انضم إلينا
اغلاق
بوتشيتينو وسارّي.. أهلًا بك في البريميرليغ

بوتشيتينو وسارّي.. أهلًا بك في البريميرليغ

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

في البداية يتعاقدون معك، ثم يأملون أن تملك الحل، ثم تبدأ العمل، ثم تصنع سلسلة لا هزيمة، ثم يكسرها توتنهام، ثم تنتصر. هذه واحدة من القواعد التي استقرت في البريميرليغ عبر السنوات القليلة الماضية.

  

تقول الأسطورة إن كل المدربين الجُدد في البريميرليغ عليهم ألا يُقيّموا موسمهم الأول قبل ملاقاة بوتشيتينو، بل عليهم ألا يهتموا أصلًا ببداياتهم في إنجلترا إن لم تشتمل على مواجهة السبيرز، وحتى لو كانت هذه البدايات أروع مما توقع الجميع، لأن الاحتمال الغالب أن الأرجنتيني وفريقه سيعيدونهم إلى أرض الواقع، وأن كل شيء سيتغير بعد اختبار كشف الكذب التوتنهامي.

   

   

بينفينيتو

"شاهدت العديد من المشاكل في أدائنا على كل المستويات، تحديدًا في الـ20 دقيقة الأولى، كان هناك فارقًا واضحًا طوال 90 دقيقة ولكن ثلث الساعة الأول كان كارثيًا، لقد أخبرت اللاعبين سابقًا أن لدينا عيوب واضحة في بداية المباريات وهذه المرة كان الأمر واضحًا ليدركه كل من شاهد اللقاء" – ماوريتسيو سارّي، المؤتمر الصحفي عقب المباراة. (1)

    

تشكيلة الفريقين وخطة اللعب والتقييم الرقمي - هوسكورد (مواقع التواصل)

   

هناك 4 مخارج للكرة في منظومة تشيلسي للبناء من الخلف؛ أولها هو طوليات ديفيد لويز، وثانيها وثالثها هو تمريرات أزبليكويتا وألونسو العمودية على الخط، والتي يقابلها ويليان من جهة وكوفاسيتش من جهة أخرى، كوفاسيتش وليس هازار لأن البلجيكي غالبًا ما يتموقع في القلب، وبالطبع الأهم على الإطلاق في جورجينيو، أي باختصار، كل دفاع تشيلسي تقريبًا قادر ا على بدء الهجمة باستثناء روديجير.

    

كوفاسيتش يميل يسارًا لمنح هازار مساحته المفضلة في العمق – هوسكورد (مواقع التواصل)

   

بمجرد تجاوز تلك المرحلة تعمل ماكينة تشيلسي بلا مشاكل ضخمة، لأن نجاح الرباعي المذكور في مهمته يعني أن الفريق سيتمكن من الاحتفاظ بانتشاره المثالي في الملعب ولن يحتاج إلى خلط خطوطه الثلاثة إلا في حدود التكتيك المتفق عليه، وبالتبعية سيتمكن كل من كوفاسيتش وهازار وويليان من استلام الكرة في مواقع متقدمة، وكلها بديهيات تنطبق على تشيلسي وغيره ويعلمها الجميع تقريبًا، لذا يعلم الجميع أيضًا أن فرصهم في الفوز على البلوز تتناسب طرديًا مع قدرتهم على عزل جورجينيو، على الأقل في الثلثين الأول والثاني. هذا أيضًا مُتوقع ومُنتظر لأننا نتحدث عن الرجل الذي تصدر قائمة تمريرات البريميرليغ بـ1186 تمريرة قبل هذه المباراة، وبفارق ضخم عن تاليه في الترتيب لابورت بـ1065. (2)

 

ما بعد جورجينيو

لكل هذه الأسباب كان من المنطقي أن يبدأ تخطيط كلا المدربين من مرحلة ما بعد جورجينيو، وفي مرحلة ما بعد جورجينيو لم يكن سارّي يمتلك – كما أسلفنا – سوى ويليان وكوفاسيتش، إما كمنفذ مباشر للثلث الأخير أو كمحطة إلهاء ليهرب الارتكاز الإيطالي من الرقابة وينتقل للثلث الثاني مباشرة في محاولة للالتفاف على خط الضغط الأول للسبيرز، وحينها يستخدم جورجينيو أبرز مميزاته على الإطلاق لينقل الفريق للثلث الأخير؛ اللمسة الواحدة بناءً على معرفته السابقة بموقع كل من زملائه في الملعب.

 

أين كانتي وهازار من كل هذا؟ الفرنسي يبقى بالقرب من ويليان لهدفين، أولهما سرعة الارتداد عند فقد الكرة، وثانيهما توفير محطة إضافية بعرض الملعب لتوصيل الكرة لجورجينيو، وإن نجحت تلك العملية ينطلق مجددًا إلى منطقة جزاء الخصم، والبلجيكي يمارس هوايته المفضلة في الهبوط للثلث الثاني للحصول على الكرة ضد رغبة مدربه، ببساطة لأن هذا يحرم كوفاسيتش من اللعب ويقصر أدواره على الارتداد فقط ويخرب ديناميكية الفريق بشكل عام، ولكنه لاحقًا يمارس هوايته المفضلة في كسر خطوط الخصم بمراوغاته وصولًا إلى منطقة جزائه فيحتفل سارّي بالهدف وينسى كل شيء، أو على الأقل يتظاهر بذلك.

   

لمسات هازار يظهر فيها لجوءه للهبوط لمساعدة كوفاسيتش وألونسو على كسر الضغط – هوسكورد (مواقع التواصل)

   

ضع نفسك مكان بوتشيتينو لدقائق وستجد نفسك أمام خيارين؛ أولهما أن تطبق الضغط بشكله المباشر، رجل لرجل طبقًا للمواقع في الملعب، كين مع لويز وآلي مع أزبيليكويتا وسون مع ألونسو  وهكذا، وبالطبع سيترتب على ذلك عدة نتائج، مثل تحرير روديجير لحمل الكرة والانطلاق عموديًا بكل ما سينجم عن ذلك من فوضى، والحاجة لتصعيد الأظهرة على الخط لتقابل ويليان وكوفاسيتش اللذان سيهبطان – بالتبعية – لمساعدة ألونسو وأزبليسويتا، والأهم على الإطلاق؛ اضطرار واحد من ثلاثي الوسط للانفصال عن رفاقه لمراقبة جورجينيو، أي ببساطة تفريغ العمق والأطراف لهازار لتتحول كل غاراته إلى أهداف، وحتى لو نجح الضغط في تقليلها للحد الأدنى.

 

تفكيك سارّي

الخيار الثاني هو أن تطبق ما برعت فيه دومًا؛ مصيدة الضغط. دعك من أزبيليسويتا وألونسو ، امنحهم حرية التمرير للأمام واغريهم بالصعود وليبدأ الضغط من المرحلة التالية عند كوفاسيتش وويليان، كلما تسلما الكرة يطاردهم أورييه وديفيز لإجبارهم على إعادتها للخلف باستخدام الخط كمدافع إضافي. لماذا ستصل الكرة إلى ويليان وكوفاسيتش بدلًا من جورجينيو كما هو معتاد؟ لأن وجود أورييه وديفيز على الخط سمح لآلي وسون بمحاصرته ثنائيًا في العمق. لماذا لا يضغط آلي وسون على أزبيليسويتا وألونسو؟ لأن محاصرة جورجينيو أجبرتهم على التمرير لويليان وكوفاسيتش اللذان يضطران لإعادة الكرة للخلف بسبب ضغط أورييه وديفيز، وهكذا في دائرة مفرغة تنتهي غالبًا بخطأ ينطلق بعده السبيرز في واحدة من مرتداتهم القصيرة السريعة، تلك التي وصفها سارّي بعد المباراة بأنها الأفضل في أوروبا. (1)

   

خريطة تمريرات البلوز في ربع الساعة الأول أو كيف تعزل جورجينيو عن اللعب بدون معلم – هوسكورد (مواقع التواصل)

  

بوتشيتينو بنى خطته من الأمام للخلف لا العكس، لذا كان خط دفاعه ووسطه هو لمسته الأخيرة التي لم يكن ليكتمل كل هذا بدونها؛ أولًا لعب ديير بدلًا من وينكس لأنه لاعب المحور الوحيد غير المصاب الذي سيضمن له رفاهية التحول لـ3-4-3 عند الحاجة، و3-4-3 كانت مهمة للغاية عند فقد الكرة لأنها ساعدت على تغطية الأمتار المتخلفة عن اندفاع أورييه وديفيز للضغط، مع لمحة ذكية متوقعة بنقل فويث لموقع ألدرفيريلد المفضل على يمين القلب لمنحه مزيدًا من الأريحية وفي ذات الوقت السماح للبلجيكي بالتفرغ لمحاصرة موراتّا، ناهيك عن قدرة ديير على التصدي للكرات الطولية العالية التي سيلجأ لها دفاع البلوز بعد نجاح الجزء الأول من الخطة.

 

من أمام ديير سيتموقع سيسوكو كساعد أيمن للمحور لمواجهة هازار، مستخدمًا قدرته الخارقة على الركض طيلة 90 دقيقة كأرنب البطاريات. كيف أدركنا كل هذا؟ ببساطة لأنها المرة الوحيدة تقريبًا التي شاهدنا فيها إيريكسين يلعب على يسار المحور لا يمينه، التفصيلة المحورية الكفيلة بتفسير نجاح بوتشيتينو في هذه المباراة من جهة، وفشل سارّي من أخرى.

  

  

صدق أو لا تصدق إيريكسين يلعب على يسار المحور وتوتنهام لم يرسل سوى 8 عرضيات طيلة المباراة – هوسكورد (مواقع التواصل)

 

لاشيء يظهر قيمة الإيطالي مثل حاجة بوتشيتينو لكل هذا العمل لإيقافه، ولكن بمجرد إتمام تلك المهمة عادت هجمات تشيلسي إلى العصر الحجري، لأن الرجل الذي تصدر قائمة تمريرات البريميرليغ في الـ12 جولة الماضية سجل 5 تمريرات فقط في الـ16 دقيقة التي تمكن فيها السبيرز من التقدم بهدفين، الأقل في الملعب باستثناء كين وموراتا وكانتي. في أي مباراة أخرى، وبحساب معدلاته الطبيعية، كان جورجينيو سيكمل أكثر من ثلاثة أضعاف هذا الرقم على الأقل في نفس المدة. من سجل أكثر التمريرات في البلوز؟ ألونسو وكوفاسيتش طبعًا.

   

     

تمريرات جورجينيو الخمسة في ربع الساعة الأول – هوسكورد (مواقع التواصل)

     

ألونسو وكوفاسيتش سجلا أعلى عدد من التمريرات للبلوز – هوسكورد (مواقع التواصل)

   

ما قبل جورجينيو

خرجنا من الشوط الأول وقد أدركنا عدة حقائق؛ أولها أن ساري مازال عاجزًا عن الاستفادة من كانتي، ليس فقط لأنه لم يسجل إلا هدف واحد رغم إستخدامه كرجل حر أمام الكرة في العملية الهجومية Third Man، ولكن لأن مردوده الدفاعي تراجع بشدة أيضًا، فحاليًا يحتل الفرنسي المركز 22 في عدد التدخلات الناجحة في البريميرليغ، بأقل من نصف ما أنتجه إدريسا غاي متصدر القائمة. (3)

 

ثانيها أن تبديل مواقع كوفاسيتش وكانتي أصبح ضروريًا لعدة أسباب، منها منح الكرواتي مزيدًا من المساحة للمشاركة في اللعب على الجبهة اليمنى المرحومة وكسر حالة الاعتمادية المبالغ فيها على جورجينيو وهازار، ومنها الحاجة لمساندة كانتي الدفاعية يسارًا إن أراد سارّي استمرار حملات ألونسو وهازار الهجومية بنفس النسق، وهو نفس ما يحدث عندما يبدأ باركلي بدلًا من كوفاسيتش بالمناسبة، وأحد أسباب ظهور الإنجليزي بشكل أفضل من الكرواتي إلى جانب حالته الحالية الرائعة.

   

نصف هجمات البلوز تقريبًا خرجت من جبهة ألونسو – هازار – هوسكورد (مواقع التواصل)

   

الحقيقة الثالثة التي أدركناها أن كرة القدم لعبة بائسة للغاية، لأنه رغم كل هذا العمل التكتيكي، ورغم التزام السبيرز بتعليمات مدربهم حرفيًا، ورغم نجاح كل ذلك في تعطيل البلوز تمامًا والعكس لأصحاب الأرض، إلا أن أهداف بوتشيتينو أتت من كرة ثابتة كان يمكن أن يسجلها آلي في أي مباراة أخرى، وتسديدة بعيدة ينطبق عليها نفس الوصف لكين، لأن أحد أهم عناصر تفوق الأرجنتيني في الشوط الأول كان في ذات الوقت أحد أهم العناصر التي خذلته كلما لاحت الفرصة؛ هيونغ مين سون، الرجل الذي يحتاج لأربع فرص محققة على الأقل حتى يسجل هدفًا.

   

تسديدات سون الأربعة طوال الشوط الأول قبل إحرازه الهدف، ثلاثة منها أتت من فرص سهلة التسجيل – هوسكورد (مواقع التواصل)

   

أهلًا في البريميرليغ

درس قاسٍ سيتعافى منه سارّي حتمًا، أو هذا ما سيخبره به كونتي وغوارديولا على الأقل. ما زاده قسوة كان هدف سون الثالث في مطلع الشوط الثاني بينما يجاهد البلوز للتماسك تمهيدًا للعودة، وما أكد أن الأمر تجاوز التفاصيل التكتيكية إلى سوء الحالة الفردية لكثير من اللاعبين، هو أن سون كرر نفس اللقطة بإيعاز من مدربه في بداية الشوط الأول، نفس التمركز في المساحات خلف ألونسو لاستغلالها في التحولات، فقط سجل الهدف هذه المرة.

 

تخلى بوتشيتينو عن الاستحواذ طواعية رغم أن المباراة على أرضه نظريًا، ولكنه نجح في الدفاع عن مرماه من الخطوط الأمامية باستخدام حائط الصد المتوسط Medium Block الذي أنشأه أورييه وديفيز وإيريكسين وسيسوكو حول خط منتصف الملعب، هذه هي النقطة التي تختصر فلسفة الأرجنتيني في المباريات الكبيرة، التي غالبًا ما تشهد تحركه في المساحة الرمادية بين كرة الفعل ورد الفعل Pro Active & Reactive Football، بدلًا من خوض الحرب المعتادة بين ما يطلق عليه الكرة الدفاعية والهجومية.

   

رغم حصول تشيلسي على مرة ونصف من نسبته من الإستحواذ، نجح بوتشيتينو في إبقاء الكرة في مناطق خصمه بنفس النسبة التي قضتها في مناطقه تقريبًا – هوسكورد (مواقع التواصل)

   

أهلًا بك في البريميرليغ، عبارة استُخدمت كثيرًا للتدليل على تنافسية المسابقة واختلافها عن أقرانها في أوروبا، ولكن في الموسمين الأخيرين تحديدًا عادت الأمور لطبيعتها وأصبح الكبار كبارًا لأنهم تصرفوا كالكبار، وظل الصغار صغارًا لأن أموال البث لم تكن كافية لتقريب المسافات. في الموسم الماضي على سبيل المثال كان الفارق بين إيفرتون الثامن وليفربول الرابع 26 نقطة، أكبر من الفارق بين إيفرتون وويست بروم متذيل الترتيب.

 

سارّي نال الـ"أهلًا بك في البريميرليغ" الخاصة به، وبعد 12 مباراة متتالية بلا هزيمة وأفضل بداية في تاريخ البلوز بالمسابقة وجد بوتشيتينو بانتظاره ليُعمده مثلما عمّد غوارديولا وكونتي من قبله، الباقي متروك – كالعادة – لسارّي نفسه.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار