انضم إلينا
اغلاق
لماذا يشعر مشجع الكرة بأنه أذكى من مدرب فريقه؟

لماذا يشعر مشجع الكرة بأنه أذكى من مدرب فريقه؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

  

في (سبتمبر/أيلول) 2014، كتب نيل ليندون مقالا بالتليغراف عنوانه "لماذا يعرف مشجعو كرة القدم أكثر مما يعرفه المدربون أحيانا؟". السؤال هنا لم يكن استنكاريا، بل سؤال حقيقي غرضه الاستفهام بناء على تجربته الشخصية. (1) ليندون مشجع عتيد لبايرن ميونيخ، وهو أمر نادر في إنجلترا تحديدا، وكان يعاني -مثل غيره- من صعوبات شديدة في تفهم قرار غوارديولا بنقل فيليب لام من مركزه الأصلي كظهير أيمن إلى وسط الملعب.

 

نظرية ليندون كانت مباشرة وواضحة وبسيطة؛ لام هو أفضل ظهير أيمن في أوروبا، وعندما يشارك في موقعه المعتاد مع البايرن أو المنتخب تتحقق الانتصارات والعكس بالعكس، بالتالي لا يوجد مبرر لإصرار بيب على التفلسف الزائد ولا لتصميم لوف على تكرار التجربة في مباريات المنتخب، لأن أيا كان ما يفعله لام في وسط الملعب فهو لن يرقى لما يقدمه للفريق كظهير أيمن.

 

إذًا ما الذي يجعل رجلا كليندون، لم يدرب فريق أطفال الحي حتى، قادرا على أن يرى ما لا يراه بيب ولوف؟

        

لأنك لا تعلم ما تفعله

دعنا أولا نزيل اللبس الذي وقع عندما قرأت عبارة "كتب نيل ليندون في التليغراف". لا بد أنك ظننت أن ليندون محلل تكتيكي لا يشق له غبار ليجرؤ على نقد قرارات غوارديولا أو بطل كأس عالم كلوف، وفي الواقع هذا ليس حقيقيا؛ ليندون ليس صحفيا رياضيا من الأصل، بل مجرد مشجع عادي لبايرن ميونيخ مهتم بكرة القدم بشكل عام، ولكنه في الأصل يكتب في قضايا المساواة بين الرجل والمرأة وله عدة مؤلفات في هذا الصدد. (2)

      

      

دعنا ثانيا نؤكد لك أن هذه النظرة إلى ليندون، باعتباره رجلا غير مختص فيما يتحدث فيه، هي ما يجعل لمقاله قيمة، لا العكس، لأن الرجل هنا يطرح سؤالا أعجز كل العقول منذ بدأ العالم ممارسة اللعبة، وهو يتحدث بصفته مشجعا يدرك أنه مشجع ولا يدّعي اختصاصا، ويطرح سؤاله من قبيل الاستغراب، لا بهدف الطعن في إمكانيات بيب أو غيره.

    

من هذا المنطلق، يحكي ليندون عن حالات أخرى لأن الأمر متكرر بالطبع، مثل تلك الفترة العصيبة التي هتف فيها مشجعو نيوكاسل لسام ألاردايس قائلين: "أنت لا تعلم ما تفعله" (You don’t know what you are doing)، ويتساءل كيف يمكن لمشجعي الكرة أن يتحدثوا بهذا اليقين مع مدرب له نجاحاته في الكرة الإنجليزية رغم مآخذ الجميع عليه، وحتى لو لم يكن فهو يملك من المعرفة ما يجعله أكثر دراية منهم بالقطع. (3)

  

لأننا نتكلم كفنيين

الإجابة عند ليندون كانت في واقعتين، واقعتين أثبتتا أن الإجابة ليست موجودة فعليا لأنهما متناقضتان إلى أبعد مدى. الأولى عندما قابل بريان كلوف في 1980 وكان الرجل قد فرغ لتوه من أكل يابس أوروبا وأخضرها مع نوتنغهام فورست محققا بطولته الأوروبية الثانية، وحينها سأله ليندون عن مباراة جرت منذ عشرة أعوام أمام توتنهام، عندما كان كلوف يدرب ديربي كاونتي. (4)

   

بريان كلوف 1980 (غيتي)

  

في المباراة المذكورة، تسيد السبيرز الملعب طولا وعرضا طيلة الشوط الأول وأهدروا عدة فرص، ثم بدأ الشوط الثاني وانقلب الحال تماما، وانتهت المباراة بفوز ديربي بهدفين نظيفين كان من الممكن مضاعفتهما، وحينما سأل ليندون كلوف عن السر، أجابه وكأن المباراة وقعت بالأمس؛ الرجل كان يتذكر كل التفاصيل بما فيها قيامه بتحريك مدافعه لعدة أمتار لاعتراض تمريرات السبيرز لجناحهم الخطير كواتس، وبعدها لجوءه إلى تأخير جناحه لأمتار أخرى ليساعد الفريق في الخروج بالكرة وبدء الهجمة، ويتذكر كيف عجز الفريق اللندني تماما بعد تغييراته ولم يجد أي حلول.

 

السؤال الثالث لليندون في مقاله، والذي لا بد وأنه أحدث ضجة مدوية عند صدوره، كان عن عشرات الآلاف الذين حضروا المباراة في الملعب، وكم واحدا منهم أدرك ما حدث بعدما حدث، وكم واحدا منهم أدرك أنه ما كان يجب أن يحدث قبل أن يحدث، وكم توقعوا أنه سيحدث من قبل المباراة أصلا. (1) هذا هو ما قاده للحديث عن الواقعة الثانية، والتي أفصح عنها هاري ريدناب في ستوديو سكاي منذ عدة سنوات، كان بول ميرسون حاضرا والثنائي كان قد تزامن عند لحظة ما في بورتسماوث، الأول كمدرب والثاني كلاعب، وتطرق الحديث إلى ركلات الجزاء فسأل ميرسون مدربه السابق عن ركلة كان قد منحها له ليسددها بدلا من ياكوبو النيجيري مسدد ركلات الجزاء الأول، فأجاب ريدناب بأنه كان قد راهن ياكوبو على 20 ألف باوند أنه لن يسجل 20 هدفا هذا الموسم، وقبل تلك الركلة كان قد سجل 19 هدفا بالفعل. (5)

  

إذن لماذا تتحدث؟
اللاعب "بول ميرسون" (يمين) والمدرب "هاري ريدناب" (رويترز)

  

مدرب يقرر مصير المباراة بناء على رهان شخصي بينه وبين أحد لاعبيه، وآخر يتذكر مباراة أدارها منذ عشرة أعوام وكأنها جرت منذ ساعات، والاثنان من أفضل المدربين الإنجليز الذين شهدتهم بلادهم، والتفسير الوحيد الذي وجده ليندون لدور لام الجديد مع غوارديولا هو أن ثمة رهانا مشابها كان الثنائي قد عقداه فيما بينهما، ربما كان ألا يستطيع لام تجاوز 400 تمريرة في المباراة الواحدة، المهم أن الأفعال المراهقة المشابهة هي ما يجعل مشجعي كرة القدم يعتقدون بأنهم أذكى من المدربين أحيانا.

 

طبعا هذه ليست إجابة، ربما تكون طريقة طريفة للتخلص من ورطة طرح سؤال بلا إجابة فعلية، وربما تكون محاولة للتوثيق غرضها أن يعود ليندون في أقرب فرصة قائلا: "ألم أقل لكم؟"، ولكن الأكيد أنها لا تصلح كإجابة لواحد من أهم الأسئلة فيما يخص علاقة المشجعين باللعبة.

 

في الواقع، فإن حقيقة أن مشجعي الكرة -منطقيا على الأقل- لا يمكنهم أن يفهموا اللعبة أكثر من مدربيها، كانت تستخدم كباب هروب خلفي في الكثير من الحالات، ولا بد أنك قد قابلتها في مناقشة كروية واحدة على الأقل؛ أحدهم يدافع عن مدرب ما وأنت تنتقده ثم يلقي بالورقة الرابحة: "أنت لست مدربا، وعندما تحقق نصف إنجازاته فربما يتسنى لك أن تنتقده، وحتى يحدث ذلك سيظل حرّاقا".

   

      

وبغض النظر عن كونها حجة عدمية تأكل نفسها بنفسها، ببساطة لأن صديقك ليس مدربا بدوره، وبالتالي لا يمكنه أن يحدد ما إذا كان ما يفعله غوارديولا أو غيره صحيحا أم لا، ناهيك بأن يدافع عنه، فإن قانون الاحتمالات يخبرنا بحقيقة راسخة لا يمكن زحزحتها، وهي أنه مع عشوائية اللعبة والحياة والعالم في العموم، فإنه في الوضع الحالي سيوجد بعض مشجعي اللعبة الذين يفهمونها أكثر من بعض مدربيها، وهذه محاولة أصيلة حقيقية للتوصل لأسباب ذلك، بالطبع بعد أن نضع ما يلزم من خطوط أسفل "بعض".

   

لأن المدرب يعلم

دعنا أولا نفرّق بين أن تشعر وكأنك أذكى من المدرب، وبين أن تكون أذكى منه فعلا، لأن الأولى من الممكن أن تحدث لأسباب عديدة لا علاقة لها باللعبة أصلا؛ مثل حقيقة أنك لا تدرك تعقيدات الوظيفة مثلا، فأنت شخص واحد بدماغ واحد وطريقة واحدة للتفكير، لست بحاجة إلى قبول المساومات أو العمل في جماعة، لست مضطرا لتحمل سخافات رئيسك في العمل أو تحكماته، لست مضطرا للتعامل مع غرور لاعبيك أو طموحات مساعدك المتزايدة، وطبعا لا تمتلك أي خبرة في الاحتكاك بالإعلام وامتصاص الضغوط التي يفرضها، ببساطة لأنك لا تعمل في جماعة ولا تملك رئيسا ولا لاعبين ولا مساعدا ولا مراسلين وصحفيين يسألونك عن أسباب الخسارة أو المكسب.

 

هذا كله يجعل تفكير المشجعين يسير دائما في مسار خطّي مستقيم؛ مجرد مراكمة لما جمعوه من معلومات فوق بعضها البعض لتؤدي –منطقيا- إلى نتيجة محددة أو عدة خيارات بعينها، وبالتالي فغالبا ما تكون أسئلتهم بدائية؛ أسئلة عن "ماذا" و"متى" و"لماذا"، لأن "كيف" تتدخل فيها عدة عوامل مؤثرة للغاية لا يحتك بها المشجعون، وتحول المدرب إلى رجل مضطر للسير في الكثير من الخطوط المتعرجة لإرضاء الجميع، وكثيرا ما يحتاج إلى اتباع سياسة "خطوة للخلف - خطوتان للأمام" الشهيرة لتجنب الصدام مع أحد عناصر اللعبة، وحينها يظن المشجعون أنه لم يكن يعلم ما يفعله مثل سام ألاردايس، وكان ينتظرهم ليخبروه.

 

السبب الثاني ليتملّكك الشعور نفسه هو أن العامل الحاسم في تحول أحدهم إلى مدرب كرة قدم غالبا ما يكون بعيدا عن عيون الجماهير، عندما يكون مغمورا لا يعرفه أحد، في هذه الفترة يقع الحدث الذي سيجعله مدربا محترفا أو سيلقي به إلى نفس مصير الآلاف الذين حاولوا وفشلوا ولم يسمع عنهم أحد. هذا هو ما يعرف بمعضلة صيد الأسود؛ أنت تسمع فقط عن الصيادين المهرة الذي عادوا برأس الأسد وحنّطوها وتباهوا بها أمام أصدقائهم، أما هؤلاء الذين تم افتراسهم فلم نعرف قصصهم لأن الأسود لا تجيد الكتابة. (6)

   

    

الخلاصة أنك تشهد الجزء الأسهل من مسيرة أي لاعب أو مدرب، ليس سهلا في المطلق بالطبع ولكنه أقل صعوبة من سابقه، عندما يكون قد تحول إلى محترف يتقاضى ما يفوق حاجته حتى لو كان يدرب في الدرجة الرابعة البلجيكية، وبالتالي أنت تتعرف على المدرب عندما يتولى مسؤولية فريقك الكبير الذي يمتلك لاعبين رائعين ويمنح رواتب خيالية، وبطريقة ما تشعر أن كل هذا ليس مستحقا لأنك لم ترَ مقدماته، على عكس المدرب بالطبع.

 

لأن المدرب لا يعلم

الاحتمال الثاني بالطبع هو أن تكون -ببساطة- أعلم من المدرب باللعبة. كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ هناك طرق كثيرة على غير المتوقع، أولها أن يكون الحدث الذي حوّله إلى محترف هو احتفاظه بعلاقات قوية، وهذا أمر شائع في أوروبا مثل غيرها. العلاقات لن تحوّل أي عابر سبيل إلى مدرب بالطبع، ولكنها قد تمنح مدربا محترفا مكانة لا يستحقها.

 

هناك ظاهرة أخرى مهمة كذلك غالبا ما نغفلها عند تعريف الفارق بين المحترفين والهواة، ربما لأن اللفظة نفسها قد اكتسبت سمعة سيئة من فرط الابتذال في الأعوام الأخيرة، ولكن "الشغف" يُمثل فارقا مهما هنا. الهواة أكثر شغفا، ليس لأنهم وُلدوا هكذا، بل لأن قيود الوظيفة لم تكبّلهم بعد.

   

  

الأمر بسيط، كل مشجعي اللعبة -على اختلاف اهتمامهم بتفاصيلها- لم يُمنحوا الفرصة لاختبار قناعاتهم، وهذا يُشعرهم دائما بأن تطورهم لم يكتمل، وسواء كانوا سيصبحون مدربين أفذاذا أو العكس، فإن هذا النقص يُبقي شغفهم حيا طيلة الوقت، ويجعلهم أميَل إلى متابعة كل جديد والتعرف على تفاصيله، على عكس المدرب الذي يصبح موظفا مع الزمن، ويضمر شغفه عندما يتحول إلى روتين، وفي بعض الأحيان يموت تماما عندما يفشل في تحديد الوقت المناسب للاعتزال، بل ولا يشعر بالحاجة إلى التطور أصلا بمجرد أن يتولى مسؤولية فريق كبير، والأدلة أكثر مما يمكن حصره.

 

أضف إلى ذلك حقيقة مهمة للغاية؛ وهي أن النسبة الكاسحة من المدربين الحاليين جاوزوا الخمسين من عمرهم، وهذا يعني أنه عندما انطلقت ثورة الإحصائيات والتحليلات الرقمية المتطورة "Analytics" منذ 20 عاما أو أقل، فإن أغلبهم كان قد اعتزل اللعبة أو أوشك على ذلك، وحتى لو لم يكن لاعبا من قبل فهذا يعني أن الأسلوب التحليلي الحالي كان في أطواره الأولى عندما كان أغلبهم في العقد الرابع من عمره. (7)

  

لأنها عادة

هذا هو ما تحدث عنه كريس أندرسون وديفيد سالّي في كتابهما "لعبة الأرقام"، الكتاب يحاول تفنيد الأساطير والخرافات التدريبية الشائعة، وأكثر ما واجهه الثنائي أثناء إعداده كان العبارة الشهيرة: "هذه هي الطريقة التي تتم بها الأمور". كلما تساءلوا عن سبب الاعتماد على أسلوب معين دون غيره كانت أغلب الإجابات لا تخرج عن هذه العبارة، في إشارة مستمرة إلى تحوّل بعض الخرافات إلى حقائق مستقرة، فقط لأنها ظلت قائمة لفترة طويلة. (8)

 

  

الثنائي تحدث عن كثير من الأندية والمدربين الذين يرفضون الاعتماد على التكنولوجيا لأنها تقلل من سطوتهم وتنزع قدرا من سلطتهم في الحكم على كل شيء وأي شيء، بل إن بعض الأندية تقوم بتوظيف المحللين الإحصائيين رغم إيمانها بعدم أهميتهم، فقط لكي تُخلي مسؤوليتها أمام المدرب وتتحجج بأنها قد وفّرت له كل ما يلزم للنجاح.

 

هذه الحالة تُجبر كثيرا من المدربين الحاليين على الاعتماد على شكل واحد من المعرفة هو خبرة الاحتكاك، بمعنى أنهم يجربون شيئا ما بناء على مشاهدة سابقة، فينجح، فيستمرون في استخدامه، والعكس بالعكس، وفي كثير من الأحيان يتم ذلك بلا تحليل حقيقي لأسباب نجاحه أو فشله وما إذا كانت متعلقة بعوامل مؤقتة ستتغير لاحقا أو العكس، بل إن اعتمادهم على الاحتكاك كمصدر رئيسي للتطور يعني أنه سيتم تناقل الأفكار الخاطئة بالضبط مثلما يتم تناقل غيرها. هذا الخلل تحديدا لا يجعل المقارنة بين المدربين وبعض المشجعين المهووسين بدراسة اللعبة مستحيلة، لأنها حينها لا تكون مقارنة بين المعرفة والجهل، بل بين نوعين مختلفين من المعرفة، أحدهما نظري والآخر عملي، وكل منهما مطلوب ليكتمل الحكم الموضوعي على كل ما يخص اللعبة.

 

لأنهم يكرهونك

لأسباب يطول شرحها، بعضها منطقي وبعضها ينم عن الطابع الرأسمالي الذي اكتسبته اللعبة في العقود الأخيرة، فإن المحترفين -سواء كانوا لاعبين أو مدربين- يكرهون الجماهير، أو في أفضل التقديرات لا يعتدّون بآرائهم. (9) (10) يمكنك أن تلومهم وستمتلك العديد من الأسباب الموضوعية، ويمكنك أن تعذرهم لأنه حتى وإن كان بعض المشجعين أذكى فعلا فلا شك أن كم السباب واللعنات التي يتلقونها من الباقين كفيلة بالأمر، وحتى وإن كانوا لاعبين سيئين أو مدربين لا يفقهون شيئا، لأن ما ينالونه من الأنصار غالبا ما يكون أقسى مما يمكن تحمله.

  

كتاب "مشجع خلف الكواليس" (مواقع التواصل)

  

ما يخصنا هنا هو الحقيقة المجردة التي ذكرها ريك جيكوسكي في كتابه الرائع "مشجع خلف الكواليس" (Staying Up: A Fan behind the scenes in the Premiership) أن المحترفين يظنون أن المشجعين حمقى، وحتى وإن تحلّوا بالتهذيب اللازم في تعاملاتهم معهم. ليس هذا وحسب، بل يلازمهم إحساس دائم بالشفقة تجاه الأنصار، لأنهم يحمّلون اللعبة أكثر من طاقتها، ويحوّلونها إلى مسألة حياة أو موت، وهذا يخبرك عن مدى بؤس حياتهم الواقعية، طبقا لجون سالاكو، اللاعب السابق في كريستال بالاس وأحد محللي سكاي الحاليين الذين يطلّون عليك من وقت لآخر ليحدثوك عن الشغف. (10) (11) (12)

 

هذه العلاقة السلبية بين أهم عناصر اللعبة هي سبب العناد الذي تستشعره من مدرب فريقك أحيانا؛ إصراره على أن ينتصر لقناعاته حتى ولو كانت خاطئة، ورفضه التام للانصياع للجماهير، وحتى في المرات القليلة التي تجتمع فيها الجماهير على أمر صائب. طبقا لجيكوسكي فإن العلاقة هنا تجارية بحتة، أنت ستبتاع تذاكر المباريات الباهظة وستشترك في قنوات البث والباقي ليس من شأنك، وهذا ما يجعل بعض مشجعي الكرة أحيانا أكثر تجردا وقدرة على تمييز المفيد للفريق عن غيره، وهي مفارقة طريفة في هذا السياق.

  

لأن الشيطان في التفاصيل

رغم كل شيء، يظل السؤال مركبا للغاية، لدرجة أنه يحتاج إلى كثير من الشروط والتفاصيل لكي نطرحه من الأصل، وكلمات مثل "بعض" و"أحيانا" تكتسب أهمية فائقة في موضوع كهذا، لا يحتمل القناعات المطلقة ولا أي نوع من أنواع اليقين. يمكنك أن تعتبر الأمر برمته كدورة حياة حتمية تتكرر في نمط واضح، هناك طراز من المدربين يصعب أن تجد من هو أذكى منه بين أقرانه، ناهيك بالمشجعين، وهناك طراز آخر يتعامل مع القصة على أنها وظيفة، لا أكثر ولا أقل، مجرد مصدر لكسب الرزق، وهناك طرق محددة معروفة للتحول من هذا الطراز إلى ذاك مع الوقت، وحقيقة أن عددا كبيرا من المدربين يمتلك قدرة هائلة على استفزاز مشجعي ناديه لا يجب أن تنسينا حقيقة أن النسبة الأكبر من مشجعي أي نادٍ قادرة على استفزاز غاندي نفسه لو كان يدرب فريقهم.

 

ما يهمنا فقط هو أن الاحتمالية موجودة، بالضبط مثل احتمالية أن تُعِد زوجتك أو أمك دجاجا أفضل من الشيف شربيني، وما يهمنا أيضا أن هذا ليس بجديد، وأن كرة القدم مثل غيرها تحتاج إلى بعض الإضافات من خارجها أحيانا، فقبل كل هذه التعقيدات كان المدربون واللاعبون يجلسون في المدرجات أو خلف الشاشات مثلنا تماما، ولا شك أن أكثرهم كان يتساءل عن سبب إشراك لام في وسط الملعب كذلك.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار