انضم إلينا
اغلاق
أن تلعب بصلاح في البلاي ستيشن

أن تلعب بصلاح في البلاي ستيشن

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
من المنطقي أن نجد صعوبة في الحديث عن صلاح، السائد منفر بطبيعة الحال، وكل ما قد يُقال قد قيل وأكثر، وأداء صلاح الحالي قد يكون بداية مرحلة جديدة من مسيرته أو طفرة مؤقتة ستمر لكنك لن تعلم ذلك أبدا، لأنك لن تتمكن من طرح سؤال مشابه ولو على سبيل الاستفهام مادامت هناك الملايين من النسمات والحسابات الافتراضية القادرة على قلب أي نتيجة تصويت لصالحه حتى لو كان أمام بيليه ومارادونا(1).

السائد منفر بطبيعة الحال، لأنه يلغي كل مساحات المنطق، ما وزن تقرير أو مقال يقول كاتبه إن صلاحا لاعب عالمي مادام قطاع لا بأس به من جمهوره قد تخطى تلك المرحلة بالفعل؟ من ثم لا تملك سوى أن توافق جمهوره أو تعارضه أو تصمت، وكلها خيارات صعبة للغاية، في أولها وثانيها ينال التطرف من رأسك، وفي ثالثها ينال من لسانك.

(Become A Legend).. إذا كنت أحد محبي لعبة "Pro Evolution Soccer" فأنت تعلم ما أتحدث عنه(2)، وإن لم تكن كذلك فهو نمط من لعبة كرة القدم الشهيرة يمنحك الفرصة لتجربة شخصية للغاية مختلفة عن تولي مسؤولية فريق كامل، فتجد نفسك أمام نموذج بدائي للاعب التقليدي قبل أن ينحته مصممو اللعبة في شكل أحد مشاهيرها، وعبر مصفوفة معقدة نوعا ما، تبدأ في تحديد تفاصيل شكله وجسده وقوته البدنية باستخدام حد أقصى -متدنٍّ نسبيا- من النقاط، وفي النهاية يخرج لك اللاعب الرقمي الذي اخترته لتبدأ به مسيرتك في ناد متواضع، والباقي متروك لمهارتك وقدرتك على التطور.



يقال أن التفهم هو السبيل للتسامح، ليست كل أفعال البشر مبررة أو مقبولة، لكن النسبة الكاسحة منها مفهومة، فقط نحن لا نعلم ما يكفي لنفهم، وإذا كنت تمتلك نسخة من "Pro Evolution Soccer" على حاسوبك أو جربت اللعب بنمط "Become A Legend" من قبل، فلعلك ستتفهم سبب الهيستيريا التي تحيط بصلاح أينما حلّ، وإذا كنت مصريا على وجه التحديد فلعلك تسأل نفسك الآن إن كنت مازلت تحتاج "Become A Legend" أم يمكنك ببساطة أن تلعب بليفربول.

صلاح شاب مكافح لا شك، لكن كل ما مر به في مسيرته لا يقارن بما يلاقيه 90% من المصريين كل يوم، لذا فمن المنطقي ألا تثير قصص رحلاته من بسيون للقاهرة أي تعاطف حقيقي، الملايين من أهالي الأقاليم ترتحل للقاهرة كل يوم بحثا عن الرزق، ولكنها لا تتقاضى 120 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع(3). صلاح شاب طيب بلا شك، بار بوالديه وأهله ومحيطه الذي نشأ فيه، ولكنها صفات تنطبق على كثيرين غيره، فقط هم ليسوا بالشهرة الكافية لتتصدر تبرعاتهم الخيرية عناوين الصحف (4)، ناهيك عن أن كل ما سبق تم الكشف عنه مؤخرا، بعد أن بلغت الهيستيريا ذروتها بالفعل.

سياسة افتراضية واقتصاد افتراضي وإعلام افتراضي وجنس افتراضي في بلد تبدأ نقاشات مثقفيه بعبارات مثل "دعك مما يحدث الآن"، و"بغض النظر عن الوضع الحالي". واقع كامل يُلغى عمدا مع طلوع شمس كل يوم حتى يتسنى للناس العيش دون أن يُجنوا أو ييأسوا أو يُقدموا على الانتحار، وفي وسط هذا كله يخرج من يخبرك أنك لست بحاجة لـ"Become A Legend" بعد اليوم، أن العالم الافتراضي الذي ظننت وظيفته الوحيدة هي استبدال الواقع قد استرجع وظيفته الأصلية التي خُلق من أجلها؛ التعبير عن واقع حادث بالفعل.

محمد صلاح يستلم جائزة أفضل لاعب أفريقي عن العام 2017  (الأوروبية)

إنك، ولو لفترة مؤقتة، ولو لموسم واحد، ولو بلاعب واحد، يمكنك أن تتظاهر أن صلتك بالعالم الحقيقي لم تنقطع كليا بعد، يمكنك أن تدرك ما شعر به أول برازيلي ابتاع نسخة من "PES" أو "Fifa" ليجرب اللعب بروماريو أو بيبيتو بنفسه، ما شعر به أول أمريكي بعد خروج النسخة الأولى من "Red Alert" أو "Call Of Duty" للنور، ما شعر به الجزائريون وهم يشاهدون عروض محرز المبهرة مع ليستر أو هدف ماجر مع بورتو في نهائي الأبطال؛ أن هناك واحدا منا قد أصبح واحدا منهم، أنك لم تعد بحاجة لأن تنتظر مبرمجا محليا ليضيف الأهلي والزمالك على نسخة اللعبة حتى يتسنى لك مشاهدة أرقام أبو تريكة ومتعب وشيكابالا وهي مليئة بالـ99 والـ97 والـ95. إنك ولو لفترة مؤقتة، ولو لموسم واحد، ولو بلاعب واحد، لم تعد بحاجة للتظاهر، وأنه صار بإمكانك أن ترى بضعة أرقام برتقالية وحمراء في قائمة قدرات صلاح دون أن تشعر بالسخف، ودون أن تضطر لابتياع النسخة التي طُبع عليها بفوتوشوب رديء "سنتر الشبح لمستلزمات البلستيشه".

تلك القصة، رغم روعتها، ليست بالملحمية التي تبدو عليها، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يثير الحزن بشأنها، أن مسيرة صلاح لم تكن لتصل لهذه اللحظة لولا بضعة تفاصيل صغيرة، مثل حقيقة أن مجتمعا مأزوم كهذا لم يكن ليمنحك الفرصة أصلا لتعيد له صلته بالواقع، بل على الأغلب سينقض عليك بمنتهى القسوة والوحشية لإجهاض مخططك قبل أن يبدأ، وهو ما كاد يحدث مع صلاح بالفعل في فترة تشيلسي.

فقطاع لا بأس به من المصريين ليس مستعدا لمغادرة العالم الافتراضي إلا لهدف واحد فقط لا غير؛ هو قمع كل محاولات الخروج منه، وإخماد حماس أحدهم هو الشيء الوحيد الذي يتحمسون له بجنون، وفي فقاعة العالم الافتراضي يصبح السكون والموات هو السبيل الوحيد للبقاء، ولا يهدده إلا المحاولات الفردية الحادة ذات الرؤوس العنيدة المدببة، لأنها ستفجر الفقاعة كلها قبل أن تخرج.

 تساند صحف إنجلترا وإعلامها محمد صلاح كما ينال الإشادة من زيدان وغوارديولا (الأوروبية)

كان ذلك هو أهم وأصعب ما تعامل معه صلاح في مسيرته، أصعب من التسجيل في السيتي وتشيلسي، وأصعب من التأقلم على أسلوب لعب كلوب المتطلب ومباريات البوكسينغ المرهقة المتلاحقة(5)، لأن النجاة منه بثنائية الصمت والاجتهاد كانت تعني فرض واقع جديد على الكل، واقع جديد تسانده فيه صحف إنجلترا وإعلامها وينال فيه الإشادة من زيدان وغوارديولا(6) (7)، واقع أكبر مما يمكن تكذيبه أو إجهاضه، والأهم أنه واقع جميل لا تريد أن تبدأ فيه حديثك بعبارات مثل "بغض النظر" و"دعك مما يحدث الآن"، واقع يريد المصريون أن يعيشوه، ربما للمرة الأولى منذ زمن بعيد، وحتى لو كان في لعبة لن تغير شيئا ككرة القدم.

بالطبع ليس كل ذلك مبررا لتخطي المعقول والمنطق كلما تحدثنا أو تحدث غيرنا عن صلاح، ولكنه يعني فقط أن هناك قطاعا مازال يتحين فشل الرجل حتى ينقض عليه مرة أخرى، وبنفس التطرف الذي يختطف الأمور في الاتجاه المضاد الآن.

أما عن غيرهم، فبعضهم يرى فيه مثلا أعلى، وبعضهم يرى فيه نمرا أسود آخر لا يقوم بدوره أحمد زكي هذه المرة، لأن سجوده عقب كل هدف يستحضر الصورة الذهنية عن المصري الملتزم الصامد أمام إغراءات الغربة، وبعضهم ينظر له بمزيج من الإعجاب والحقد، وكثيرون منهم يحبونه لله في لله لأنه -على عكس كثير من الناجحين- لا يستعلي ولا يُنَظِّر ولا يطالب الجميع بأن يتحولوا لنسخ منه، وآخرون لا يرون من الأمر كله سوى فرصة جيدة للاستثمار في مستقبلهم، لأنهم أدركوا أن مزيدا من الجدية والاجتهاد قد يكون مربحا جدا أحيانا، لكن الرابط الأكبر بين كل هؤلاء أن صلاحا صار أحد الخيوط الرفيعة القليلة التي مازالت تربطهم بالعالم، وكأنه أول تلفاز أو راديو يدخل البلاد في عصر الهاتف، نافذة على العالم لا تتحكم فيها الوجوه التقليدية التي مل منها الجميع.


من الصعب التخيل بأن صلاحا يدرك كل هذه الأبعاد، ولو أدركها لما نجح لأنها أكبر منه ببساطة، بالأحرى هي أكبر من قدرة أي شخص على التحمل، ولولا أن صلاح نجح في التسلل خارج الفقاعة دون أن يفقأها لربما ما كان ليصل لما حققه.

ظاهريا، يبدو أن صلاح قد أضاف مساحات واسعة من المبالغات الافتراضية لساحة كرة القدم العالمية، وتلك المبالغات تنال حجما أكبر كل يوم مع دخول جمهور ليفربول على الخط، وبخاصة الإنجليز منهم على غير المتوقع، لأنهم مأزومون بدورهم وإن اقتصرت أزمتهم على الصعيد الكروي، ولكن في نفس الوقت، فإن ما لم يلاحظه الكثيرون أن صلاح منح كثيرا من المصريين مساحات أخرى من الواقع كذلك، ولأنهم لم ينالوها من قبل فهم لم يجيدوا التعامل معها بعد، والأمر يحتاج مزيدا من الوقت بطبيعة الحال، لأن لا أحد منهم قد اعتاد اللعب بصلاح في البلاي ستيشن.
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار