انضم إلينا
اغلاق
ديربي مانشستر.. في عالم مورينيو الموازي

ديربي مانشستر.. في عالم مورينيو الموازي

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

باختصار ورقي بحت، مانشستر يونايتد دافع لشوط فخرج بـ3 تسديدات ولا واحدة منهم على المرمى، وهاجم لشوط فأنتج 3 تسديدات أتت إحداهم أخيرا على المرمى من ركلة جزاء. مانشستر يونايتد دافع لشوط تلقى خلاله 9 محاولات (واحدة على المرمى أنتجت هدفا)، ثم هاجم لشوط تلقى خلاله 9 تسديدات منها 4 على المرمى. مانشستر يونايتد حين دافع امتلك الاستحواذ بنسبة 31% لأنه لا يريد الكرة، أما حين هاجم امتلك الاستحواذ بنسبة 39% لأنه لا يلعب بالكرة أصلا.

  

لا يمكن القول بأن مانشستر سيتي كان في قمة شراسته، فباعتراف بيب غوارديولا نفسه الفريق ارتكن إلى الهدوء والتريث بعد الهدف الأول لأنه يريد ضمان الفوز بتلك المباراة، ربما لأن هناك بعض التعديلات التي أدخلت على عقليته مؤخرا، وربما لأنه يعرف أن التفوق الفني لـ85 دقيقة ليس كافيا لهزم الشياطين الحمر، ليس بعد تلك السرقة الأخيرة في تورينو.

   

(تشكيل الفريقين وتقييم اللاعبين - هوسكورد)

     

إطار المنطق

هناك مقدمات تؤدي دائما إلى النتائج، صحيح أن هناك نتائج تُعاكس المقدمات ولكن هذا لم يحدث الليلة. ففي ملعب الاتحاد تزداد ثنائية لابورت وستونز قوة مع الوقت إلى جانب الدعم الكبير الذي يقدمه كايل ووكر بالتزامه الدفاعي وإسهاماته الهجومية، يُصاب دي بروينه فلا يحدث أي شيء تقريبا هذا الموسم، يأتي بيرناردو سيلفا ويصنع هدفين في الديربي وكأن شيئا لم يحدث.

  

يزداد التطور والتعدد في الخيارات الهجومية، فيستمر الارتفاع المتزايد في مستوى سترلينغ، وتشرك محرز للربط مع خط الوسط تارة، ثم ساني لفتح الملعب على مصراعيه تارة أخرى، تبدأ بأغويرو ولديك جيسوس على مقاعد البدلاء، كل شيء مجهز نسبيا للقب البريميرليج الثاني على التوالي.

  

يتجسد النقيض الكامل على الناحية الأخرى، فحتى دي خيا ليس في مستواه إلى درجة السماح بمرور هذا الهدف الثاني، ولا ظهير أيمن سوى يانغ لأن فالنسيا لا يزال في المستشفى بينما تم التعاقد مع دالوت ليقوم بالسياحة العلاجية في مانشستر. وإن كان هناك من يشكو من سمولينغ في السابق، فإن الحياة عادة ما تُثبت أن هناك ما هو أسوأ.. لينديلوف في الملعب وبايلي على دكة البدلاء.

  

ماتيتش يقدم موسما سيئا، وبوغبا الأمل الوحيد للحياة هنا خرج مصابا في ظروف غامضة قبل المباراة. لينغارد أساسي، مارسيال في الملعب لأنه يعيش أياما رائعة ولأن بديله يتقاضى 500 ألف جنيه إسترليني أسبوعيا كي لا يفعل أي شيء، وأخيرا مع سؤال الأسبوع ومع الوضع في الاعتبار أنه لم يسجل في 9 مباريات قبل الأزمة البدنية المفاجئة التي تعرض لها: ماذا تفعل بأفضل مهاجم لديك في القائمة والذي طلبت التعاقد معه العام الماضي؟ تبقيه بديلا وتشرك راشفورد طبعا.

 

دعه يمر

هنالك بعض الأسس التي نتفق عليها سابقا في مثل هذا النوع من المباريات: مانشستر سيتي سيهاجم ويستحوذ، مانشستر يونايتد سيدافع ويلعب على المرتدات. صحيح أن "هوسكورد" تبرع مشكورا وأخبرنا أن المرتدة الوحيدة التي تحولت إلى فرصة في المباراة كانت لصالح سيتي، إلا أن جوزيه مورينيو بالتأكيد يملك خطة ما، الخطة المحفوظة نفسها، سيحاول امتصاص الضربات في الشوط الأول ثم يرى ما الذي يمكن أن يحدث في الثاني.

 

لسوء الحظ لم يمهله القدر سوى 12 دقيقة حتى أتى هدف ديفيد سيلفا، ولحسن الحظ أن بيب قرر منح الأولوية لتأمين الغنائم فلا أحد كان ليعلم إلى أي مدى سيسوء الأمر لو استمر الغزو. هذا الهدف الأول تحديدا ليس بحاجة إلى تحليل، فقد بدأ عند يانغ ليستمر وراء شو ثم يعود إلى الجهة الأخرى وسط مراقبة شرفية لمالديني السويد، في وجود 8 لاعبين داخل اللعبة بخلاف دي خيا، بواقع 7 داخل المنطقة ولينغارد يواجه الكرة من خارجها، فقط مارسيال وراشفورد بالخارج على مقربة انتظارا لما يُدعى اصطلاحا بالمرتدة.

   

(الهدف الأول - الكرة في طريقها إلى بيرناردو سيلفا)

     

المشكلة ليست في ادعاء الفريق للدفاع وحسب، بل في كون الكرة ذاتها تكررت بدايتها 3 مرات قبل الهدف، ولم يكن سرا خفيا أن غوارديولا يستهدف يمين يونايتد بكل ما أوتي من قوة، حتى متوسط التمركز لم يبذل جهدا في إخفاء تلك الحقيقة. يسار سيتي أنتج 47% من محاولات الفريق بالفعل فماذا عن الجانب الآخر؟ اكتساح، 58% من الهجمات أتت من الجانب المعاكس (يسار يونايتد)، ولكن ليس لأنها مجرد تعليمات، بل لأن مارسيال على الرغم من قراراته السيئة فإنه الوحيد الذي يفعل شيئا.

      

(متوسط تمركز الفريقين: سيتي يسارا باللون البرتقالي، وبالكاد مارسيال وراشفورد جاوز متوسطهما منتصف ملعب الشياطين الحمر باللون الأزرق - هوسكورد)

   

في ظل تراجع ماتيتش والتزام فيلايني الدفاعي وافتقاره الطبيعي إلى تلك الأدوار التقنية بالكرة، لم يكن للكرة متنفسا سوى يانغ وهيريرا من اليمين، وهي الجبهة نفسها التي ضربها الخصم بكل ما أوتي من قوة، فأي كرة تلك التي تنوي الصعود بها حين يهم ميندي وديفيد سيلفا وسترلينغ بالتناوب على قصفك، بل ويعاونهم أغويرو الذي نشط بقوة مفاجئة خارج منطقة الجزاء؟

 

إجمالا شاهدنا الكثير من المشاهد المعتادة، فهذا هو شكل مانشستر يونايتد حين يدافع مع مدربه الدفاعي، وهذا هو شكل مانشستر سيتي حين يهاجم، حتى شكله حين يقرر تهدئة اللعب أو حتى قتله لم يعد مُستغربا. ما قدمه لينغارد ليس جديدا، هذا ما كان يفعله في آخر 3 مباريات، قبل أن تلوم اللاعب اسأل من أشركه. حتى راشفورد الذي بادله التحرك بين اليمين والعمق، أو بادله المزاح بالأحرى، الكل يعرف أنه موهبة بلا عقل، ولذلك كان مارسيال الأمل الوحيد بين كل من في الملعب، ولكن ماذا عمَّن خارجه؟

     

(الخريطة الحرارية للفريقين - سيتي (يسارا) يغطي الملعب بأكمله كالعادة مع ميل واضح لليسار، بينما يمكن ملاحظة ذراع يونايتد الوحيد بسهولة - هوسكورد)

    

الحكمة المتأخرة مجددا

لتكتمل سلسلة المشاهد المعتادة، يجب أن يكتشف مورينيو كل مرة عيوبا واضحة في تشكيله، ثم يبدأ بمحاولة تداركها في التبديلات، الأمر يعكس تحسنا ملحوظا ولكنه لن يفوز لك بالمباراة كل يوم، خاصة وإن كان التغيير في الأسماء لا يعني تغييرا جذريا في الطريقة، وهي أمور لا تتولد بين أشواط المباريات بل تُكتسب كمجمل لعمل المدرب. ولكن حتى تلك المرة لم يمهل القدر جوزيه مجددا، فما هي إلى 3 دقائق داخل الشوط الثاني حتى أتى أغويرو ومحرز بتبادل يعد من أساسيات الكرة، ليصعقه الأول بثاني الأهداف بين يدي دي خيا.

   

شيء كان مورينيو محقا بشأنه في تصريحاته عقب المباراة، فالسيئ في ذلك المشهد لم يكن خطأ الحارس الإسباني، بل فقدان لينغارد الكارثي للكرة في منتصف الملعب مدمرا وضعية فريقه بالكامل. أخيرا نال البرتغالي كفايته فأقحم روميلو لوكاكو على حسابه، وما هي إلا دقيقة واحدة -سبحان الله- حتى تسبب البلجيكي بأول فعل هجومي حقيقي، أسفر عن ركلة الجزاء التي أنتجت تسديدة يونايتد الوحيدة على مرمى إيدرسون.

 

على الجانب الآخر باشر غوارديولا بالدفع بساني على حساب محرز بحثا عن هدف قتل المباراة المقتولة سلفا من مجريات اللعب، لتأتي آخر تحركات مورينيو قبل ربع ساعة من نهاية الوقت الأصلي، بنزول سانشيز وماتا بدلا من راشفورد وهيريرا، متحولا إلى 4-2-3-1، وهو ما رد عليه الإسباني بإقحام غوندوغان لزيادة السيطرة على الوسط عوضا عن وجود أغويرو بالأمام.

 

المباراة انتهت عمليا قبل هدف غوندوغان (الذي نتج بدوره عن 44 تمريرة)، ربما مع هدف أغويرو، وربما قبل أن تبدأ المباراة أصلا. تغييرات يونايتد كانت ضرورية وأتت تصحيحا لأخطاء التشكيل من بادئ الأمر، ولكنها ما كانت لتصلح فقدان الشياطين الحمر للاستحواذ أكثر من النصف في وسط ملعبهم (11 من 20)، بينما فقده سيتي 4 مرات فقط من أصل 18 في منتصف ملعبهم، أقل مما فقده داخل منطقة جزاء يونايتد نفسها (5 مرات).

        

(أماكن فقد الاستحواذ: مانشستر يونايتد يأتي من اليمين باللون الأزرق - سيتي من اليسار باللون البرتقالي - هوسكورد)

     

كوكب مورينيو الشقيق

يمتلك المدرب البرتغالي قدرة استثنائية على نسج عالمه الخاص والعيش به والتوحد معه إلى أقصى الحدود، وصولا إلى سحب عدد لا بأس به من أنصاره لينصهروا جميعا في بوتقة لا نهائية من المبررات والأعذار المنطقية وغير المنطقية. عالم يسهل فيه طمس الحقائق بشتى الطرق والوسائل، سواء بإلقاء الضوء على ما لا يهم أو بتجاهل ما لا يمكننا الرد عليه الآن، فهو ليس مدربا كبيرا فقط، بل أحد أمهر رجال الكون في فن تغيير الموضوع.

  

مورينيو خرج بعد المباراة ليؤكد أن الأداء لم يكن سيئا، وأن كل ما حدث كان بسبب الأخطاء الفردية، لأن مباراة يوفنتوس السابقة استهلكت جهدا ذهنيا كبيرا، بل يجب أن نتفق جميعا على ما يلي: "أن تذهب إلى يوفنتوس وتلعب أمام أحد أفضل فرق العالم لـ90 دقيقة فهذا شيء، وأن تفوز على شاختار دونيتسك في ملعبك 6-0 وتكون مسترخيا هو شيء مختلف تماما".

  

أرأيتم؟ بات لدينا موضوع آخر لنتحدث عنه، بل بات لدينا متهم جديد، يختلف تماما عن الحكام والاتحاد الإنجليزي واللاعبين والجماهير وما إلى ذلك. لماذا خسر مانشستر يونايتد؟ اسألوا الاتحاد الأوروبي. لم يكن الأداء سيئا، تعرض الفريق للأهداف بسبب الأخطاء الفردية فقط، وقد يكون ذلك صحيحا إلى حد ما، ولكن لماذا لم يسدد الفريق سوى كرة واحدة على مرمى الخصم من ركلة جزاء؟ الأخطاء الفردية بالطبع.

  

لا أحد طالب مورينيو بالهجوم ومبادرة سيتي من الأمام، هذا لا يمكن اعتباره مطلبا متعقلا بالنظر إلى الأسلوب الذي أرساه مورينيو بالفعل، وبالنظر إلى القوة المدمرة التي وصل إليها سيتي بالفعل. ولكن المطالب الحقيقية أبسط من ذلك: حين تلعب بشكل دفاعي، دافع. وحين تضطر للهجوم يجب أن تصل إلى مرمى الخصم وتسدد. وحين تختار تشكيلا يجب أن يتكون من أفضل اللاعبين في قائمتك. تنقصك بعض التعاقدات؟ صحيح، ولكنك لا تلعب بأفضل المتاح لديك من البداية، ولا تقدم أفضل ما لديك من أفكار، ولكنك تملك لسانا يمكنه تصوير ركلة ماتا الحرة وخزعبلات الهدف التالي على أنها انتصار تكتيكي ساحق ضد أليغري، هذا كل ما في الأمر.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار