انضم إلينا
اغلاق
ليفربول ومانشستر سيتي.. غوارديولا تحت الحصار

ليفربول ومانشستر سيتي.. غوارديولا تحت الحصار

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

في واحدة من أمتع وأعظم ليالي البريميرليغ، وقف ليفربول كأول حجر عثرة حقيقي في طريق قطار مانشستر سيتي الذي لم يبد قابلا للإيقاف من قبل، متغلبا عليه بأربعة أهداف مقابل ثلاثة بعد 22 مباراة لم تعرف الخسارة خلالها طريقا لكتيبة الفيلسوف الإسباني بيب غوارديولا.

 

ستظل كرة القدم دائما أبدا هي لعبة التفاصيل، وعليه يمكن دائما لمجريات الأمور أن تُنافي حقيقة المباراة، يمكن للطرف الأقل أحقية أن يخرج بالفوز، ويمكن اختزال فوز الريدز في 10 دقائق سيئة لمانشستر سيتي، إلا أن تلك قد تكون أكبر مغالطة لهذا الموسم، صحيح أن الفوز كُتب في تلك الدقائق، إلا أن الأحقية لم تولد خلالها بل على مدار 75 دقيقة هي الأمثل لرجال يورغن كلوب هذا الموسم. عن جدارة واستحقاق كاملين، دوَّن ليفربول اسمه كأول من يُعطل هذا الجيش الجرار.

  

تشكيل الفريقين وتقييم اللاعبين - هوسكورد

  

العدو الطبيعي

في إجابته بشأن سؤال ما بعد كوتينيو، بدأ كلوب بما يشبه الـ(4-2-4) بتحويل نجمه محمد صلاح إلى مركز المهاجم الثاني، والذي خفت خلاله أغلب فترات الشوط الأول، قبل أن يستعيد ذاته بعودته إلى أدواره الأساسية وإرجاع أليكس أوكسليد تشامبرلين -فيما يمكن وصفه بأعظم مباراة في مسيرته- إلى الوسط، في النهاية كانت تلك مركزية ورقية فقط، فكثيرا ما تبادل مهاجمو الريدز الأدوار والمراكز تبعا لمجريات الموقف.

 

هذه الطريقة لم تكن هجومية كما يبدو لأول وهلة بل واحدة من أعظم الطرق الدفاعية في حقيقة الأمر، فقد كان لهذا الضغط العالي المنظم من أول لاعب في صفوف الريدز الأمامية أبلغ الأثر في تحجيم خطورة مانشستر سيتي كما لم يفعل أحد من قبل، لأنه وعلى عكس المعتقد السائد، "الجيغن-بريسينغ" هو العدو الطبيعي لمنظومة الاستحواذ وليس التكتلات الدفاعية أو "الباص"، ولأنها الطريقة الأمثل لقهر سيتي لا مجرد الفوز عليه. هذا لا يعني أن كل الفرق يمكنها فعل ذلك ولكن هكذا على الأقل يمكن للكبار مجاراة السيتي، بينما لا يمكن أبدا لوم الصغار على تمسكهم بدفاع المنطقة.

 

ولأن الكرة أحيانا ما تكافئ من أبدع واجتهد، نال كلوب وتشامبرلين أول جائزة في الدقيقة التاسعة، بعد أن تبرع أوتامندي بالركض ناحية صلاح على الطرف مخليا لأوكسليد مساحة لم يكن من المتوقع مدى كفاءته في استغلالها بتسديدة الهدف الأول. هدف مبكر في الدقائق الأولى أمام سيتي وبفريق يملك مثل تلك السرعات قد يجعل التراجع والتزام المناطق الدفاعية مع تحين فرصة المرتدة خيارا أكثر من منطقي، إلا أن كلوب كان أشجع وأذكى من ذلك في آن واحد.

 

استمر ضغط الريدز بنفس المنهجية لقرابة 25 دقيقة، قبل أن يتراجع بشكل طفيف لحساب التأمين ويُرحل نقطة انطلاقه بضعة أمتار للوراء، وبالتالي تملك سيتي الكرة دون جدوى ووجد نفسه مجبرا على إكثار التمرير لحارسه إيديرسون بالوراء، ليستمر العجز أمام الكثافة العددية والنشاط الحركي للريدز، وقدرته الفائقة على نقل الكرة لمواقع الخطورة في طرفة عين بمجرد استرجاعها.

  

مناطق تواجد الكرة عبر أثلاث الملعب: للمرة الأولى الكرة تتواجد في ثلث سيتي الدفاعي أكثر من ثلث خصمه، صحيح أن أغلها كان بحوزته، إلا أن هذا يرجع لكونه مجبراً على تمريرها بالوراء إثر ضغط ليفربول الفتاك - هوسكورد

 

صحيح أن الأمر شابه بعض التوفيق بأن تتوافق أفضل مباراة لليفربول مع واحدة من أسوأ مباريات سيتي على الإطلاق، إلا أن هذا لم يكن من قبيل الصدفة على الإطلاق، فقد نجح كلوب في ترحيل المعركة للأمام بعيدا عن أضعف نقطة في صفوفه، قلبي دفاعه على وجه التحديد، وعليه كان هذا النسق المرتفع دفاعياً في أصله، ليبقى سيتي مهمشا طيلة الشوط الأول في ظل مباراة تائهة للغاية من أغويرو تحديدا. شوط كاد ينتهي بتقدم منطقي لليفربول لولا لمحة فردية برع خلالها ليروي ساني وأظهر فيها جو غوميز وجويل ماتيب ولوكاس كاريوس معا أسوأ ما لديهم جميعا.

  

تحديد إقامة غوارديولا..

مع بداية الشوط الثاني واصل كلوب عرضه النموذجي في كيفية تحديد إقامة مانشستر سيتي بتدمير أرضية استحواذه القاتل وإبعاد المعركة عن خطوطه الخلفية قدر المستطاع، الأمر الذي أسهم به كثيرا فشل سيتي التام في التخلص من الضغط بالتمرير السريع في المساحات الضيقة كما اعتاد -وكما اعتادت كل فرق الفيلسوف من قبل- خاصة في غياب ديفيد سيلفا، ليصبح بلا حول أو قوة إن لم تأتِ الفرديات، وحين تتفكك أي منظومة فإن هذا إيذان بكشف عيوب أفرادها.

  

الخريطة الحرارية لمانشستر سيتي: للمرة الأولى النقاط الأكثر احمراراً تجتاح منتصف ملعبه هو بالكامل، وهنا حقاً تكمن عبقرية كلوب في تلك المباراة - هوسكورد

  

مع إصابة ديلف ونزول دانيلو فقد بيب حائط الصد الخاص به بضم الظهير الأيسر تحديداً إلى الوسط لمجابهة المرتدات، وبالتزامن مع واحدة من أسوأ مباريات كايل ووكر على الصعيد الدفاعي كان هو بارقة الأمل الهجومية عكس زميله البرازيلي، كل ما كان ينقص هو أن يكشف جون ستونز ما جاهد لإخفائه في لقطة هدف خرافي لفيرمينو وإن شابته مخالفة على الأخير، في النهاية لم يملك إيديرسون سوى مشاهدة تلك التسديدة الرائعة تسكن شباكه، ربما يستحق الهدف احتفال هيستيريا ولكنه في النهاية إنذار ساذج للاعب يضغط من الأمام وعرضة لارتكاب مخالفة خطيرة دون قصد قد تكلفه إنذارا ثانيا في أي لحظة.

 

مع هذا الهدف بدأت الدقائق العشر الأكثر تخبطا في مسيرة بيب مع السيتيزينز، الكرة تطول من لاعبي الفريق بشكل غير مبرر وتفتك بشكل سريع وتتحول لكارثة في غضون أجزاء من الثانية، ماني يوجد لنفسه مساحة التسديد من أمام أوتامندي ويطلق كرة في القائم، قبل أن يهزمه صلاح في صراع بدني آخر ويهدي الكرة لنفس السنغالي ليسدد في أقصى نقطة على يمين إيديرسون بحرفية منقطعة النظير، أمام تصفيق غوارديولا للاعبيه بعد خراب مالطة في 3 دقائق.

 

من المؤسف للغاية بالنسبة لأوتامندي على وجه التحديد وبعد موسم أكثر من رائع حتى الآن، أن تتجلى مشكلته في موقف واحد ضد واحد لتطارده من أسوأ موقع ممكن، ومع الوقت لم يعد في جعبته خيارات سوى ضرب صلاح. فقط لتكتمل المهزلة.. كان على واحد من أفضل حراس البريميرليغ والعالم هذا الموسم أن يظهر الوجه الآخر للحراس القادرين على اللعب بالقدم أو ما يعرف بالـ"Sweeper Keeper"، حين أبعد الكرة برعونة لا متناهية، آخر ما فعله ووكر أن أشار له بتركها ولكنه لم يفعل لتصطدم بصلاح الذي يلبي نداء كل متابعي كرة القدم في تلك اللحظة.. أعدها إليه في شباكه!

 

تمريرات إيديرسون في المباراة: 3 أخطاء تسبب أحدهم بهدف - سكواوكا

  

رغم أنه نهج البناء من الخلف الدائم، إلا أن التمسك به في مثل تلك الأوقات يعكس استسلاما تاما ورغبة في تمرير ما بقي من دقائق، ربع ساعة باقية والنتيجة تعكس فارق 3 أهداف ولكن لاعبي السيتي يستمرون في التمرير لإيديرسون، كان سيتي بحاجة لتسريع اللعب لكنه لم ينجح بفضل استمرار كفاءة منظومة كلوب لـ75 دقيقة كاملة.

 

في النهاية أرسل الفريقان نفس عدد التمريرات الطويلة (54) رغم الافتراض بأن أحدهما يلعب على الاستحواذ والآخر يلجأ للمرتدات، إلا أن الواقع كان اضطرار سيتي للكرات الطويلة في عدة مواقف -ومنها أتى هدفه الأول- تخلصا من الضغط، بينما اعتمد ليفربول على سرعة تحرك لاعبيه بالكرة للأمام لا سرعة نقل الكرة وحسب، متنعما بقدرته الفائقة على استخلاص الكرة في مواقف أكثر تقدما وخطورة.

 

مناطق اعتراض الكرة للفريقين - ليفربول يساراً بـ20 اعتراض: 7 في منتصف ملعب سيتي منهم 2 على حدود منطقة الجزاء، 10 على حدود منتصف ملعبه وثلثه الأخير و3 على حدود منطقة جزاءه. على الجانب الآخر سيتي يميناً بـ9 اعتراضات: واحد فقط في منتصف ملعب الريدز، 5 على حدود منطقة جزاءه وواحد بداخلها - سكواوكا

  

أن تصل متأخرا.. للغاية!

الكرة تضم ثلاثة احتمالات أساسية هي الفوز والتعادل والخسارة، وليس معنى أن سيتي نجح بإلغاء واحد منها طوال هذا الوقت أنه لن يلقاه يوماً ما، المشكلة هنا تكمن في عيب ملحوظ على فرق بيب في مرحلة ما بعد برشلونة، فهو لا يتعثر كأي فريق عادي بل يلقى سقوطا مدويا! 4-0 أمام ريال مدريد و3-0 أمام برشلونة في ربع ساعة مع بايرن ميونيخ، بالإضافة لبشاعة بعض نتائج الموسم الماضي مع سيتي كرباعيتي ليستر سيتي وإيفرتون.

 

في هذا التوقيت الحرج قرر غوارديولا أنه قد نال كفايته من فشل رحيم سترلينغ الواضح بتلك المباراة، بثلاث محاولات فاشلة للمراوغة وتمريرة مفتاحية وحيدة في مواجهة غول المباراة الدفاعي الأول أندرو روبرتسون، ليدفع ببيرناردو سيلفا بدلا منه. من حق مشجعي ليفربول أن يفخروا بظهيرهم الأيسر الآن بعد سنوات المعاناة بين جيمس ميلنر لاعب الوسط المُجبر على أداء هذا الدور، وألبرتو مورينو وهو حالة لا تحتاج إلى توضيح، فروبرتسون الذي كان أنجح لاعبي الملعب في التدخلات بـ7 من أصل 9 محاولات، قد حول ليلة سترلينغ إلى جحيم كامل يتناقض مع ما قدمه ساني على الجهة الأخرى، كما صمد طويلا أمام مساندة واختراقات ووكر.

 

على الجانب الآخر وبمنتهى الأريحية بدأ كلوب في تبديل أوراقه بالدقيقة 79، مشركا جيمس ميلنر على حساب إيمري تشان أحد أبرز رجال تلك المباراة والذي أثبت أحقيته بأداء هذا الدور على حساب جوردان هيندرسون في شراكة مذهلة مع فينالدوم المتألق بدوره، فقط قبل انطلاق صحوة سيتي المتأخرة للغاية، فجأة ظهر أغويرو المختفي بتبادل رائع للكرة بينه وبين غوندوغان، لتصطدم تمريرة الأخير بماتيب وتذهب للبديل بيرناردو معلنة عن هدف ثان.

  

يورجن كلوب - مدرب نادي ليفربول (وكالة الأنباء الأوروبية)

 

كان من الطبيعي أن ينخفض مردود لاعبي الريدز البدني بعد هذا النسق المرهق، ولكن هنا استشعر كلوب خطرا داهما يعرفه جيدا، قلبا دفاعه من جديد، ليقرر استهلاك بعض الوقت وإضافة بعض الكثافة للوسط في ضربة واحدة بإشراك آدم لالانا بدلا من صلاح، فقط ليشاهد ثاني عمل صحيح من أغويرو طيلة المباراة بعرضية رائعة لغوندوغان. قمة العبث الآن هو أن تتساءل كيف استلم لاعب الوسط تلك الكرة بالصدر قبل أن يسددها في حراسة الخط الخلفي للخصم، فقد كان هذا درسا يشرح بالتفصيل لماذا يبتعد لاعبو "الفانتازي" عن شراء مدافعي ليفربول!

 

أخيرا استنفذ كلوب ما بقى من الوقت بإقحام راغنار كلافان بدلا من ماني بالتزامن مع كرة ثابتة أخيرة كان بإمكانها أن تطيح بتلك المباراة العظيمة لتحول أسوأ كوابيس الريدز إلى حقيقة، إلا أنها مرت بسلام ليُسدَل الستار على وجبة دسمة من حرق الأعصاب للجميع.

  

ما بين الأوراق

رغم مباراته الرديئة على الأرض، إلا أن أوتامندي كان متفوقا في الهواء بـ6 انتصارات من أصل 7 صراعات، أيضا نجح فيرناندينيو في صد عدد كبير من مرتدات الهواء بـ6 انتصارات من أصل 6، رغم كونه ضمن الأكثر تعرضا للمراوغة على الأرض بـ3 محاولات فاشلة إلا أنه كان أقوى لاعبي سيتي على الأرض بـ5 تدخلات ناجحة. أيضا انضم ووكر إلى قافلة الناجحين في الهواء فائزا بصراعاته الأربعة جميعا.

 

بالعودة إلى الأرض، بعد روبرتسون وقبل فيرناندينيو مباشرة يقبع الجزار إيمري تشان بـ6 تدخلات ناجحة من أصل 8 ومخالفة وحيدة فقط، المفارقة أن تدخلاته الناجحة (باللون الأخضر) لم يأتِ أي منهم في العمق حيث يفترض أن يقبع بل على الأطراف، 3 منهم مساندة لجبهة روبرتسون، وواحد بالأمام على نفس الخط، واثنين مساندة لجبهة غوميز، دور كاسح في تغطية تقدم أطراف الملعب.

 

خريطة تدخلات إيمري تشان - سكواوكا

  

وإلى سيتي من جديد، فقد ليروي ساني الاستحواذ 7 مرات ولكنه كان أنشط وأكثر لاعبي سيتي فاعلية بـ7 مراوغات ناجحة من أصل 9 وهدف من عمل فردي خالص، بينما كان أسوأ ما تعرض له كيفن دي بروين -إثر إزعاج فينالدوم على وجه التحديد- هو فشله في صناعة أي فرصة طوال المباراة، بل حتى مراوغاته الأربعة الناجحة، واحدة في الدقيقة السابعة والبقية بعد الدقيقة 87 في بؤرة النشاط الأخيرة.

 

على ذكر فقد الاستحواذ، ربما نجح سيرجيو أغويرو في الخروج بنسبة دقة تمرير تصل إلى 91%، إلا أنه كان أشبه بالشبح أغلب فترات المباراة، فكان الأكثر فقداً للكرة بـ8 مرات حيث طالت منه عدة مرات أكثر مما يلزم، كما قدم 3 تمريرات مفتاحية، واحدة منها في الدقيقة 35 والبقية بعد الدقيقة 84 التي ولد بها أغويرو جديد في تلك المباراة، ليكون له دور فعال في هدفي الفريق بتلك الفترة.

  

الفرص التي خلقها أغويرو - سكواوكا

 

لا تفُت هنا الإشادة بإعادة اكتشاف تشامبرلين بعد انتقادات كثيرة طالت كلوب على هذه الصفقة، في الحقيقة يستحق جميع أفراد منظومة الريدز الأمامية هذا الثناء على أدوارهم الدفاعية قبل إضافاتهم الهجومية، خاصةً روبرتو فيرمينو الذي برع في كسر الضغط بتسلم رائع للكرة في أغلب المواقف الممكنة، كما تألق في خلقه على دفاع ووسط سيتي ليظل كعادته واحدا من أكثر العناصر إزعاجا للخصم طيلة المباراة.

  

اعتراضي فيرمينو في المباراة بالقرب من خط منتصف الملعب - سكواوكا

 

وأخيرا سقط مانشستر سيتي وفيلسوفه المزعج، الآن يبدأ العد التنازلي لانهيار الكتيبة الزرقاء تماما كما حدث لها بالموسم الماضي. أحكام وقناعات متسرعة لا يوجد ما هو أسهل من إطلاقها بمثل تلك الأوقات، ولا يجيبها سوى الرد على سؤال واحد: كم فريق تعرفه في إنجلترا بل في أوروبا بأكملها، وكم مدرب في المحيط ذاته لديهم القدرة على الإتيان بمثل تلك المباراة أمام مانشستر سيتي؟ قدَّم كلوب الوصفة المثالية لتحجيم هذا الفريق وإيقافه، ولكن رجاء توقفوا عن إهانة عمل الألماني بتصدير الإحساس لجموع المتابعين أنه شيء يستطيع أي مبتدئ فعله في راحات ما بعد الظهيرة!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار