انضم إلينا
اغلاق
عودة نيمار إلى برشلونة.. الإجابة صفر

عودة نيمار إلى برشلونة.. الإجابة صفر

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

من كان يتوقع أن نيمار سيستمر في إثارة كل هذا الضجيج في برشلونة؟ نحن نقترب من منتصف الموسم الثاني بعد رحيله وها هو لا يزال مثار الحديث في كتالونيا بشكل أو بآخر. الشيء الوحيد المنتظر جديا كان انتقاله إلى ريال مدريد في يوم من الأيام، فتلك هي النهاية الطبيعية لهذا النوع من القصص.

 

لاعب ينضم إلى النادي الكتالوني في صفقة فضائحية أدت إلى استقالة الرئيس ساندرو روسيل وهروبه، يؤدي موسما متوسطا ثم يبدأ انفجاره مع تشكل ثلاثي "MSN"، يُصاب ميسي فيحمل الفريق ويمضي به قُدما رفقة سواريز، ولأنه قام بهذا الدور لبعض الوقت، فجأة اعتقد أنه قادر على القيام به حتى وميسي في الملعب، ليهدر موسما كاملا من عمره وعمر الكتلان في ممارسة شيء دخيل على الكرة، ولكن في هذا الموسم تحديدا البعض لم يُشاهد سوى مباراة الريمونتادا.

 

تتغذى الفكرة في عقله يوما تلو الآخر. لن أقضي شبابي في ظل ميسي، سأخرج وأثبت للجميع أني قادر على أن أصبح الرجل الأول، بل سأهزم ميسي نفسه مع الفريق الذي تسببت أنا في أكبر فضيحة بتاريخه، وبينما أفعل ذلك سأحصل على قدر لا بأس به من الأموال، ولكن أولا سأثير حيرة النادي وأدفعه لجرد السوق بحثا عن البرازيليين أبناء جلدتي ليؤنسوا وحدتي هنا، ويُفضَّل لو كان والدي هو وكيلهم، ثم تُفتح خزائن النادي الفرنسي لكسر شرطي الجزائي، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعد بضعة أيام سيأكلكم ريال مدريد أحياء في السوبر، ثم سأقاضيكم للحصول على مكافأة الولاء المُستحقة نظرا لمدى إخلاصي، أو نظرا لأنكم حمقى تضعون شرطا كهذا في العقد يستحق الدفع قبل نهاية سوق الانتقالات بشهر، هل يكفي هذا؟ هل أنا بحاجة إلى تذكيركم بعيد ميلاد شقيقتي المقدس؟ لا؟ إذًا فليوفقنا الله ويحمينا.

 

لأن الكل لديه عائلة ما..
"العائلة هي كل شيء" (La familia es todo)

هيكتور سالامانكا - المسلسل الأميركي "Breaking Bad"


بالتأكيد، العائلة هي كل شيء دون أدنى شك، نيمار يولي أولوية كبيرة للعائلة وهو أمر لا يستهان به، لا يمكن حرمان لاعب من لحظة ولادة طفله أيا كان المبرر وهذا من الناحية الإنسانية البحتة وليست العملية التي تُلزمه بالوجود أيا كان الظرف، كذلك لا يمكنك أن تطلب من لاعب توفي أحد والديه أن يتناسى الأمر ويرتدي قميصه وينزل إلى الملعب فورا، إن فعل هذا من تلقاء نفسه فإن جماهير النادي ستحمل له هذا الموقف في قلوبها، ولكنها لن تلعنه لأنه حزين على وفاة والدته كأي إنسان طبيعي.

 

ولكن عيد ميلاد أخته؟ حقا؟ كل شخص لديه أولوياته ويحق له ترتيبها، لكن أولوياتك كلاعب محترف تتلقى هذا الراتب الضخم لتؤدي عملك يجب أن تكون أكثر اتساقا مع الواقع، الفريق ينافس على الليغا وعلى وشك خسارتها، هذا هو الوقت الذي يُوجب التضحية لأجل القميص تماشيا مع كم التشدق بحب الشعار الذي أطلقه البرازيلي على مر أربع سنوات في كامب نو، وليس من الواضح حجم التضحية المطلوبة للتأخر قليلا عن أحد أعياد الميلاد أو حتى التغيب عنه على كل حال.

 

"نحن شعب البلوغرانا.. لا يهم من أين أتينا" – نشيد برشلونة 

كل ذلك ولكنك تجد ببساطة من يشجع برشلونة ويتمنى عودته إلى النادي، والحقيقة أن انعكاسات الأمر ليست بهذه البساطة، الكثير من اللاعبين تركوا أنديتهم وعادوا إليها لاحقا، لكننا نتحدث هنا عن لاعب تفنن في إهانة النادي في وجوده وقبل رحيله، وإن كانت عائلة نيمار هي أولويته، فعلى مشجع برشلونة أن يُحدد ما الأولوية هنا، عائلته الكبيرة أم نيمار وعائلته؟


ولكن ماذا لو كان كل ما سبق هو محض هراء لا وجود له في هذا العالم؟ ماذا لو كانت كرة القدم الحالية وزمن الاحتراف لا يعترفان بخزعبلات الولاء التي أكل عليها الدهر وشرب؟ ألم يخرج ليوناردو بونوتشي من يوفنتوس بخلاف مع مدربه، وسجل في شباك البيانكونيري واحتفل بهدفه، ثم عاد في العام التالي مباشرة مع المدرب نفسه؟ الفوارق واضحة وحالة بونوتشي أقل حدة بطبيعة الحال، ولكننا سنسلم لوهلة أنهما الشيء نفسه ونقفز إلى بقية الأسئلة المنطقية، لأن الارتكان إلى الجانب الجماهيري العاطفي فقط كان الاختيار الأسهل منذ البداية.

الواقعية

لنتغاضى عن نيمار نفسه تماما في الوقت الحالي ولنتجاهل كل ما ورد بتجربته السابقة، سنعامله باعتباره إضافة فنية كبيرة -وهو كذلك بالتأكيد- في طريقها للفريق، إذ إن هذا هو المنظور الوحيد المنطقي الذي قد يتغاضى مشجعو برشلونة المؤيدون لعودته عن كل ما سبق لأجله. والسؤال هو: هل تستحق قيمة نيمار الفنية كل ما سيترتب على تحقق تلك الاحتمالية؟

 

160 مليون يورو لأجل كوتينيو، 105 مليون لأجل ديمبيليه، ظل برشلونة في حيرة طويلة الأمد لإيجاد طريقة يلعب بها الاثنان، فجربهما فالفيردي على طرفي 4-4-2، ثم أعاد التجربة على طرفي 4-3-3 أخيرا بعدما كان مقتنعا -لسبب ما- أن كوتينيو سينجح كثالث للوسط، والآن أضيف عليهما مالكوم بـ40 مليونا، لم يتم استعماله بالقدر الكافي ولكن على الأقل نعرف ماذا يفعل في الملعب بالضبط. في الوقت الذي بدأت به تلك الفوضى تستقر نسبيا، هل تتسع القائمة لنيمار حقا؟

 

 

قبل أن تغضب وتأتي بأول إجابة منطقية وهي منطقية حقا: فليذهبوا إلى الجحيم، نيمار أفضل منهم جميعا! نؤكد لك أن هذا صحيح 100%، ولكننا لا نلعب "فيفا" هنا، حتى "فوتبول ماندجر" ستواجه فيها صعوبات بالغة لو حاولت الإقدام على خطوة كتلك. فهذا الأمر معناه بداهة أن يُعاد تشكيل "MSN" من جديد، وفي تلك الحالة سيذهب الثلاثة جميعا إلى الجحيم، أو سيعود كوتينيو إلى الوسط ويصبح برشلونة هو الجحيم بعينه.

 

كوتينيو لاعب كبير ومعروف، إذا أردت بيعه ستجد من يشتريه، لكنك تعرف جيدا أن خسارتك لن تكون هينة أبدا، فكوتينيو الذي حصلت عليه بسعر مرتفع لأنه يريد الانتقال إليك وإدارة ناديه تحاول إقناعه بالبقاء، يختلف كليا عن كوتينيو الذي ستبيعه لأنك ببساطة لم تعُد بحاجة إليه. الأمر ذاته ينطبق على ديمبيليه، من سيمنحك 105 مليون يورو لأجله وأنت تحاول التخلص منه؟ آرسنال؟! هل سألت عنه أولا؟

 

ولكن لأننا مع إدارة بارتوميو هنا فكل شيء وارد، سيرسلون ديمبيليه في إعارة مع حق الشراء بـ70 أو 80 مليونا كأقصى إنجاز متوقع، ثم يأمرون فالفيردي بإيجاد وظيفة لكوتينيو حتى نهاية عقده مع تحويل أوراق مالكوم إلى فضيلة المفتي، هكذا تدار الأمور هنا فأين كنت تظن غريزمان سيلعب بأي حال؟! ولكن هي معضلة واحدة قد يكون المساس بها أكثر من ذلك كارثيا إلى أبعد مدى. كرامة النادي في الميركاتو.

 

 

ما الذي دفع لإتمام صفقة مثل كوتينيو بالأصل رغم فشلها في الصيف ورغم كل المحاذير الفنية المنطقية التي تحيط بها ناهيك بفكرة المجيء به لتعويض لاعب لا يشبهه على الإطلاق؟ اللاعب عبَّر عن رغبته بالانضمام إلى برشلونة منذ بداية المفاوضات "ولا يصح أن نغدر به الآن"، إلى جانب التأكيد على كون برشلونة لا يأخذ "لا" كإجابة، بصرف النظر عن كم المرات التي سمعها مؤخرا. لذلك أتى اللاعب في يناير/كانون الثاني ليلعب الليغا المنتهية عمليا ولا يستفيد منه النادي في دوري الأبطال.

 

هل من المنطقي أن يرتكب حراس الكرامة -ومهدروها في الوقت ذاته- مثل هذا الخطأ الكارثي في السوق، ليطلقوا سُمعة سيئة بلا نهاية على النادي أكثر من تلك التي أطلقوها بالفعل؟ انظروا هنا برشلونة، هنا يمكنك أن تأتي وتلعب وتملي علينا شروطا خيالية ثم ترحل بهذا الشكل وتقاضينا أيضا إن أردت، ليس هذا فقط، جوسيب ماريا بارتوميو يُضحِّي اليوم، يمكنك العودة وقتما شئت وسنتكفل نحن بالتصرف بشأن من جلبناهم لتعويضك. أي رسالة أسوأ من تلك يمكنك إرسالها -من الناحية العملية البحتة- للاعبيك الحاليين وأي شخص تدور في عقله فكرة اللعب للبارسا؟

 

لماذا الآن؟
كل تلك الأسئلة قائمة بالأساس على فرضية واحدة: وجود رغبة حقيقية من نيمار بالعودة، ولكن لماذا؟ هل شعر بالندم حقا؟ حين نتناول مطاردا للمجد الشخصي والمال، فإن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة على مصراعيها. فكر في انحسار الأضواء عنه، فمن ملايين البشر يتابعون كل لمسة له مع البلوغرانا إلى أعداد أقل وتغطية إخبارية أقل في دوري يثير أقل القليل من الاهتمام إن قارناه ببقية الكبار.

 

 

هل يبدو نيمار كأحد هؤلاء اللاعبين الأذكياء من الناحية التكتيكية، الذين ينتقون خطواتهم واضعين الاستفادة الفنية كمعيار أول؟ هو ليس بحاجة إلى أن يكون واحدا منهم حتى يكتشف كل ما سبق، وحتى يلحظ أنه في دوري لا يمنحه سوى الحد الأدنى من الاحتكاك، الذي لا يكفي بطبيعة الحال لمواجهات دوري أبطال أوروبا، فقبله وبقدميه خرج باريس أمام نسخة متراجعة من برشلونة حتى بعد أن هزمها برباعية نظيفة، ومعه سقط أمام نسخة أقل من ريال مدريد، وكل ما استفاده فريق العاصمة وقتها من نجمه الأول هو 13 مراوغة صحيحة من أصل 15، ولكن ماذا بعد؟

 

إلى أي مدى تغيرت حسابات النجم البرازيلي في فرنسا؟ هل اكتشف أن عدم صبره على نهاية زمن ميسي المجاوز للثلاثين بالفعل، قد أفضى به إلى السقوط في ظل زميل مراهق؟ هل أعاد التفكير واكتشف أن ميسي وسواريز سيلقيان الراية إليه أسرع مما سيلقيها مبابي الذي لم يكن في حسبانه من البداية؟ ربما هي الحكمة المتأخرة كالعادة، ولكن أسوأ ما قد يكون في الأمر، هو أن يكون وجود المزيد من البرازيليين في الفريق وراء خلق تلك الرغبة، إذ ربما يعتقد أن التشكيل سيتسع له هو وميسي وسواريز وكوتينيو ومالكوم وخلفهم آرثر وما يستجد من أبناء بلاده، تماما كما وجد توخيل حلا ليلعب هو وكافاني ومبابي ودي ماريا في الليغ 1.

 

سنفترض مجددا أن كل العوائق ستُحل، وأن كل شيء بات مهيئا لاستقبال الابن الضال، هل هناك ما يضمن أنه سيأتي لحمل برشلونة إلى الأمام مستقبلا؟ أم أنها الوجهة المؤقتة الأسهل هربا من قلة التغطية الإعلامية وكوارث اللعب المالي النظيف في باريس، إلى أن يأتي دور القفزة الصحيحة في البريميرليغ حيث الأموال والأضواء معا؟ هل يبدو ذلك كسيناريو متشائم؟ لا بأس، لنتجاوزه إلى التساؤل الأخير.

 

هل نيمار حقا هو هذا اللاعب الذي تعتمد عليه لقيادة برشلونة بعد ميسي؟ بالعودة إلى الوراء لقد أثبت قدرته على فعل ذلك لبعض الوقت، وكلما قدم ما لديه والتزم بأدواره داخل الملعب في وجود ميسي أو غيابه كانت النتائج مذهلة، فقط حتى يقرر فعل النقيض الكامل والإفراط بالمراوغة وتعطيل اللعب ليقع تحت طائلة وصف يوهان كرويف لتلك الأشياء. هذا هو السؤال الوحيد الذي يسهل إجابته بين كل ما سبق، فالإجابة دائما كرويف. ببساطة نيمار يملك مهارات تجعله يقفز فرحا كأي محب للعبة، ولكنه يملك عقلية تجعله يتقلب غيظا في قبره.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار