انضم إلينا
اغلاق
سيميوني - كونتي.. الجحيم هو تشلسي

سيميوني - كونتي.. الجحيم هو تشلسي

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

لو كان لك أن تتوقع هوية الفائز بالاستحواذ في مباراة كتلك لكان من الصعب أن تجيب بتشلسي، كذلك مع أسئلة أخرى من نوعية "من سيلجأ إلى الدفاع؟"، و"من سيسجل من مرتدة؟"، و"من سيستخلص عددا أكبر من الكرات؟"... إلخ.

ولكن المثير في هذه المباراة تحديدا هو أن الأتليتي لم يكن الإجابة المنطقية كذلك، فبرغم أن كونتي وسيميوني يشتركان في الميل إلى التحفظ واللعب على رد الفعل في المقابلات الكبيرة فإنه يصعب اعتبار الثنائي نسخة متطابقة من بعضهما البعض، فالشبه موجود بالتأكيد، ولكن الإيطالي قد أظهر مرونة فائقة في موسمه الأول في إنجلترا، عكستها كفاءة أعلى في التعامل مع المباريات التي تمنحه الاستحواذ طواعية وحالات التأخر في النتيجة وفك تكتلات الخصوم الدفاعية، وهو ما لا يمكن قوله عن التشولو الذي عانى أمام فرق من حجم آستانة وجالاتا سراي وأيندهوفن في آخر نسخة وصل فيها إلى نهائي تلك البطولة، وأكدها التعادل السلبي مع روما قبل أسبوعين.

إكرام الضيف

رغم ذلك كله فالحقيقة أن كونتي كان يقود فريقا يحاول استعادة شخصيته الأوروبية الضائعة منذ سنوات أمام واحد من كبار القارة على ملعبه، لذا لم يكن أحد ليلومه على قليل من الحذر في البدايات على الأقل، وهو نفس السبب الذي يجعل أداء البلوز عبقريا في هذه الليلة، ليس فقط لأنهم أخذوا المبادرة في وقت لم يكونوا فيه بحاجة لذلك، بل لأنهم تسيّدوا الروخيبلانكوس تماما أثناء ذلك.


بدأ الإيطالي بإصلاح خطأ مباراة أرسنال وتوفير الحماية لفابريغاس بثنائية كانتي وبكايوكو التي بدأت تعيد إلى الأذهان ذكرى الثلاثي الخارق لامبارد وماكيليلي وإيسيان، وهو كل ما كان يحتاجه لاسترجاع توازن خط وسطه بعد عودة هازار وتألق موراتا في الأسابيع الأخيرة، بينما حافظ التشولو على 4-4-2 التقليدية التي يدفعها كارّاسكو إلى حافة الـ 4-3-3 بتحركاته على الأطراف مع كورّيا، مضحيا بغابي في المحور لحساب ثنائية ساؤول وبارتي.

خطة اللعب وتشكيل الفريقين والتقييم الرقمي(سكواوكا)

ولكن لسبب ما قرر سيميوني منح خصمه أفضل هدية ممكنة بإشراك خوان فران على الجبهة اليمنى، رغم أن الظهير الإسباني لم يبدأ إلا في مباراتين هذا الموسم في جميع المسابقات وكان أسوأ لاعبي الروخيبلانكوس خلالهما، وبالطبع لم يكن الخيار الأنسب لمواجهة لاعب كهازار، خاصة أن التشولو فضّل عليه خيمينيز وهيرنانديز في مباريات أقل صعوبة من تلك.


الأهم أن كونتي لم يكن بحاجة لتلك الهدية من الأصل، لأن خط الدفاع الثلاثي منحه أفضلية واضحة أمام ثنائية غريزمان وكورّيا حتى في المرتدات، وعززها الستار الحديدي الجديد الذي عزل هجوم الأتليتي تماما وأظهر عجز وسطه عن بناء الهجمات تحت الضغط وفقر إبداعه في الاستحواذ، أي ما تخصص سيميوني في فعله مع خصومه منذ 2011 وحتى وقت قريب.


النتيجة أن التشولو وجد نفسه مجبرًا على الطاعة طيلة الـ 45 دقيقة الأولى، لأن 3-5-2 كونتي وجدت ضالتها في ثغراته، ورغم تفوق الروخيبلانكوس في الإحصائيات الدفاعية فإن هذا لم يمنع البلوز من صناعة 9 فرص للتهديف أغلبها خطير، مقابل ثُلث هذا العدد لأصحاب الأرض.


فبينما التهم وسط كونتي المساحات وأحكم سيطرته عليها بديناميكية واضحة، أوكلت إلى كانتي مواجهة كاراسكو وبكايوكو التصدي للعمق، كانت العملية الأهم تتم على الجبهة اليسرى بميل فابريجاس لمساعدة ألونسو في السيطرة على كورّيا كمرحلة أولى، ومن ثم إطلاق لجامه مع هازار  في العكسيات للضغط على بارتي وفران، في استمرار لحالة الانسجام والتناغم بين عناصر هجوم كونتي بما فيهم موراتا الوافد، وهو أمر آخر كان يميز الروخيبلانكوس عن غيرهم ولم يعد كذلك، وكأن المباراة شهدت عملية تقمص كاملة لشخصية الأتليتي تركت سيميوني بلا شخصية، وما زاد الطين بلّة أن نسخة كونتي كانت أفضل وأكثر فاعلية وإمتاعا.

فرص الفريقين في الشوط الأول (سكواوكا)

 

الخريطة الحرارية لتحركات الفريقين في الشوط الأول يظهر من خلالها تركيز البلوز على ثغرة فران - هازار (سكواوكا)



تنفس صناعي

أداء مثالي وفرص خطيرة وسيطرة تامة على المرتدات، ثم قرر لويز إفساد كل ذلك وردّ الهدية بخطأ ساذج معتاد كان من الممكن تجنبه بسهولة، ليمنح سيميوني ما أراده من البداية ولم يستطع الحصول عليه، ولتصبح حصيلة أفضل 45 دقيقة أوروبية لعبها تشلسي منذ زمن هي تأخره في النتيجة أمام أفضل فريق يحافظ على تقدمه في النتيجة، وهو السبب الرئيس في كون فوز البلوز بالمباراة في النهاية بهذه الروعة.


وكأنها قبلة الحياة، رفع هدف غريزمان الحرج عن أصحاب الأرض الذين لم يعودوا مضطرين للمخاطرة، بل ووجدوا أنفسهم في الوضع المثالي الذي يتمنى سيميوني لو بدأت به كل مبارياته، فالآن سيضطر تشلسي للصعود بحثا عن التعديل وهو ما سيعني مزيدا من التهور ومزيدا من المساحات لتنفيذ المرتدات وزيادة الغلّة، والرائع أن كل ذلك تم دون أدنى مجهود وبعد أخطاء كارثية وفرص مهدرة بالجملة من الضيوف، باختصار، كل ما يثير التشولو وفريقه في هذه المباريات ويزيد من حظوظهم في الفوز بها رغما عن أنف الجميع.

 
هنا عاد البلوز إلى تقديم ربع ساعة أخرى من الروعة، ضغط عالٍ في وسط ملعب الأتليتي نتج عنه أربع فرص والعديد من المرتدات التي ولدت ميتة، وسط انهيار دفاعي للروخيبلانكوس رغم تراجعهم إلى نصف ملعبهم، بلغت خلاله نسبة النجاح في التدخلات الدفاعية حدها الأدنى (15%) مقابل (73%) للبلوز، ولأن خطأ لويز مؤقت وجريمة إشراك فران دائمة، أتى الهدف بعد مراوغة متكررة لهازار على الطرف لم يقابلها ضغط حقيقي من الظهير الإسباني، وأعاد كونتي المباراة إلى المربع الأول دون تعديل على تشكيلته أو خطة اللعب.

تسديدات الفريقين (يمين) والفرص (وسط) والتدخلات الدفاعية (يسار) في الربع ساعة السابقة لهدف موراتا وباعتبار مرمى الأتليتي بالأعلى  (سكواوكا)

 

 

أرواح البلوز السبعة

بدأت رحلة عودة الأتليتي بإخراج الثنائي المفقود كاراسكو وكورّيا لحساب غايتان وتورّيس، ونقل غريزمان إلى الجهة اليمنى بهدف أساسي هو تخفيف الضغط على فران وإجبار ألونسو على الالتزام بمواقعه، ولكن الرحلة لم تكتمل إلا عندما لجأ سيميوني إلى الشكل الذي كان ينبغي أن يبدأ به المباراة، وهو التحول إلى 3-4-3 التي جربها أمام جيرونا في الليغا، أكثر الخطط التي يعاني معها بلوز كونتي لأنها تلغي أفضليتهم التكتيكية بمحاكاتها.
 

خريطة تحركات غريزمان قبل تغييرات سيميوني في الـ 75 دقيقة الأولى (يسار) وبعدها في الربع ساعة المتبقية (يمين)  (سكواوكا)

 

انقلب الوضع تماما، احتفظ الروخيبلانكوس بهشاشتهم الدفاعية غير المعتادة ولكنهم نجحوا في الضغط على البلوز بغية التسجيل، وبعد 4 فرص و4 تسديدات كان البلوز يختمون أفضل ربع ساعة الأتليتي في المباراة بتسجيلهم هدف الفوز في شباكه في تكرار لنهاية الشوط الأول الدرامية، لتكتمل اللمسة الأخيرة في فوز كونتي الأسطوري تحت أعين دييغو كوستا الذي شاهد مهاجمَيْ البلوز الأساسي والاحتياطي يسجلان في فريقه الجديد.

 

 


تسديدات الفريقين (يمين) والفرص (وسط) والتدخلات الدفاعية (يسار) في الربع ساعة السابقة لهدف باتشواي وباعتبار مرمى الأتليتي بالأعلى   (سكواوكا)

 
يقول محمد بوت في تحليله للمباراة على سكواوكا(1) إن الفارق الأهم بين الفريقين لم يكن المدرب أو اللاعبين أو حتى الملعب، بل حقيقة أن تشلسي كونتي هو نفسه أتليتي سيميوني ولكن من أربع سنوات مضت، نسخة أفضل وأكثر تطورا ومرونة وأقل أخطاء، والأهم على الإطلاق أنها أكثر رغبة وحماسا لأنها ما زالت في بداية مسيرة جديدة لاستعادة المجد الأوروبي، على العكس من أتليتي سيميوني الذي أنهكته النهائيات المخيبة وجعلته يتشكك في كل شيء، لذا كانت مواجهة النسختين -رغم الاختلافات- من أصعب ما يمكن على رجال التشولو، فالجحيم هو الآخرون كما قال سارتر، ليس لأنهم مختلفون، بل لأنهم -بالعكس- يواجهوننا بنفس عيوبنا ومميزاتنا كما هي، فقط تصادف أن الجحيم هذه الليلة كان يحمل اسما مختلفا.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار