انضم إلينا
اغلاق
عن خريف رونالدو الذي صادف ربيع الريال

عن خريف رونالدو الذي صادف ربيع الريال

يوسف حمدي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

التطرف آفة مشجعي كرة القدم الأولى، والاستناد على الأهواء هو الثانية، أما امتزاج كليهما فهو سرطانٌ حقيقي، منبع للكثير من المغالطات في عالم كرة القدم، وسبيل لجعل جميع الخيارات صفر وواحد، إما معي أو ضدي. وفي مسألة نسبية إلى أبعد مدى ككرة القدم لا يمكن أن يكون الناتج إما بالسلب أو الإيجاب فقط، لأنه حينها ستصبح جميع الأحكام خاطئة لأنها انحصرت بين الصفر و الواحد، بينما الحكم الحقيقي وقع في ما بينهما غالبا.

 

الحديث عن كرستيانو رونالدو هو أكثر ما يحمل من المغالطات، ما بين هجومٍ متطرف يضرب في مسيرته كاملة ويُحاول إظهاره في ثوب اللاعب العادي والأقل من ذلك أحيانا، وبين دفاعٍ أعمى يُبرر له كل شيء حتى لو ترك الملعب أثناء المباراة وذهب إلى بيته، يستند هذا في الحكم على لون قميص فريقه، ويستخدم ذاك بعضًا من اللقطات الساخرة التي تحدث لأي لاعب، بينما يستمر أحدهم في إدارج اسم لاعبٍ آخر من أجل المقارنة التي لم يُفتح لها مجالٌ من الأساس، المهم أن أحدهم سيقر بحكم من اثنين، فإما أن يكون رونالدو أفضل لاعب في التاريخ وإما أن يكون الأسوأ، وكلا الحُكمين خاطئ.

 

نظرة عامة

يبدأ اللاعب ناشئا، ثم يكتسب الخبرة تدريجيا بمرور السنوات حتى يصل إلى قمة عطائه، وفي النهاية ينتهي به المطاف عند الاعتزال بعد فترة من الانخفاص في المستوى، تلك التي تُصاحبه منذ الثلاثين من عمره حتى تصل ذروتها ويصبح غير قادرٍ على إضافة أي جديد، فيخلع قميصه ويقرر وضع خط النهاية لمسيرته، تلك هي دورة حياة أي لاعب، لا يُمكن أخذ لقطة واحدة منها من أجل إطلاق حكم عام على مسيرته، ولا عيب في كونه غير قادر على تقديم أفضل ما لديه سواء لكونه ناشئا أو لكسره حاجز الثلاثين.

  

فرانشيسكو توتي نجم روما السابق (رويترز)

  

في روما كان هناك من هو أكثر من مجرد لاعب كرة قدم أو حتى أعظم أساطير اللعبة، فرانشيسكو توتي كان ملكا في أرض القياصرة، رمزا للعاصمة الإيطالية وأحد أبرز رجالها عبر التاريخ، كما اعتبره البعض الرمز الأول للوفاء في عالم كرة القدم، وعلى الرغم من ذلك لا نتذكر أن أحدهم تذمّر من وضع توتي على دكة البدلاء في أواخر مسيرته، أو من التعاقد مع بعض النجوم الذين قد يأخذون مكانه، ولكن لن تأخذ قيمته أبدا، وفي نفس الوقت، لم نجد من يُحاول نسف تاريخه بسبب مواسمه الأخيرة التي لم يستطع فيها قيادة الفريق كما كان يفعل في ربيع عمره.

 

توتي كان مثالا فقط، مثالا على كون أي لاعبٍ ـ مهما كانت قيمته ـ  معرض لأن يفقد مميزاته تدريجيا كلما مر عليه عام بعد الثلاثين، فلا هذا يعني أنه لم يكن يمتلك تلك المميزات من الأساس، ولا هو مبررٌ لتقديم المزيد من المواسم الكارثية استنادًا على تاريخه الحافل، وكأنه يقايض هذا بذاك.

 

رونالدو المعصوم

إذا كان الحديث عن دورة حياة اللاعب نسفا لمحاولات التقليل من تاريخ رونالدو، فإننا  أيضا نحتاج إلى نسف المبالغات التي تحاوطنا في الجانب الآخر؛ فهذا الموسم يقدم ريال مدريد أحد أسوأ مواسمه في الألفية الجديدة، طالت الاتهامات الجميع في البيت الملكي من مدربٍ للاعبين لإدارة لهجوم لوسط ملعب لدفاع لحارس مرمى، بينما يُحاول البعض وضع رونالدو فوق المساءلة بأي شكل، حتى لو أتى ذلك على حساب المنطق والحقائق، فنجد البعض يتهم كريم بنزيما بأنه السبب وراء تراجع أداء رونالدو، ولكنه يتغاضى عن الأحاديث المتبادلة من رونالدو وبنزيما بأن كلا منهما يُفضل اللعب بجوار الآخر، ما يُفسر كون بقاء المهاجم الفرنسي في مدريد كل هذه الفترة من الأساس سببه كرستيانو نفسه. يدّعون أن الفريق لا يقدم له الدعم، وأن إيسكو وأسينسيو يتعمدان عدم التمرير له، حتى وإن وصلت إليه عشر فرص تفنن في تضييعها جميعا، هنا تذهب الاتهامات إلى الحظ اللعين، المهم أن رونالدو نفسه لا يخطئ.

 

الرد الوحيد لدى هؤلاء هو الأرقام، تلك التي أثبتت تفوق كرستيانو على غيره في الأعوام الماضية، ولكن حين نتحدث بأن الأرقام نفسها هي التي تشير إلى أن رونالدو أصبح هذا الموسم خارج الـ 100 الأوائل من حيث المراوغات الناجحة في الدوري الإسباني، في الوقت الذي يسبقه فيه على القائمة لاعبون كأومتيتي وإياراميندي وأندري جوميش،(1) يكون الرد بأن رونالدو هو ملك اللمسة الأخيرة وأفضل هداف في أوروبا بلا منافس، وحين ترد الأرقام ذاتها من جديد بأسوأ معدل تهديفي لرونالدو في مسيرته كامله بعد أن سجل 4 أهداف فقط في نصف الموسم الأول في الدوري الإسباني(2)، نعود إلى أول الدائرة المُفرغة من جديد، وتعود المبررات لكي تدور حول الحظ اللعين وقلة الدعم والمؤامرات والشرير بنزيما.

  

   

انتهاء عصر المداورة

تعوّد الجميع منذ التحاق رونالدو بريال مدريد أن مسألة وجود كرستيانو في الملعب هي أمرٌ حتمي، كون ريال مدريد يلعب ورونالدو غير موجود هي فكرة غير قابلة للطرح من الأساس، إلا أنه مع تولي زيدان القيادة، وخلال موسمه الثاني مع الفريق، لجأ المدرب الفرنسي إلى استبدال رونالدو،(3) ثم تخطى الأمر ذلك إلى وضعه بديلًا في بعض المباريات، بدأ هذا الأمر كنوع من الرفاهية، أو لأن زيدان كان يحب أن يبرز أن لديه فريقين يُمكن له تحقيق الفوز بكليهما، أو لكي يُثبت للجميع أنه يستند على منظومة حقيقية من صناعته، ولا يعتمد فقط على لاعبٍ أو اثنين.

 

مع الوقت  تخطى الأمر تلك المرحلة، وأصبحت إراحة رونالدو من أجل كبرى المواعيد أمرا حتميا، أصبح من الصعب على ذي الـ 32 ربيعا أن يلعب حوالي 60 مباراة في الموسم بكامل مستواه، بدنيا وفنيا أصبح من الضروري الإستغناء عنه في المباريات السهلة نسبيًا، من أجل الحصول على أفضل نسخةٍ منه في المواعيد الكبرى.

 

وحين يفعل زيدان ذلك من باب الاستعراض، ويتنازل عنه في أكثر الأوقات احتياجًا، فهنا نجد علامة استفهامٍ كبرى، العام الماضي كنت تمتلك موراتا وخاميس، وهذا العام يتمحور خط هجومك حول رونالدو فقط تقريبًا في ظل غيابٍ متواصل لبيل، وحضورٍ كعدمه لبنزيما، فلماذا لا تكرر نفس التجربة بأن تحافظ على رونالدو للأوقات الحاسمة، ولماذا لا تلجأ إلى إراحته في المباريات التي يمكن حسمها بدونه حتى تحصل على نسخته الأفضل بدايةً من مارس؟

 

هل حان وقت الرحيل؟

 

حين يدور الحديث حول الوفاء في عالم كرة القدم، فإن الأمثلة التي تُضرب يجب أن تكون للاعبين أعطوا أنديتهم أكثر مما أعطتهم، لاعبين كانت لديهم العديد من العروض الأفضل ولكنهم فضلوا عدم تغيير القميص لأنهم يحبونه، رونالدو أو ميسي أعطوا أنديتهم كثيرًا بل وأعطوا كرة القدم ذاتها أكثر، ولكن في حالة ميسي أو كرستيانو ما المُبرر الذي سيدفع أحدهم للرحيل عن فريقه؛ لاعب متواجد في واحد من  أقوى فريقين في العالم، يُتوج بالبطولات ويُحيط به الدعم الإعلامي من كل جانب، يتقاضى أعلى أو ثاني أعلى راتب في أوروبا ويتصدر اسمه جميع الأحاديث الكروية، فما المُغري في قصة الرحيل وترك كل هذا؟!

 

نعم قد يكون هؤلاء عاشقين لأنديتهم، ولكن على الأقل لا نضع أسماءهم في خانة الأوفياء الذين ضحوا بكل شيء في سبيل الانتماء أو ما شابه، لأنهم حصدوا في تلك الأندية ما لم يكونوا ليحظوا به خارجها، فحين تقتضي الظروف رحيل أحدهم لا يجب أن يكون الرد بأن الفريق عليه احترام هذا اللاعب كما فعل روما مع توتي أو أودينيزي مع دي ناتالي على سبيل المثال.

 

جماهير ريال مدريد أصبحت ترغب في بيع رونالدو، فوفق استفتاء لصحيفة أس المدريدية ترى 64 % من جماهير الريال حتمية بيع رونالدو، في الوقت الذي يفضل فيه 36 % فقط الاحتفاظ به(4)، تعالت صافرات الاستهجان وأصبح رونالدو مُطالبًا بتقديم أفضل ما لديه للرد على جميع المنتقدين، حتى أن حركة "الكالما كالما" أصبحت حتمية في سانتياجو بيرنابيو نفسه من أجل إسكات صافرات الاستهجان التي تُلاحقه كلما أضاع فرصةً أو حاول التفنن في مراوغة تكون نهايتها ساخرة أحيانا، كل المؤشرات تقول بأن هناك عدم ارتياح مُتبادل بين رونالدو وجمهور البيرنابيو، الأمر الذي يجعل الانفصال ضروريا كحل بسيط لتلك المعضلة.

 

دور البطولة
كيف سيقتنع رونالدو بأنه ليس نجم فريقه الأول في الوقت الذي يرى نفسه فيه الأفضل في التاريخ؟! (رويترز)

 

ويبقى السؤال هنا، لماذا ترى الجماهير الحل في بيع رونالدو، في الوقت الذي طالبت فيه ببقاء راؤول وهو في نفس العمر والحالة البدنية تقريبا؟ الإجابة بكل بساطة ستكون عقلية رونالدو، تلك التي لا تعرف إلا الرقم 1 ودور البطولة وتصدر العناوين والأحاديث، وتلك التي دفعته ليُصرح بأنه أفضل لاعب في التاريخ في واحدة من أقل الفترات في مسيرته(5)، راؤول قبل بأن يأتي خلف رونالدو وكاكا في تقييمات الإعلام، قبل بالجلوس احتياطيًا للصاعد كريم بنزيما، كان لديه قناعة بأن الوقت الراهن ليس له بل للجيل القادم، الأمر الذي لا يمكن أن يقوم به رونالدو حاليًا، وكيف سيقتنع بأنه ليس نجم فريقه الأول في الوقت الذي يرى نفسه فيه الأفضل في التاريخ؟!

 

العقبات النفسية ليست وحدها ما يمنع بتواجد رونالدو مع نجمٍ آخر يتولى هو دور البطولة، بل أنه تكتيكيا لا يُمكن لرونالدو أن يلعب كقلب هجوم صريح بين جناحين مهاريين يشبهانه منذ 5 سنوات مثلًا، ومن يُروجون لهذا بحجة أن رونالدو لعب كمهاجم صريح في العام الماضي مخطئون، لأن رونالدو لعب هذا الدور داخل الرسم التكتيكي 4/4/2 بتواجد بنزيما كمهاجم وهمي خلفه،(6) الأمر الذي يتيح له التطرف يمينا ويسارا وهو ما رأيناه كثيرا، وبتواجد بنزيما أيضًا الذي تتركز 80% من أدواره  كـ "دوبلير" يذهب دائمُا لتغطية الفراغ الذي يتركه رونالدو سواء على الجناح أو في العمق، وهو ما يحبه الثنائي، وهو أيضًا ما تسبب في استمرار بنزيما في ريال مدريد حتى الآن.

 

إما يلجأ رونالدو إلى تعديل بعض أفكاره المتعلقة بالقيادة والأفضلية ليُزهر ربيع مدريد، وإما يبقى الوضع على ماهو عليه

إذًا نحن أمام نسفٍ لفكرة التعاقد مع جناح مهاري ليحل محل رونالدو الذي سينتقل لمركز المهاجم، فضلًا عن عدم قدرة رونالدو على لعب دور الجناح الذي لعبه منذ بداية مسيرته وحتى قبل عامين من الآن، وبالإضافة إلى عدم وجود إمكانية لأن يجلس رونالدو بديلًا، إذا نحن أمام حلين لتلك الأزمة، الأول هو رحيل رونالدو عن ريال مدريد والبحث عن تجربة جديدة بضغوطٍ أقل تناسب لاعبا بعمر 33 عاما، والثاني هو القبول بالوضع الحالي وعدم مُطالبة رونالدو بتقديم جديد، والتعايش مع العقم الهجومي لريال مدريد والذي سيستمر في حال عدم اللجوء إلى هدم خط هجوم الريال وإعادة بنائه من جديد.

 

البطل الجديد

تكاثرت الأحاديث في مدريد عن هاري كين وإيكاردي وإيدين هازارد وحتى نيمار المنتقل حديثًا إلى باريس سان جيرمان،(7) البعض قال إنها مجرد إشاعات وتحدث البعض الآخر بأنها عروضٌ رسمية مقدمة من إدارة الفريق الملكي، وبين هذا وذاك، فإنه لا يمكن إنكار أن الجميع في مدريد أصبح يتحدث عن البطل القادم، نظرًا لكون كرستيانو رونالدو جزءًا من الماضي حتى وإن كان لايزال يرتدي قميص الملكي.

 

بالنسبة للجميع الأمر تخطى فكرة السُبات الذي يتم الاستيقاظ منه بنهاية الموسم، بل إن الذي يُقدم حاليًا هو كل ما يمتلكه رونالدو، أو لنكون أكثر دقة، هو الذي أصبح يمتلكه في الثالثة والثلاثين من عمره، ولنبتعد عن كلمة المنتهي التي يُروجها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فإن مسيرة رونالدو قد حل خريفها وبدأت أوراقها في التساقط، ولسوء حظه صادف ذلك ربيع الريال، ولأن الخريف والربيع لا يجتمعان، فإما يلجأ رونالدو إلى تعديل بعض أفكاره المتعلقة بالقيادة والأفضلية ليُزهر ربيع مدريد، وإما يبقى الوضع على ما هو عليه، ولكن لا نستغرب حينها إن انتقلت عدوى الخريف من رونالدو إلى كل ركن من أركان الريال.
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار