محددة للمشي أو تناول الطعام.


جون روبرتسون من "أربعة أربعة اثنان" (FourFourTwo) يختلف كليا مع المنطق السابق، (1) بل يرى أن مشاهدة كرة القدم ليست بالسهولة المُتَخيلة، لأن هناك فرقا كبيرا بين الرؤية والمشاهدة بالضبط كالفارق بين الاستماع والإنصات، وأن هناك قواعد عدة يجب عليك مراعاتها لتستطيع القول إنك قد شاهدت المباراة فعلا.

 
ولأن روبرتسون ليس الوحيد، ولأن نجما سابقا بوزن رود خوليت قد ألف كتابا كاملا بعنوان "كيف تشاهد كرة القدم"، (2) ولأن الكثير من محبي اللعبة يرغبون حقا في قرارة أنفسهم في التعرف على ما يميز محللي الشاشة عن غيرهم، لذا كان الحل الأمثل هو الدخول إلى عقولهم أثناء المباراة ومشاهدتها بأعينهم، والتعرف على طريقة مشاهدة المتخصصين للعبة، وأي لقطات يرتكزون عليها في تحليلهم لما جرى، وبالطبع لم نجد أفضل من نصائح محرر "أربعة أربعة اثنان" (FourFourTwo) لنبدأ بها تلك السلسلة التي ستتعرض تباعا لأبرز توصيات المختصين لتتحول أنت من مدرجات المشجعين إلى طاولات المحللين، أو ربما لتتأكد من كونك أعظم محللي اللعبة بالفعل.


السياق أولا



90% مما يخص كرة القدم يُقتطع من سياقه، إما عن قصد أو بدون، والأمر ليس مقصورا على مشجعي المدرجات المتعصبين الذين يريدون شاة لذبحها بعد كل هزيمة، ولكنه تحول مع الوقت إلى سمة الأخبار عن اللعبة بشكل عام، لأن الاجتزاء يجعل العناوين والأخبار وحتى منشورات فيسبوك أكثر إثارة.


هناك أربع حالات يمر بها أي فريق خلال أي مباراة، ويعرّفها علم التدريب بالدفاع والهجوم والتحول من الأول إلى الثاني والعكس بالعكس، وإدراك أي من هذه الحالات عند رؤيتها هو المفتاح الأول والأهم لتحليل باقي العناصر، فالتمركز الصحيح لأي من لاعبي الفريق يختلف من كل حالة لأخرى، وبالتالي لا يمكن الحكم على صحة تواجده في بقعة معينة من الملعب من عدمها إلا بوضعها في السياق الذي وقعت فيه.


لعل أوضح الأمثلة في هذا الصدد هو الركنيات والضربات الثابتة، أولا لأنها تشهد أكبر كم من حالات التحول من الهجوم إلى الدفاع والعكس، وثانيا لأن تشكيل الفريق خلالها يختلف تماما عن المعتاد، فيصبح المعيار الوحيد لاختيار المهاجمين هو الطول والقدرة على تسديد الرأسيات، والمعيار الوحيد لاختيار المدافعين هو قدرتهم على خوض سباقات السرعة حال نجاح الخصم في استخلاص الكرة، وهو ما يعني أن ثنائيا مثل كايل ووكر وداني روز يتحول إلى قلب الدفاع بدلا من الطرف أثناء تنفيذ أي ركنية، وأن مهاجما لا يجيد الرأسيات كميسي أو أغويرو سينال أدوارا مختلفة بدوره، قد يكون أحدها هو التغطية أو الضغط السريع على حدود منطقة الجزاء لوأد المرتدة.

أحد أهم العناصر لتحديد أسلوب لعب أي فريق هو الأماكن التي يفوز فيها بالكرة أو يخسرها، لأنها تضع إطارا عاما لأسلوب اللعب وما إذا كان يعتمد على التكتل الدفاعي أمام المرمى أو الضغط المتقدم

رويترز
 

ناهيك عن الأخطاء التقليدية بالطبع، مثل افتراض أن أي هدف يأتي من الجبهة اليمنى هو مسؤولية الظهير الأيمن بالضرورة، بينما قد يكون السبب الحقيقي هو فقد أحد لاعبي المحور للكرة أثناء صعود الفريق للهجوم، أو لوم المهاجمين باعتبارهم المنوطين بالتسجيل بينما قد تقع المشكلة في الإمداد من صناع اللعب، أو الأشهر على الإطلاق وهو لوم المدافعين في كل مرة ينجح الخصم في التسجيل من مرتدة، بينما قد تكون المشكلة الأجدر بالحل هي إضاعة الفرص السهلة في وقت مبكر من المباراة التي ستحمي المدافعين بالتبعية من وضعية هي الأصعب على الإطلاق لأنها تحمل أفضلية كاسحة للمهاجمين، فمهما بلغت كفاءة الخط الخلفي لأي فريق فإن تعريضه لخطر المرتدات لفترة طويلة -دون تأمين النتيجة- هو بمنزلة الانتحار.
 

أين وكيف ولماذا وأسئلة أخرى

أحد أهم العناصر لتحديد أسلوب لعب أي فريق هو الأماكن التي يفوز فيها بالكرة أو يخسرها، لأنها تضع إطارا عاما لأسلوب اللعب وما إذا كان يعتمد على التكتل الدفاعي أمام المرمى أو الضغط المتقدم في مناطق الخصم، ثم تكتمل الصورة مع إحصائيات أخرى مهمة كدقة التمريرات وطولها لتوضح مدى نجاح هذا الأسلوب من عدمه.


كل ذلك يحتاج لمتابعة عدة مباريات لأي فريق ولا يمكن الحكم عليه من مباراة واحدة، فبعد أين وكيف يأتي دور لماذا، والسبب قد يختلف من مباراة لأخرى وخسارة الكرة في مناطق معينة قد لا يحدد بالضرورة أسلوب لعب الفريق في كل الحالات، بل ربما يعبر عن حالة مؤقتة مثل مبالغة أحد مهاجميه في المراوغة دون فعالية، أو عجز لاعب آخر بديل عن الدخول في أجواء المباراة وإخراج الكرة بشكل سليم، أو حتى نقص في التفاهم بين ثنائي محوره أو ثلاثي هجومه، أو ببساطة تفوق الخصم بشكل لا يمكن تعويضه بالطرق التقليدية.


أقدام ورؤوس


 
لو أراد الله للبشر أن يلعبوا كرة القدم في السماء لوضع عشبا هناك، أو هذا ما يقوله بريان كلوف على الأقل، مدرب نوتنغهام فورست الأسطوري الحائز على لقبين لدوري الأبطال، والذي يرى أن تناقل الكرة بين الأقدام عوضا عن الرؤوس هو "الطريقة الصحيحة" للعب كرة القدم.


لكن منذ فجر اللعبة وحتى الآن استمرت الطريقتان في التواجد معا، صحيح أن "اللعب الإنجليزي" باستخدام الكرات الطولية العالية لم يعد بنفس الانتشار، وبالطبع لن ترى فريقا ينتهجه يُتوج بدوري الأبطال أو كأس العالم، ولكنه مثّل مخرجا مهما للعديد من فرق الوسط والمؤخرة التي لا تملك المهارات اللازمة لبناء هجماتها بالطرق التقليدية.


كل ذلك يقودنا إلى عنصر آخر مهم ينبغي ملاحظته أثناء مشاهدة المباريات ويؤثر بشكل جوهري على تحديد طريقة لعب الفريق الذي تشاهده، وهو مدى اعتماده على رؤوس لاعبيه أو أقدامهم، فإذا كانت الأولى تدل على قلة الحيلة عادة، وتعني أن الفريق المستخدم يحاول تخطي عملية البناء بأكملها من خلال نقل الكرة إلى نصف ملعب الخصم ومن ثم بدء الصراع من هناك، فالثانية لها عدة أشكال: أولها هو تسليم الكرة من قدم لقدم مباشرة، وهو ما يعني أن الفريق يتبع أسلوب بناء اللعب البطيء والاستحواذ وحرمان الخصم من الكرة، وثانيها هو أسلوب اللعب المباشر العمودي الذي يعتمد على مساحات أكبر للنجاح، وتنطلق تمريراته في المساحات الخالية دائما لتجبر الزميل على الركض وراء الكرة والتقدم في كل مرة، أي أن الفارق بين الأسلوبين يمكن اختصاره في الفارق بين الركض بدون كرة والركض خلفها.


ما بعد المباراة

أصبحت الشبكة العنكبوتية تعج بالمواقع التي يمكنها إخبارك بكل تفصيلة حدثت أثناء المباراة، مواقع مثل "هوسكورد دوت كوم

هوسكورد
 

الآن بعد أن تكون قد فعلت كل ما سبق سيتبقى لك قاعدة واحدة عليك أن تتبعها بصرامة، وهي ألا تصدر آراءك بعد المباراة مباشرة، ومهما شعرت بالحاجة للانضمام إلى حفلات التحليل التقليدية التي تبدأ بمجرد إطلاق الصافرة.


كرة القدم أمر معقد قائم على العواطف بالأساس ولكنه يحتاج للتعقل لينجح، لذا فالخطأ الدارج الذي يرتكبه الجميع هو إطلاق آرائهم عقب المباراة مباشرة في فورة الحماس أو الفرح أو الحزن، وما ينصحك به روبرتسون وخوليت إن أردت أن تشاهد كرة القدم كما يشاهدونها هو ألا تكتفي بتقييمك الشخصي، لأنه من المستحيل عمليا متابعة أداء 22 لاعبا أثناء مباراة مدتها 90 دقيقة دون تفويت نصف الأحداث المهمة على الأقل، فاللاعب يمتلك الكرة لأربع أو خمس دقائق طيلة المباراة ولكن ما يفعله طيلة الـ 85 دقيقة المتبقية مهم أيضا بطبيعة الحال، أو على الأقل هذا ما يراه كرويف.


الآن أصبحت الشبكة العنكبوتية تعج بالمواقع التي يمكنها إخبارك بكل تفصيلة حدثت أثناء المباراة، مواقع مثل "سكواوكا دوت كوم" (Squawka.com) و"هوسكورد دوت كوم" (Whoscored.com) بدأت العمل منذ 2011 وحتى الآن وتمتلك سجلا رائعا لكل مباراة تقريبا، يشمل طيفا واسعا من الإحصائيات والمعلومات سيمكنك قطعا من رؤية ما حدث بشكل أفضل ومن ثم تحليله، تبدأ بالإحصائيات التقليدية مثل نسب الاستحواذ وعدد التسديدات والبطاقات، وتنتهي بتسجيل خرائط حرارية لتحركات اللاعبين ومواقع لمساتهم وحتى عدد مرات تسديدهم للكرة في القائمين أو العارضة، ومهما بلغ تركيزك وانتباهك أثناء المباراة فستجد في تلك الإحصائيات ما لم تشاهده، لسبب بسيط هو أن المدرب الذي وضع الخطة والتشكيل وشاهد لاعبيه من الملعب ويمتلك فريقا من المعاونين والملاحظين والمحللين يلجأ لها بدوره لأنه يعلم يقينا أنه سيجد فيها ما لم يلاحظه.


إلى هنا تنتهي الحلقة الأولى من السلسلة التي يمكن اعتبارها تمهيدا لحلقات أكثر إثارة وتفصيلا فيما هو قادم.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار